‏«Ghost Tropic».. «مدار الأشياح» – اليوم 24
  • محمد جليد

    محمد جليد يكتب: عدنان والآخرون.. ضحايا من؟

  • محمد جليد

    محمد جليد يكتب: تذكير للتلفزيون المغربي!

  • «المغرب».. كتاب يرصد مفارقات المملكة في مائة سؤال

سينما

‏«Ghost Tropic».. «مدار الأشياح»

«مدار الأشباح» ثالث أفلام المخرج البلجيكي «باس ديفوس»، يريد من خلاله تحقيق أمرين اثنين؛ أولهما أن يصف أوضاع الطبقات الاجتماعية الدنيا، خاصة المهاجرين؛ وثانيهما أن يرسم صورة وسيرة مدينة عملاقة ومتلونة من حجم العاصمة «بروكسيل».

قليلة اليوم هي الأفلام القادرة على إعادة بعث الروح في فرضية وجود سينما حديثة، دون السقوط في السفسطة أو النمطية أو التهريج. وقليلة هي أعمال الفن السابع التي تعنى بإنتاج نصوص متحررة من السرد التقليدي، وتوظف عناصر جديدة تتوكأ أكثر على الزمن والفضاء. هذا ما يلمسه المشاهد في فيلم «مدار الأشباح»، ثالث الأفلام الطويلة للمخرج البلجيكي «باس ديفوس». إذ يتخذ هذا المخرج الشاب، الذي رأى النور سنة 1983 في إقليم «أنفير»، من عاصمة المملكة وأوربا بروكسيل إطارا لفضاء الفيلم، ومن ليلها زمنا له، ليقرب المشاهد من سيرة هذه المدينة الحقيقية، ويلتقط معالم حضرية باردة تفتقر إلى أي مسحة إنسانية من شأنها أن تخفف من عزلة الأفراد.

يروي فيلم «مدار الأشباح» قصة امرأة مسلمة مهاجرة، من بلد غير محدد، تدعى خديجة، ستعيش بالصدفة ليلة صعبة في العاصمة البلجيكية. إذ بعد أن تنتهي من يوم عمل شاق، تمتطي خديجة المترو، تمني نفسها بنوم بلا كوابيس في بيتها بأندرليخت. ولأنها كانت متعبة جدا، فإنها تستغرق في النوم في المترو، لتجد نفسها في الطرف الآخر من المدينة، بعد انتهاء خدمات النقل، وبعدما أخذت المدينة كلها تغرق في النوم. لا مال في جيبها، ولا وسيلة نقل في هذا الوقت المتأخر من الليل. ولا شيء يرحمها من برد بروكسيل الشتوي القاسي. ستقرر خديجة (التي تؤدي دورها سعدية بن الطيب التي يعرفها جمهور المسرح حق المعرفة من خلال أعمال «جويل بوميرا» وشركته الفنية «لويس برويار) حينها أن تتبع حدسها في الشوارع والساحات المهجورة في هذا الوقت، إلا من بعض الأشباح المتناثرة. غير أن عودتها إلى البيت لن تخلو من لقاءات عابرة، مطمئنة أحيانا، ومخيفة أحيانا ثانية، ولن تعدم لحظات فريدة منتزعة في مسار لامنتهٍ في ليل بهيم.

يكشف الفيلم، في الواقع، من خلال عودة خديجة إلى البيت، التشرد الذي تعيشه كينونات مجهولة في مدينة مترامية الأطراف ذات مؤهلات عالمية، لكنها عاجزة عن أن ترحم أرواحا محرومة من أبسط الحقوق؛ العيش الكريم. ولا يقتصر الفيلم على هذا الجانب، وإنما يتجاوزه إلى تقديم دراسة فنية عن بروكسيل، حيث يعيد المخرج تشكيل معالمها الحضارية. إذ تصير المدينة، من خلال ذلك، قادرة على تغيير جلدها من شارع إلى آخر، ومن حديقة إلى أخرى، ومن بناية إلى أخرى. وبذلك تقدم المدينة معمارها، ليس فقط من حيث تنوع أشكاله وزخارفه، وإنما من حيث امتداداته التاريخية والسياسية والاجتماعية، الخ.

في رحلة العودة، تقابل خديجة تشكيلات مختلفة من البشر، في مواجهات قصيرة، معظمها غير درامي بشكل مقصود. وما يهم أكثر من توظيف التقنيات الدرامية، هو ملامسة شعور المشي في تلك الشوارع المظلمة ذاتها، وعبور السيارات، ونقاط الضوء في المدى. غالبا ما يكون التأثير مذهلا، مع الوضع في الاعتبار ما يمكن أن يؤول إليه المنتج الفني في أيدٍ أقل مهارة وأكثر انتهازية، كمعرض لمشاهد البؤس ينسجم خطابه البطولي بغرابة مع خطاب الفقر واليأس. إذ يتعين على خديجة، في محطات رحلة عودتها المسكونة بأشخاص مختلفين، مساعدتهم أو الاعتماد عليهم، ما يضعها أمام طريق لاكتشاف حياتها، عجزها وطيبتها. إنها مواجهة مع ماضيها وحاضرها لا تتوقف عن الحدوث على طول الطريق.

وقد اختار المخرج الليل باعتباره أفضل زمن للتعبير عن القضيتين اللتين يود إثارتهما؛ عوز المعاش الإنساني مقابل غنى الفضاء المديني. ومن هنا، يسعى إلى أن يطرح مفارقة قوامها السؤال التالي: «لماذا تعجز هذه المدينة الغنية بتاريخها وعمرانها عن أن تؤوي أرواحها المحرومة، وأن تفك العزلة والحرمان عنها؟»، كأننا بالمخرج يريد أن ينبه إلى أوديسة الحياة المعاصرة، المحفوفة بالمخاطر، وإلى ما أنتجته العولمة من آثار تهدد حياة الإنسان، فهو يلفت الأنظار إلى صورة المجتمعات المتحضرة، هي صورة العزلة والوحدة، وصورة الإنسان المتروك لمصيره، في غياب أي لحظات منيرة تضيء الطريق. ومن هنا، كان اختيار الليل موفقا، حيث إنه يتوخى أن يقول إن مسار الإنسانية الآن هو مسار مظلم.

 

شارك برأيك