لهذه الأسباب يحتاج المغرب إلى نموذج تنموي ينقذه من السكتة القلبية – اليوم 24
الشامي رضى
  • أطفال الهند

    لهذا يعارض المسلمون قانون الجنسية في الهند

  • العطش في العيون - احتجاجات من الارشيف

    أزمة العطش تُخرج سكان سيدي إفني للاحتجاج من جديد

  • الشامي رضى

    لهذه الأسباب يحتاج المغرب إلى نموذج تنموي ينقذه من السكتة القلبية

اقتصاد

لهذه الأسباب يحتاج المغرب إلى نموذج تنموي ينقذه من السكتة القلبية

كشف المجلس الاقتصادي والاجتماعي، وهو يرسم معالم النموذج التنموي المقبل مجموعة من التفاوتات الاجتماعية والسياسية الحاصلة بالمغرب، والتي باتت تعكس الاختلالات التي تعتري النموذج الحالي، وتكرس مزيدا من الفوارق في الولوج إلى الحقوق الأساسية، وتذكي التقاطبات الاجتماعية والمجالية وتسبب في الاحتجاجات. وهي تقاطبات تطال عدة أبعاد وتلامس حدود الهوة والتصدع التي تؤدي إلى زعزعة الثقة بين المغاربة وبين مؤسساتهم وتحول دون تقدم المجتمع. مما ينجم عن ذلك ضعف الرابط الاجتماعي والمؤسسات والهيئات الوسيطة كالأحزاب السياسية، فالمواطنون لا يملكون الشروط والوسائل التي تؤهلهم للمساهمة الفعلية في التنمية، وفي مقدمة ذلك، القصور المسجل في مجال الرخاء الاقتصادي، وتنمية المواطن وتطوير قدراته، من أجل تمكينه في الاندماج سوق الشغل من دون عراقيل، ومنحه الحق في تكافؤ الفرص؛ وتقليص الفوارق الاجتماعية التي تظهر معطيات مجلس الشامي أنها في استفحال مستمر. فالنموذج التنموي الحالي غير قادر على تحقيق هذا الطموح، ويُضعف الثقة ويُذكي الهشاشة، وهو يكرس مزيدا من التقاطبات، التي  تتعمق بشكل متزايد، بسبب الفساد الذي يؤدي إلى إضعاف الرابط الاجتماعي، ناهيك عن نقص الشفافية والمحاسبة الذي يؤدي  أيضا إلى إضعاف الثقة في المؤسسات ، فمشروعية أدوار فعاليات الوساطة باتت موضع تساؤل من لدن المواطنين، بسبب نظام للامتيازات يعمق الإقصاء ويتسبب في بطء النمو، واستمرار سياسات عمومية غير واضحة بالقدر الكافي في توجهاتها، والتي يعتري تنفيذها البطء وعدم النجاعة.

سياسات عمومية غير واضحة في توجهاتها

يوضح مجلس الشامي أن المغرب شرع، منذ عقدين من الزمن، في تنفيذ سلسلة من الإصلاحات الاقتصادية والاجتماعية الرامية إلى تدارك النقص المتراكم، في مجال التنمية البشرية والرفع من تنافسية قطاعات أساسية في الاقتصاد الوطني. واتخذت هذه الإصلاحات شكل مخططات عمل حكومية، لكل واحد منها أفق زمني محدد، ويتضمن بعضها أهدافا محددة بشكل دقيق. إلا أن هذه الإصلاحات تتم وفق سياسات عمومية تعاني من غياب وجهة واضحة وضعف الترابط في ما بينها. وإذا كانت مختلف هذه الاستراتيجيات القطاعية تسعى إلى المساهمة في تحقيق نمو اقتصادي قوي ومستدام، وكفيل بخلق الثروة وفرص الشغل، فإن أجرأتها جرت وفق مقاربة يعمل فيها كل قطاع بمعزل عن غيره، وأدت، بالتالي، إلى قصور على مستوى التجانس والالتقائية. كما اتسم تنفيذ هذه الاستراتيجيات بنقص في تكاثف الجهود بين القطاعات، وعلى مستوى انخراط الأطراف المعنية. وفضلا عن ذلك، فإن الآليات المعتمدة من أجل التنسيق بين هذه الاستراتيجيات وأدوات حكامتها وتقييمها، تفتقر في غالب الأحيان للنجاعة الكافية. ومن جهة أخرى، فإن التفاعل بين وكالات التنفيذ، المكلفة بالمشاريع الاستراتيجية والمهيكلة، والمصالح المركزية.

منظومة العدالة.. المحاباة وطول المساطر

لاتزال منظومة العدالة في اعتقاد مجلس الشامي، تعاني من جملة من مَواطن الضعف تهم العديد من الجوانب، نذكر منها استمرار الممارسات المتعلقة بالرشوة، والمحاباة، وطول المساطر، وهذا أمر لا يخلو من عواقب على ثقة المواطنين والمستثمرين. بالإضافة إلى ذلك، تؤدي هيمنة المقاربة القائمة على الاعتماد الكلي على العقوبات السجنية واللجوء شبه التلقائي إلى الاعتقال الاحتياطي، إلى الإقصاء الاجتماعي للسجناء، وإلى زيادة احتمالات حالات العود، لاسيما في صفوف السجناء الشباب، مما يُخشَى معه أن يتحول السجن إلى تربة خصبة للتهميش والانحراف. كما أن تنفيذ ورش ملاءمة الترسانة القانونية الجاري بها العمل مع مقتضيات دستور 2011 والاتفاقيات الدولية التي صادق عليها المغرب سَجَّلَ تأخرا لافتا. ومما يدعو أكثر إلى الانشغال، كون النصوص القانونية المُعتَمَدَة في بعض المجالات لم يتم تحيينها منذ عقود خلت، حيث يواجه المواطنون بسبب هذا الوضع صعوبات شتى لإثبات حقوقهم وحمايتها.

نظام امتيازات يعمق الإقصاء ويفسد مناخ الأعمال

بناء على التحليل الذي قدمه المجلس الاقتصادي والاجتماعي، فإن النظام الاقتصادي بالمغرب، يكرس مزيدا من ترجيح الامتيازات والمحاباة، فالمنظومة الاقتصادية بالمغرب لطالما فتحت الباب بطريقة مباشرة أو غير مباشرة أمام قيام قطاعات تتميز بوضع اقتصادي أو تنظيمي خاص، وسمحت بالامتيازات والتراخيص، التي تشجع على الريع على حساب النجاعة الاقتصادية والإبداع والمخاطرة.

ثم إن هناك بعض القطاعات التي لاتزال خاضعة لنظام المأذونيات والتراخيص، على غرار المحروقات والنقل العمومي ومقالع الرمال والصيد في أعالي البحار. كما أن وضعيات الريع غير المنتجة قد تَتولد من رحم السياسات الاقتصادية نفسها، وذلك حينما يتم تخويل إعفاءات وتحفيزات ضريبية لبعض القطاعات والفاعلين دون تقييم وتتبع صارم ودقيقٍ لمدى فعالية هذه التحفيزات. وعلى العكس من الرشوة والغش، فإن خطر بعض أشكال الريع يكمن في كونها غالبا ما تتخذ طابعا قانونيا بموجب القانون والمساطر. ذلك أن استمرار الامتيازات والمحاباة بالمغرب قد يساهم في بعض الحالات في إفساد مناخ الأعمال، على اعتبار أن الأفراد يكرسون جزءا من جهودهم ومواردهم المالية في الحصول على فرص للريع ويجتهدون في المحافظة عليها بشتى الوسائل.

فهذه الوضعيات الاقتصادية المهيمنة لم يتم تصحيحها بعد، يؤكد مجلس الشامي، إذ يرى أن الاقتصاد المغربي الذي يتسم بتركيز كبير في معظم القطاعات، يولد وضعيات مهيمنة على السوق لفائدة بعض الشركات الكبرى. وإذا كان هذا الأمر ليس محظورا قانونيا في حد ذاته، إلا أنه يزيد من احتمال ظهور الممارسات المنافية لقواعد المنافسة، مثل الاستغلال التعسفي لوضع مهيمن، والحواجز التي تحول دون دخول مقاولات جديدة للسوق، والاتفاقات حول الأسعار التي تضر بالقدرة الشرائية للمستهلك، أو حالات التبعية الاقتصادية لصغار الممونين للمقاولات الكبرى. ولم يتم تعزيز آليات تقنين أسواق السلع والخدمات في المغرب بما يكفي من الوسائل من أجل الحد من هذه الممارسات، ولاسيما مع حالة الجمود التي عرفها عمل مجلس المنافسة منذ 2013، والذي لم يتم تفعيله إلا مؤخرا. وتشكل هذه العوامل عقبات تحول دون بروز فئة من المقاولين القادرين على استثمار وتثمين فرص الإنتاج والابتكار الممكنة داخل الاقتصاد، وتكرس وجود لوبيات الريع والمضاربين غير المنتجين، الذين يشكلون جيوب مقاومة حقيقية تعيق التغيير، وتهدد التماسك الاجتماعي، على اعتبار أن المواطنين أصبحوا أكثر وعيا وأقل قبولا لمظاهر الحيف والامتيازات والفوارق، وهو ما يفسر تنامي وتيرة الاحتجاج ذات المطالب الاجتماعية في السنوات الأخيرة، منها احتجاجات الحسيمة وجرادة وحركة المقاطعة. لقد أكدت نتائج الاستشارة المواطنة التي قام بها المجلس هذه الملاحظة، إذ اعتبر 50 في المائة من المشاركين أنه ثمة اتفاقات في ما بين الفاعلين الاقتصاديين تكون على حساب مصلحة المواطن، كما اعتبر 42 في المائة منهم أن مبدأ المنافسة غير متحقق بالقدر الكافي.

منظومة تعليمية عاجزة عن ممارسة مهامها الأساسية

كشف المجلس أن منظومة التربية والتعليم في المغرب تعاني من مجموعة من مَواطِنِ الضعف التي أدت إلى تدهور المدرسة المغربية، خاصة المدرسة العمومية. وهي مكامِنُ ضعف في تزايد مستمر رغم الإصلاحات التي شهدها القطاع خلال العقدين الماضيين. ومن بين أوجه القصور التي يعاني منها مجال التربية والتعليم، الهدر المدرسي والمستوى التعليمي غير الكافي للتلاميذ، وهو ما أدى إلى جعل النفقات المخصصة لقطاع التعليم نفقات غير ناجعة.

الهدر المدرسي لايزال يشكل معضلة في المدارس العمومية حيث طال نحو 222.000 تلميذ في طوري التعليم الابتدائي والإعدادي خلال الموسم الدراسي 2017 – 2018. وهو الوضع الذي أرجعه مجلس الشامي إلى الظروف الاجتماعية غير المواتية لمواصلة الدراسة، فضلا عن كون برامج الدعم الاجتماعي التي تم اعتمادها في قطاع التعليم، لم تعط النتيجة المتوقعة منها برنامج تيسير، ومليون محفظة مدرسية، ناهيك عما يتسببه المعدل المرتفع للتكرار في المرحلة الابتدائية من مشاكل تؤدي في نهاية المطاف إلى مغادرة الدراسة. بالإضافة إلى ذلك، فإن ضعف العرض المتوفر في بنيات الاستقبال القادرة على امتصاص أعداد التلاميذ الذين يغادرون المدارس الابتدائية يزيد من احتمال العودة إلى الأمية.

الصحة.. لجوء ضعيف وتكاليف مرتفعة

حسب وجهة نظر مجلس الشامي للنموذج التنموي الجديد، فقد بات من الضروري انتشال المنظومة الصحية من معاناتها، لأنها باتت تواجه العديد من مَواطِن الضعف، بما في ذلك نقص الموارد البشرية واللوجستية، وضعف عرض خدمات الرعاية الصحية، وتقادم البنيات التحتية الاستشفائية، وعدم تعميم التغطية الصحية الأساسية،  كما أن توزيع للأطباء غير ناجع ولا متوازن بين مختلف جهات المملكة. فبالنسبة إلى التأطير الطبي، سجل المغرب في المتوسط 7.3 25 أطباء لكل 10.000 نسمة 26 سنة 2018، وهي نسبة تأطير تبقى منخفضة مقارنة مع بلدان شبيهة بالمغرب كتونس: 12.7 طبيبا، وتركيا: 17.6 طبيبا. وينضاف إلى ذلك، التوزيع الجغرافي المتفاوت للهيئة الطبية وشبه الطبية والمؤسسات الصحية بين مختلف جهات المملكة. إذ يتباين التأطير الطبي حسب الجهات ما بين طبيب واحد لكل 4000 نسمة وبين طبيب واحد لحوالي 1000 نسمة. بالإضافة إلى ذلك، تعرف مؤسسات الرعاية الصحية الأولية، التي جرى تطويرها على نطاق واسع خلال العقد الأخير، إقبالا ضعيفا من لدن المواطنين وذلك بالنظر لضعف العرض الصحي الذي تقدمه.

ورغم تطور التغطية الصحية، لاتزال النفقات التي تتحملها الأسر مباشرة في مجال الرعاية الصحية مرتفعة. كما أن توسيع نطاق التأمين الإجباري الأساسي عن المرض، لم تتم مواكبته بزيادة مهمة في الاعتمادات المخصصة للقطاع ولا بمراجعة للتعريفة المرجعية الوطنية، وهو ما أدى إلى ارتفاع حصة فارق المصاريف المتبقية على عاتق المؤمّن لهم، حيث بلغت 35 في المائة سنة 2016، علما أن هذه النسبة لا تعبر عن حقيقة الوضع بالنظر إلى الممارسات غير النظامية المرتبطة بالأداء المباشر لجزء من العلاجات خارج الفاتورة الرسمية.

السكن.. فضاءات للإقصاء الاجتماعي

يعتقد خبراء المجلس الاقتصادي والاجتماعي، أن التوسع العمراني يُوَلد في المغرب الإقصاء ويخلق التوترات الاجتماعية، إذ ينجم عن العجز الموجود في مجال السكن ظهور دور الصفيح والمساكن ناقصة التجهيز وغير الصحية. ويعزى هذا العجز إلى الاختلال الجلي بين العرض الموجود وبين الطلب على وحدات سكنية بأسعار في متناول الأسر ذات الدخل المحدود.

وحسب المعطيات التي كشفها مجلس الشامي، فإن النمو المطرد لساكنة المناطق الحضرية على امتداد عدة عقود، أدى إلى تضخم أسعار السكن. وهو ما دفع بالأسر محدودة الدخل إلى الانتقال إلى ضواحي المدن الكبرى وإلى جزء من المناطق القروية. إذ نجد أن أكثر من 30 في المائة من مجموع المباني المشيدة سنويا بالوسط الحضري يتم بناؤها فوق أراض فلاحية واقعة في ضواحي المدن، خارج أي تخطيط عمراني مسبق. ذلك أن ظاهرة الزحف العمراني التي شهدها المغرب منذ زمن تفاقمت في العقد الماضي بظهور مشاريع كبرى للسكن الاجتماعي، والتي قد تشكل في السنوات القادمة بؤرا متنامية لانعدام الأمن وللتوترات الاجتماعية. من العوامل التي زادت من حدة التدبير غير الأمثل لقطاع التعمير، هو إطلاق برامج “المدن الجديدة”، وتوالي اللجوء منذ بداية سنوات 2000 إلى منح الاستثناءات في مجال التعمير، إضافة إلى ضعف العرض المخصص للطبقة الوسطى، التي تواجه ارتفاع أسعار العقار وطرق الأداء غير النظامية، وأداء مبالغ خارج إطار المبلغ المصرح به في عقد الشراء.

وسط قروي يعاني العزلة في الجبال

يؤكد تقرير الشامي، حول إخفاقات النموذج التنموي الحالي، أن تأثير البرامج والمشاريع المُنجَزة لفائدة العالم القروي، يظل دون انتظارات وحاجيات الساكنة القروية: ويتجلى ذلك في استمرار الفوارق الاجتماعية والاقتصادية وضعف الولوج إلى الخدمات الأساسية، إذ لايزال حوالي 3.5 مليون شخص لا يستفيدون من تزويد منتظم بالماء الشروب ونحو 1.3 مليون شخص لا يستفيدون من الربط بشبكة الكهرباء. فنحو  85.4 في المائة من الأشخاص المعنيين بالفقر متعدد الأبعاد يعيشون في الوسط القروي. أما الوضع في المناطق الجبلية، فإنه يدعو إلى القلق بشكل أكبر. ذلك أن هذه المناطق تشهد تأخرا كبيرا في مجال التنمية البشرية. حيث تبلغ نسبة الأمية في صفوف ساكنتها نحو 47 في المائة، مقابل 32 في المائة على المستوى الوطني، كما أن دَخل سكان المناطق الجبلية يقل مَرتين عن المتوسط الوطني. وتظل مساهمة المناطق الجبلية في التنمية الاقتصادية للبلاد محدودة جدا، إذ لا تتجاوز 5 في المائة من الناتج الداخلي الإجمالي، و10 في المائة من مجموع الاستهلاك الوطني.

 

شارك برأيك