إسقاط المصارف أم إسقاط الأنظمة؟ – اليوم 24

إسقاط المصارف أم إسقاط الأنظمة؟

  • عادل بنحمزة يكتب: النموذج التنموي وجائحة كورونا!

  • عادل بنحمزة يكتب: النموذج التنموي والمغرب الممكن…

من بيروت إلى سانتياغو تخوض الشعوب معركة نوعية ومختلفة، صحيح أنها تتم وفقا للسياقات المحلية لكل بلد والشروط التي أنتجت واقعها السياسي والاجتماعي، لكنها تلتقي في جزء من مطالبها واتهاماتها، عندما تنتقد السياسات الاقتصادية والمالية، التي تعتبر من تعليمات المؤسسات المالية الدولية، خاصة صندوق النقد الدولي والبنك العالمي، كأداتين إيديولوجيتين قبل أن تكونا أداتين ماليتين بيد الرأسمال العالمي المهيمن. كما أن الحركة الجماهيرية الجارية، حاليا، في كل من بيروت وسانتياغو تركز على محاربة الفساد الذي يعتبر النتيجة الطبيعية لزواج رأس المال بالسلطة السياسية، وكذلك، نقد هيمنة النزعة التقنية والمحاسباتية على الجانب الاقتصادي، بما يقلب رأسا على عقب تعريف الاقتصاد بما هو خلق الثروة وآليات توزيعها في المجتمع، هذه النزعة النيوليبرالية أسس لها بشكل كبير الثنائي مارغريت تاتشر ورونالد ريغن بداية الثمانينيات من القرن الماضي.

يقول الفيلسوف الكندي ألان دونو في مقدمة كتابه القيم: «Mediocratie»  الصادر سنة 2015، «لا لزوم لهذه الكتب المعقدة، لا تكن فخوراً ولا روحانياً، فهذا يظهرك متكبراً، لا تقدم أي فكرة جيدة، فستكون عرضة للنقد، لا تحمل نظرة ثاقبة، وسع مقلتيك، أرخ شفتيك، فكر بميوعة وكن، كذلك، قابلاً للتعليب. لقد تغير الزمن، فالتافهون قد أمسكوا بالسلطة»!… يعرف العالم منذ نهاية القرن الماضي تحولات عميقة على مختلف المستويات، همت بالأساس الجوانب الاقتصادية التي كانت لها انعكاسات عميقة على مفهومي الديمقراطية والدولة ودور هذه الأخيرة ومن خلالها دور مؤسسات الوساطة التقليدية المتمثلة في الأحزاب السياسية والنقابات العمالية وغيرها وما رافق هذه الوسائط من سرديات قدمت تصورها للدولة والمجتمع من زوايا مختلفة. الأكيد أن جُل بلدان العالم تعيش هذه التحولات دون امتلاك القدرة على التحكم فيها أو الحد من تبعاتها، فإذا كان الأمر على المستوى الاقتصادي يتم وفق عملية الاحتواء والدمج من قبل الرأسمال العالمي الذي بلغ درجة عُليا من التركيز في زمن تغول النيوليبرالية، فإن تبعات ذلك على المستوى الاجتماعي والسياسي يحتاج إلى بحث أعمق وإلى مسائلة نقدية، إذ يرى البعض أننا نعيش زمن الأفق ما بعد السياسي في ظل تراجع الفكرة الديمقراطية بتراجع أسسها الاقتصادية.

إن هيمنة الشركات المتعددة الجنسية وعولمة نمط الإنتاج والاستهلاك والتحكم المباشر في عوامل الإنتاج وعلاقاته، وما أفضى إليه من فرض للاختيارات الاقتصادية على الدول في إطار ما سمي بالعولمة، قد حد بشكل كبير من دور الدولة، وبالنتيجة غيّر مفهوم السيادة، الذي لا يتطابق اليوم، تعريفه في السرديات القانونية الكلاسيكية، مع ما يجري في الواقع. إن هذا التحول له انعكاس مباشر على المؤسسات التي تشكل النظام الديمقراطي، من أحزاب وبرلمان وحكومة ومجتمع مدني، فالرأسمالية اليوم في أقصى درجات تطورها، تهدد القيم الليبرالية التي شكلت لقرون، أحد تعبيراتها السياسية الرئيسة وأحد الأسس التي قامت عليها، فتراجع دور الدولة أو شيوع الحد الأدنى من الدولة بتعبير آخر، له تأثير مباشر على الديمقراطية وعلى شرعية ومشروعية المؤسسات التي تفرزها. أحد أسباب هذا التراجع يعود للصعوبات الموضوعية التي تواجه الالتزام بمضمون التعاقدات الانتخابية التي تشكل أحد الأسس التقليدية لبناء الشرعية وحيازة السلطة في أي نظام ديمقراطي، والتي تشكل عقدا بين الناخبين والحائزين على السلطة في دورة انتخابية منتظمة، وهذه الصعوبات ترتبط بالتراجع التدريجي عن امتلاك القدرة الكاملة على التحكم في العرض الاقتصادي والاجتماعي الذي يمكن أن تقدمه أية حكومة منتخبة، وذلك نتيجة ضيق هامش التحرك على هذا المستوى بسبب تأثير المؤسسات المالية الدولية والشركات المتعددة الجنسية، التي أضحت – فعليا، وبنسب متفاوتة حول العالم – هي من يتحكم في الاختيارات الاقتصادية دون أن تكون منتخبة ودون إمكانية محاسبتها من قبل جمهور الناخبين.

في أعقاب الأزمة المالية التي تحولت إلى أزمة اقتصادية سنة 2008 وبعد انطلاق الربيع العربي الذي أسقط ثلاثة رؤساء بشكل متوال، عرفت الولايات المتحدة الأمريكية، معقل الرأسمالية المتوحشة، حركة جماهيرية تدعى «لنحتل وول ستريت»، وقد حددت هدفا لها هو مواجهة جشع الرأسماليين وسلطتهم في الدولة، في لحظة كانت الأزمة الاقتصادية في طريقها للخروج عن السيطرة مع انهيار مؤسسات الائتمان الكبرى، ما يجري اليوم في عدد من بلدان العالم يمكن اعتباره نقطة نظام حول المسارات التي اتخذتها الرأسمالية المتوحشة، التي بسطت قيمها ومنطقها في ظل غياب أي بدائل فكرية قادرة على قيادة مواجهة إيديولوجية بشكل يحقق التوازن المفقود منذ انهيار جدار برلين وتفكك الكتلة الشيوعية. ما يجري اليوم، لا يميز بين المصارف والأنظمة، فكثير من هذه الأخيرة أضحت مجرد ملحقات للمصارف. فهل نحن أمام مخاض يمثل مقدمة لمواجهة مقبلة بين الشعوب وبين الرأسمالية المتوحشة؟

شارك برأيك