حديث عن الكفاءات وأزمة النخب! – اليوم 24

حديث عن الكفاءات وأزمة النخب!

  • عادل بنحمزة يكتب: النموذج التنموي والمغرب الممكن…

  • عادل بنحمزة يكتب: صب الزيت على النار…

يعود اليوم موضوع الكفاءات والنخب إلى ساحة النقاش العمومي، وإن كان هذا الموضوع في الواقع ظل شديد الصلة بالحياة السياسية لبلادنا منذ نهاية التسعينيات من القرن الماضي، فقبل هذه الفترة كانت النخب المهيمنة لها خلفية سياسية وفكرية، حتى لو كانت في موقع السلطة، إذ كانت هناك أسماء كثيرة تلبس جبة التقنوقراط، ولكنها تملك خطابا سياسيا ورؤية للدولة والمجتمع، قد تتفق معها أو تختلف، لكنها كانت حاضرة، وهذه النخب، كانت من داخل بنية السلطة المغلقة، تمتلك هامشا للحركة واتخاذ القرار المناسب في الوقت المناسب؛ عوض التيه في هيكلية تنظيمية قد تفقد القرار جدواه عندما يتأخر، ولهذا يمكن القول إن الدولة كانت تمتلك جهازا تقنيا وسياسيا في الوقت عينه.

بالطبع، في مقابل ذلك كان هناك حقل حزبي ونقابي وجمعوي غني بالأطر والكفاءات تضاهي ما هو موجود في بنيات الدولة العميقة، وإقبال الأطر على الأحزاب في تلك الفترة، كان مرتبطا بأفق العمل السياسي والحزبي، فالجميع كان مؤمنا بأن البلاد تسير في اتجاه تحقيق تراكم إيجابي من الإصلاحات السياسية والاقتصادية، كما أن الأحزاب في تلك الفترة، وأقصد هنا أحزاب الحركة الوطنية المعارضة، كانت توجهاتها ومواقفها؛ تصدر بخلفية إيديولوجية واضحة، كانت في جزء منها متناقضة مع الاختيارات الرسمية، لكن ذلك الوضع أعطى دينامية حقيقية للحقل السياسي، بالرغم من محدودية الإطار الدستوري والمؤسساتي الذي كانت تعمل في إطاره المعارضة، ولهذا ليس مستغربا أن النظام استطاع في فترات كثيرة استقطاب وجوه بارزة من العمل الحزبي والفكري المعارض، وجعلها في مقدمة المدافعين والمنفذين لتوجهات الدولة، وبالتأكيد، أيضا، كانت لأفكار هؤلاء المبثوثة في بنيات الدولة العميقة، نتائج إيجابية على التحولات التي عرفتها بلادنا.

لهذا يمكن القول، بصفة عامة، إن الحديث اليوم عن الكفاءات والنخب، يحتاج إلى كثير من الصدق والموضوعية، البعض يعتبر إثارة هذا الموضوع، لا يعدو أن يكون فصلا جديدا من فصول جهود تحييد الفاعل السياسي الموسم في الغالب بانعدام الكفاءة، وهذا الأمر من فرط تكراره، أصبح مبتذلا إلى حد كبير، إذ بملاحظة بسيطة للمسؤوليات في الدولة وفي المؤسسات العمومية الكبرى وفي حجم التصرف في الموارد العمومية، سيظهر على الفور أن النسبة الغالبة على تلك المواقع هي لأشخاص يطلق عليهم عادة التقنوقراط، هذا الوضع ممتد على مدى عقود، فهو ليس واقعا جديدا، وهذا الوضع هو جزء من المشكلة العامة التي تعاني منها بلادنا وليس العكس، ومن يعتبر عن حق جزءا من المشكلة، كيف يمكن أن يكون جزءا من الحل؟ هذا الوضع المتسم بقطع الطريق عن الأطر ذات التكوين السياسي والإيديولوجي، أدى في نهاية المطاف إلى تجفيف الأحزاب من نخبها، وهذا الأمر فتح الباب واسعا أمام جحافل من الانتهازيين والباحثين عن الصعود السريع، وهذه النوعية لا تحمل خيرا لا لأحزابها ولا للدولة بطبيعة الحال، كما أن التحولات التي فرضتها العولمة وظهرت آثارها على الطبقة الوسطى ببلادنا، أفرزت نموذجا جديدا للنخب يمكن القول إنها تمثل تلك النخب المعولمة، التي لا تجد نفسها بالضرورة في مشاكل البلاد وتعقيداتها، ليس من زاوية العجز عن التفاعل معها والتأثير في مآلاتها، ولكن من زاوية الخوف أو اللامبالات التي أضحت سمة غالبة في تعاطي السواد الأعظم من الطبقة المتوسطة مع مستجدات البلاد السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وبذلك يفقد المجتمع قياداته وتفتقد الدولة خيرة أطرها.

شارك برأيك