«صفقة القرن»… في رواية أخرى – اليوم 24

«صفقة القرن»… في رواية أخرى

  • حسن حمورو يكتب: حزب «المغرب لّي بغينا»!

  • حسن حمورو يكتب: التبييض السياسي

يصعب فهم ما يسمى إعلاميا بـ»صفقة القرن»، دون وضعها في سياق الأزمة التي تواجهها التجارة العالمية، وخارج الحلول المقترحة لا يجاد سبل تجاوزها، في كل منطقة مهمة ومؤثرة كالمنطقة المسماة في قاموس الاستعمار بـ»الشرق الأوسط».

حذر الكثيرون من هذه الصفقة، واعتبروها عملية لبيع فلسطين في مزاد علني، أو إعدام للقضية الفلسطينية، وإجهاز على الحقوق التاريخية للشعب الفلسطيني، وأطرت هذا التحذير شعارات أغلبها عاطفية، مثل التي لطالما استعملت في التعبئة وإذكاء الحماس لدى الجماهير، والتي عادة لا تسمح بالنظر إلى الأمور من كل الزوايا، لبناء مواقف وقناعات على أرضية صلبة، تشكل وعيا يستعصي معه التضليل والتدليس، لكنها عموما جعلت الرأي العام العربي يتابع ويسأل عن الصفقة وأطرافها ومن صاحبها وعلى من سترسو!

ويبدو أن النخب العربية والإسلامية المؤمنة بخصوصية الأمة وتميزها الحضاري، مطالبة بتجاوز الكثير من الأفكار والمعطيات المتعلقة بفلسطين، التي باتت أقرب إلى المسلمات غير القابلة للنقاش أو المراجعة، مع أنها أثبتت محدوديتها في التعبئة لصالح القضية، وأسفرت عن فتور في النضال من أجلها مقارنة مع السنوات الماضية.

وليس القصد هنا الأفكار والمواقف المتعلقة بحق الشعب الفلسطيني في نيل الحرية وبناء دولته المستقلة، ولا بجدوى المقاومة كخيار من الخيارات التي اختارها الشعب الفلسطيني، وإنما القصد هو ما يتعلق بقراءات معينة في أحداث تاريخية وفي قرارات اتخذتها وتتخذها دول ومؤسسات دولية لها علاقة بالقضية الفلسطينية.

إن النخب العربية والإسلامية، في حاجة إلى لحظات من الهدوء، والابتعاد عن مساحات التوتر الفكري والوجداني، حتى يتسنى لها النظر إلى الذات والمحيط بموضوعية، وتفكيك كامل المشهد الذي تعيش فيه، وتعيد تركيب أجزائه وفق معايير تحترم الخبرة التاريخية، وتأخذ في الحسبان قانون السير في الأرض كما ورد في القران، وبالتالي، امتلاك الشجاعة للقيام بمراجعات عميقة في طريقة التفكير مع تجديد الفهم للمرجعيات الحاكمة والناظمة وإدماج المعطيات المستجدة.

المراجعات المطلوبة ينبغي أن تصل إلى القضية الفلسطينية، لتدقيق طبيعتها والفاعلين فيها، وما إذا كانت «إسرائيل» غاية أم وسيلة لغاية أخرى، أم مجرد محفز (catalyseur)  في تفاعلات أخرى تتعلق بالتاريخ، وبقلب المنطقة العربية، وتتعلق بمسارات طرق التجارة العالمية، سواء ذات العلاقة بالطاقة أو غيرها.

هناك حاجة، كذلك، إلى تدقيق في تحديد عناصر الصراع حول فلسطين، وتمييز القضايا السبب، عن القضايا النتيجة، وتدقيق التمييز بين أعداء الأمة حسب الخطورة الاستراتيجية والخطورة اللحظية، وتحديد ما هو رئيسي، وما هو ثانوي في التناقضات المطروحة أمام الشعوب العربية والإسلامية.

هذا النوع من المراجعات كفيل، بالوصول إلى التوصيف الأقرب إلى الحقيقة، الذي يمّكن من اتخاذ القرار الصائب أمام كل التفاعلات، وكل المقترحات التي يتبادلها كبار العالم، وتكتفي الأمة إزاءها برد الفعل رفضا أو انخراطا في التنفيذ، ومنها «صفقة القرن»، التي يمكن القول إنها ليست بدعة جديدة ولا كارثة حلت دون إنذار، وليست شرا مستطيرا وليست خيرا عميما، وإنما نموذج من بين نماذج كثيرة فرضتها المآزق التي تعيشها حركة التجارة العالمية.

ويخبرنا التاريخ أن أغلب الأحداث الكبرى التي هزت العالم، كانت نتيجة لاختناق في حركية التجارة وانسياب الثروة، يسبب بحث حلول لها انفجارات هنا وهناك، يتم بعدها إعادة ترتيب العلاقات، سواء علاقات المجتمعات بدولها أو علاقات الدول فيما بينها.

وبالتالي، فإن الموقف من صفقة القرن، وجب أن يأخذ بعين الاعتبار التحولات الجارية، والنقاشات الدائرة بين الفاعلين الكبار الباحثين عن مسالك تسوية مشاكل التجارة العالمية، والبحث عن وسائل الزيادة في إنتاج الثروة وتحقيق نسب مرتفعة من النمو، لأن هناك فكرة يدافع عنها التجار المسلطون على السياسة، تقول بأنه يمكن أن تقوم الدول وتنشأ، أو تُحل النزاعات على الأرض، من خلال ضمان مستويات معينة من تدفق رؤوس الأموال وحركية متصاعدة أو مستقرة للاستثمارات، تضمن مستويات عالية للإنتاج وللنمو، هذا النموذج هو الذي قامت عليه دولة روندا ونفسه جرب في العراق، وقريب منه اقترحه طوني بلير، عندما كان رئيسا لوزراء بريطانيا، لحل الأزمة الإيرلندية.

الخطير في صفقة القرن إذا اتفقت أطرافها، أي التي لها مصالح في فلسطين، دينية أو تاريخية أو قومية أو اقتصادية، فستكون المنطقة مقبلة على رجة كبيرة، تحقق مستتبعات الصفقة، من تغير ديمغرافي وعلائقي كبير، ولكن يبقى السؤال المطروح، هو من يمكنه مواجهة هذا المصير، الذي سيكون مكلفا لكل الشعوب المستهدفة أوطانها بمشاريع الصفقة، خاصة أن هذه الشعوب، وإن امتلكت مقومات المقاومة والصمود، إلا أنها لا تملك بعد مقومات التأثير !

شارك برأيك