بوعزيز: “البام” استنساخي مثل “العزيزيين” و”البيجيدي” هوياتي مثل “الحفيظيين”- حوار – اليوم 24
المصطفى بوعزيز
  • سليمان الريسوني

    سليمان الريسوني يكتب: لا حزب سوى حزب التامك

  • صهيب الخياطي-مراسلون بلا حدود

    الخياطي: ملفّ بوعشرين هو الأكثر إزعاجا للسلطات المغربية ونرجو تدخّل الملك لإطلاق سراحه

  • صهيب الخياطي-مراسلون بلا حدود

    الخياطي: استمرار سجن الصحافيين سيضع المغرب ضمن قائمة أعداء حريّة الصحافة -حوار

سياسية

بوعزيز: “البام” استنساخي مثل “العزيزيين” و”البيجيدي” هوياتي مثل “الحفيظيين”- حوار

في هذا الحوار مع المؤرخ المصطفى بوعزيز، نقف على عدد من الإشكالات المعيقة لحدوث “الإصلاح”، وهي الأسئلة التي حاول بوعزيز الحفر فيها سواء عبر أطروحته في التاريخ، أو من خلال تجربته السياسية والإعلامية.

كما نقف معه على مسألة عدم “الفصل بين الحقول”، وكيف أثر ذلك على عدد من المجالات وعطل كثيرا من الإصلاحات.

نتطرق معه، أيضا، إلى أسباب عدم توفق الأنتلجنسيا الوطنية الحداثية في إحداث قطيعة مع المحافظة كثقافة وسلوك سياسي، حيث يرجع بوعزيز السبب في ذلك إلى أن “الإصلاحية المغربية” لم تقطع مع البُنى الذهنية والفكرية التقليدية، ولم تستطع اختراق ثلاثة سقوف، هي: الإسلام، الملكية، والقومية العربية.

كتابك- الأطروحة، حديث الصدور “الوطنيون المغاربة في القرن العشرين”، اعتبره البعض لا ينفصل عن مسارك السياسي. فهل يصح اعتباره استعانة بالتاريخ للإجابة عما يعتمل في مشهدنا السياسي الحالي؟

هذا التوصيف الذي طرحته مطابق لأول عمل تاريخي لي، “مدخل لدراسة تاريخ الحركة الماركسية اللينينية المغربية” الصادر سنة 1981.

ففي هذا العمل كان، حاضرا لديّ فعلا، همُّ المناضل الذي يسعى إلى فهم الجذور مع استعمال نسبي للمنهج التاريخي في إدراكه الأول. إذّاك لم يكن لديّ الإدراك الكامل للعلوم الاجتماعية وأدواتها.

هذا الكتاب تتداخل فيه ثلاثة فضاءات أساسية: الفضاء النضالي، اليساري والديمقراطي، والفضاء الجامعي، لأنني أصبحت، منذ سنة 1982، أستاذا بكلية الآداب وأتحمل مسؤولية الإشراف على الطلبة والأبحاث، حيث كان يرافقني همُّ منهجي، ثم الفضاء الأكاديمي الفرنسي والعالمي.

ففي هذا التفاعل الثلاثي بدأت المسيرة الصعبة لفك الارتباط بين المناضل المندمج والفاعل اليومي، وبمسؤوليات أحيانا، وفي فضاء يتطلب نوعا من الحماس ومن اليقين، فبالرغم من أننا (اليسار) نضع مسافة مع التوجهات الإسلاموية، فهناك جزء من الإيمانوية في العمل النضالي.

المصطفى بوعزيز

في المقابل كان الفضاء الأكاديمي، الذي لا ينبني على الحماس، بل على البرود وعلى الشك، وأخذ المسافة، حيث الحقيقة يجب تأسيسها وبشكل نسبي وإخضاعها دائما للمراجعة.

ومن جهة أخرى، كانت هناك كل تلك الحمولة الإيديولوجية التي جاءت من هيمنة الحقل السياسي على الحقل العلمي في المغرب، والموجودة في الحقل الجامعي المغربي، إلى درجة أنني كنت أتساءل، هل الوسط الجامعي وسط علمي.

هل ترى أن الوسط الجامعي وسط إيديولوجي أكثر منه علمي؟

لم أعثر على الكلمة الدقيقة. لقد كنت أتساءل: هل الوسط الجامعي المغربي communauté scientifique، لأن كلمة communauté وكلمة société في اللغة العربية نترجمهما، معب، بكلمة “مجتمع”، أما أنا فأقترح ترجمة communauté بـ”طائفة”. لكن الأساسي في هذا الأمر هو أن الفرق الجوهري بين المجتمعات المحافظة والمجتمعات الحداثية، هو أن الحقول عند المجتمعات المحافظة (الاجتماعي، الديني، السياسي) متداخلة عضويا مع هيمنة حقل واحد هو الذي يعطي المعنى لباقي الحقول.

مثلا، في مغرب ما قبل الاستعمار كان الحقل الإيديولوجي الديني هو الحقل المهيمن، فكان الحسن الأول إذا أراد فرض ضريبة يطلب فتوى من الفقهاء. الشيء عينه إن أراد القيام بغزوة أو حرْكة، حيث الحقل الديني هو الذي يعطي المعنى. لكن، مع وجود الاستعمار، حدث تحول وحيد، رغم بقاء المجتمع محافظا والحقول متداخلة عضويا، إذ لم تبق الهيمنة للحقل الإيديولوجي الديني، بل للحقل السياسي.

لكننا لم ننتقل، لأن المجتمعات الحداثية تمتاز بنوع من الفصل النسبي بين الحقول، ويصبح في كل حقل منطق مستقل؛ الحقل الاقتصادي يحكمه منطقه والحقل العلمي لا سلطة فيه إلا للسلطة الأكاديمية… وهذا الفصل في المغرب غير متوفر، وهو ما جعلني أقول إن الفضاء الجامعي ليس حقلا علميا، لأن الفصل في مجتمعنا لم يتم.

إذا نحن نزعنا صفة العلمية عن الفضاء الجامعي، فماذا سنعتبره؟

أنا أسميه فضاءً جامعيا. هو فضاء جامعي، سواء أكان علميا أو لم يكن.. يطمح لأن يكون علميا، أما الوضعية الآن، فهي وضعية مخضرمة..

يعني خاضع للسلطة السلطوية؟

ليس خاضعا مائة في المائة، لكن الهيمنة للسلطة التي إذا أرادت منع تطور معين، سيُمنع. لماذا فشلت الإصلاحات، بما فيها الإصلاح الجامعي؟ لأن كل الإصلاحات التي تتم تكون تقنوية فقط، لكن الجوهري، أي الحقول المعرفية لا تمس، وبالتالي، لا تحدث ثورة معرفية، لأنه في اختيار ما يسمى بالتربية والتعليم، فإن السؤال الذي يُطرح هو لمن المركزية، هل للمعرفة أم للهوية.

في المجتمعات الحداثية تكون المركزية للمعرفة، وانطلاقا من أدوات المعرفة تعاد صياغة الهوية، دون أن تلغى، فقط في التراتبية نجد هناك سمو المعرفة على الهوية، حيث تتكيف الهوية مع معطيات المعرفة. نحن، عندنا سمو الهوية على المعرفة.

من هنا نفهم ملاحظاتك النقدية حول تشكل المجلس الأعلى للتعليم في مقالك “enseignement encore enseignement toujours”..

في هذا المجلس الذي يضم 120 عضوا، ضمنهم تلاميذ، تغيب أربع شخصيات لها باع طويل في مجال التربية، وليست معارضة أو يسارية، بل مقربة من الدولة. أين هو عبدالله العروي. أين هو عبدالقادر الفاسي الفهري، الذي يعتبر من نخبة اللسانيين في العالم. أين هو محمد الشرقاوي، الذي هو من أكبر المختصين في علوم التربية في فرنسا. وأين هو عزيز حسبي، الذي كان رئيس جامعة الحسن الثاني ومدير المكتب العالمي للتربية التابع لليونيسكو في جنيف؟ لماذا غاب هؤلاء عن المجلس، وهم ليسوا ضد النظام، وحضر، بالمقابل، “موالين الشكارة”، من أصحاب المدارس الخصوصية؟

لنعد إلى كتابك الأخير: “الوطنيون المغاربة في القرن العشرين”. استعمالك تعبير “الوطنيون” وليس “الحركة الوطنية” التي استعملتها في كتابك- أطروحتك الثانية، الصادر في 1987، لم يكن عفويا. لماذا؟

الحركة الوطنية، كتسمية، فيها بعد إيديولوجي. لقد كنت أكتبها بالفرنسية: “le mouvement national marocain”، ثم أضع الحروف الأولى (initiales) بالأحرف الكبيرة (majuscule)، ثم أختزلها إلى “MNM”، وكان أستاذي روني غاليسو، في كل مرة يشطب عليها، ويقول لي: “على الأقل أكتبها بالأحرف الصغيرة (minuscule)”. وقد دام بيننا هذا مدة 15 سنة..

لماذا كنت تعود إلى كتابة: Le Mouvement National Marocain بالأحرف الكبيرة؟

كنت أفعل ذلك عن غير وعي (réflexe)، ومن هنا اكتشفت العقلية. فقد كان يلزمني وقت للخروج من التوحد، الذي تعبر عنه الحروف الأولى الكبيرة (initiales)، وأذهب إلى التعدد، لأكتشف في الفرنسية كلمة (mouvance) التي لم أجد لها معادلا في العربية، لأن كلمة mouvance ليست هي الصف أو المعسكر أو الحملة… لذلك، فعندما أستعملُ “الوطنيون” بالجمع، تبعدني عن خطأ جمع الوطنيين في حركة واحدة، ويصبحون في حركات وتوجهات، بل وأفراد أحيانا.

وحتى عندما تتحدث –في الكتاب- عن الوطنيين، تتحدث عنهم في قرن، وليس فقط، في الفترة التحررية، من ظهور ما نطلق عليه الحركة الوطنية، نهاية عشرينيات القرن الماضي، إلى استقلال المغرب. لماذا؟

لقد اعتبرت أنه عندما اكتشفتنا أهن الحداثة الغربية، التي صدمتنا وهزمتنا وأربكتنا وفككت جزءً من بنيتنا، بعدما كنا نعتقد أننا نحن الأسمى بديننا وبشجاعتنا، بدأت فكرة “الإصلاحية المغربية” في الانبثاق والتبلور.

لقد أدرجت في هذا الكتاب رسالة بعثها الأمير سيدي محمد بن عبد الرحمان، الذي سيصبح هو السلطان محمد الرابع، والذي كلفه والده بأن يقود الجيش المغربي في معركة إيسلي في 14 غشت 1844، تؤكد على وضع الثقة في النفس التي كنا عليها قبل هذه المعركة.

ففي يوم 5 غشت، أي قبل تسعة أيام من بدء المعركة، كان هذا الأمير في عيون سيدي ملوك (قرب وجدة) وبعث رسالة إلى والده يتحدث فيها عن أن فرنسا لقمة سائغة وأن المعركة محسومة لصالحه، لكن كانت الصدمة كبيرة. بعد 16 سنة، ستقع معركة تِطوان في 1860، وستزداد الصدمة من تنظيم الجيش الإسباني. لقد أحدثت صدمة الحداثة الغربية هرسا كبيرا في البنيات المغربية، واستبطن غالبية المغاربة أن هؤلاء (الغرب) أكبر منا.

ومن هنا قرر المخزن ألا يعود للمواجهة عسكريا مع القوى الغربية لأنه اقتنع بأنها أكبر منا وأن النتيجة لن تكون سوى الهزيمة. وهذا طرح إشكالا يهم كيف يمكن جبر هذا الهرس. ومن هنا بدأت كلمة “الإصلاح”. وطرحنا أسئلة: ماذا نصلح؟ وبأي توجه نصلح؟ ومن سيساعدنا على الإصلاح؟

هل هذا الوضع سيحدث طفرة ووعيا وسط المغاربة، وسيؤدي إلى حدوث انتفاضة الدباغين في فاس، سنة 1873، وهو التاريخ الذي انطلقت منه أنت في كتابك؟

نعم، وهذه الانتفاضة التي قامت ضد بلمدني بنيس، هي أول حركة للمطالبين بحق.

هل كان هناك، حينئذ، وعي وطني بمفهومَي “la nation” و”la patrie” عند هذه الحركة الإصلاحية؟

هذه الحركة الإصلاحية كان لديها وعي بنحن والآخر.. لكنه وعي على أساس ديني..

كان لها وعي بالآخر الكافر، وكان يلزم مسيرة طويلة وبطيئة لانبثاق فكر يقول بإمكان إصلاح ذاتنا بشكل عصري يمكننا من أن نكون شركاء، بشكل ندي لهذا الأجنبي، دون الاكتفاء بالقول إنه كافر.

وهذا تطلب كل النصف الثاني من القرن التاسع عشر. وأعطانا السلفية الأولى التي تساءلت ما الذي جعلنا مهزومين، وقالت بضرورة الرجوع إلى السلف الصالح؟ وهذا يبينه الأنثربولوجي Clifford Geertz، بقوله: «حيثما كان هناك فضاء إسلامي وحدثت صدمة الحداثة، يكون هناك رد سلفي مطالِب بإصلاح شؤون الدين». لكن، مع بداية القرن العشرين، ظهر علماء أخذوا بعين الاعتبار العلم الحديث واقتربوا من مفهوم الدولة الوطنية، خصوصا مع حكم السلطان المولى عبدالعزيز، وفي هذا السياق ظهر دستور 1908، حيث إن العلماء الذين راسلوا مولاي حفيظ، طلبوا منه أن يعطي المغاربة “نعمة الدستور”.

لقد انبثق، في هذه المرحلة، توجهان كبيران يسميهما عبدالله العروي بـ”العزيزيين” و”الحفيظيين”. لقد كان “العزيزيون” استنساخيون، يقولون باستنساخ التجربة الغربية دون طرح الأسئلة حولها، و”الحفيظيون” هوياتيون، يقولون إن الغرب لن يأتينا منه سوى المشاكل، لذلك يجب رفضه. في هذا الخضم وبين هذين التوجهين ظهر توجه هو الذي أعطانا مشروع دستور 1908، والذي تكمن فيه بوادر حداثة مغربية خاصة.

إذن، كل أطروحتي هي أن ما يسمى: “la mouvance nationaliste”، الذي أسميه تجاوزا “الحركة الوطنية المغربية” بمختلف تشعباتها هي/ هم: سليلو هذا التوجه الذي قطع طريقه من الهامش إلى المركز وأصبح قوة أساسية. لذلك، فأطروحتي ركزت على السؤال التالي: هو كيف قطع هذا التوجه طريقه من الهامش إلى المركز، وكيف أعيد إلى الهامش؟ هذا المد والجزر (الدخول إلى المركز والخروج منه) خلال القرن العشرين، وحتى بداية الألفية الثالثة، حيث نجد هذا التوجه أصبح هامشيا.

الآن –وبصورة كاريكاتورية- يمكن أن نعتبر “البام” استنساخي ونعتبر”البيجيدي” هوياتي، ومن هنا السؤال: هل خلال قرن عدنا إلى نقطة الصفر؟ أنظر وضع حزب الاستقلال والاتحاد الاشتراكي واليسار، لقد عادوا إلى الهامش.

لماذا لم تتوفق الأنتلجنسيا الوطنية الحداثية طيلة قرنين تقريبا في إحداث قطيعة مع المحافظة كثقافة وسلوك سياسي؟

هناك طبيعة الفكر المحرك لهذا التوجه، والذي أسميه أنا “الإصلاحية المغربية” والتي لم تقطع مع البُنى الذهنية والفكرية التقليدية، لأنها لم تستطع اختراق ثلاثة سقوف، السقف الأول هو الإسلام، حيث لم تصل إلى أن فصل الدين عن الدولة لا يمس الدين، وإيجابي بالنسبة للدولة.

هذا الانتقال لم يتم إلا في الهامش، وهنا أقدم أمثلة عن محمد بلحسن الوزاني وعلال الفاسي والمهدي بنبركة ومحمد عزيز الحبابي الذي بدأ فيلسوفا وانتهى فقيها. فكل هؤلاء يصلون إلى هذه النقطة، ثم يشرعون في التبرير والقول لن نقدم على الفصل لأن الدين الإسلامي ليست فيه كنيسة كما في المسيحية التي اضطرت إلى الفصل بين الدين والدولة. حتى اليسار الجذري لم يتجاوز هذا السقف بذكاء.

السقف الثاني هو سقف الملكية، التي اعتبرت أداة جامعة، وشرعية تمكن من مقاومة شرعية الاستعمار، ومن هنا تأسست في الفكر السياسي المغربي، مركزية الملكية في النظام السياسي. وتجاوزها بإدخالها إلى الحداثة، والذهاب إلى الملكية البرلمانية، فيه إشكال، حتى بالنسبة إلى اليساريين، باستثناء من يذهب إلى الهامش ويتحول إلى الراديكالية ويقول بالثورة.

لكن بلورة نموذج فعلي يحفظ للملكية مكانها التاريخي ويُمكِّن من جعلها تتطور إلى ملكية تسود ولا تحكم، وتصبح لها أدوار أخرى، بقيت إرهاصاته حتى 2011 لدى بعض اليساريين الذين وضعوا مشروع الملكية البرلمانية.

فعندما ننظر إلى حركة 20 فبراير نجد كل الارتباك موجود على هذا المستوى، فهذه الحركة بدأت تقول بالملكية البرلمانية، لكن عندما حدث التحالف الميداني مع من يمكن أن نسميها القوى المحركة للشارع، أي اليساريين والعدل والإحسان، توارى شعار “الملكية البرلمانية” وبرز شعار: “من أجل دستور ديمقراطي شعبي”.

وعندما نسأل العدل والإحسان: ما هو نموذجكم، يصمتون، وعندما نسأل والنهج الديمقراطي وحزب الطليعة عن الموضوع نفسه، يقولون هذه القضية ستقسمنا إذا تداولنا فيها الآن. لكن الحقيقة هي أن لكل استراتيجيته، هذا له استراتيجية الخلافة، والآخر استراتيجية الجمهورية، ويقولون سنمشي خطوات متحدين، وفي المحطة المقبلة كل يمشي في اتجاهه. حتى التحالف مبني على قدر من التآمر.

هل ترى في التقاء جزء من اليسار وجزء من الإسلاميين على قاعدة “دستور ديمقراطي شعبي” تآمرا؟

نعم. غدا سيذهب أحدهما إلى الخلافة والآخر إلى الجمهورية، وسيتواجهان. بينما المطلوب هو إنتاج المشترك. فإرهاصات ما كان يسمى الدولة المدنية كان يمكن مناقشة مضمونها، وهي التي كان يمكن أن تعطينا الفصل. وهذا كان جوهر مناقشاتي مع أحمد الريسوني، في رمضان 2016، حين كان بنكيران لايزال رئيسا للحكومة، وزار الريسوني، على رأس وفد من حركة التوحيد والإصلاح، السي محمد بنسعيد آيت يدر، ليناقشه حول “الاستبداد”.

في هذا اللقاء ذكرت السي أحمد الريسوني بما حدث عندما كان الإعداد لدستور 2011، حين بلورنا مقترحا في إطار “المنتدى المواطن للتغيير الديمقراطي”، واقترحنا فيه تغيير عبارة “المغرب دولة إسلامية” بـ”المغرب بلد مسلم، تلتزم فيه الدولة بضمان حرية المعتقد والديانة وممارسة الشعائر الدينية”.

وقد نقل بعض أعضاء لجنة مراجعة الدستور، منهم محمد الطوزي وأمينة بوعياش وإدريس اليازمي، هذا المقترح إلى اللجنة وفتحوا حوله نقاشا فوقع خلاف عليه، وطرح للتصويت وكانت لهم الأغلبية، وقد تم تضمين هذا المقترح في الصيغة الأولى للدستور، ولو بقيت فيه لكان ممكنا أن تعطي تقدما للمغرب، قبل أن تكون هناك حملة ضده، من أبرز من قادوها احمد الريسوني، الذي أذكر أنه أعطى تصريحا لجريدة مصطفى العلوي (“الأسبوع”) التي وضعت عنوانا بالبنط العريض “الفتنة”، واتهمنا، في عز مناقشة الدستور والتي هي لحظة تفترض وجود حرية تعبير، بأننا سنقود المغرب إلى الفتنة.

لقد كتب العلوي في نفس العدد يقول: “اليد التي كتبت هذا يجب أن تقطع”، أما السي أحمد الريسوني فقال في نفس العدد، إن هذه الجملة إذا بقيت، فستعصف بوجود الدولة العلوية..

كيف كان رد أحمد الريسوني عندما ذكّرته بهذا الأمر؟

قلت له: قل لي أين مست هذه الجملة التي كنت أنا من صاغها (المغرب بلد مسلم، تلتزم فيه الدولة بضمان حرية المعتقد والديانة وممارسة الشعائر الدينية”) بالدين أو بالدولة؟ فارتبك وقال لي المشكل هو الاستبداد، فأجبته الاستبداد يبدأ من هنا.

هذا الموضوع نقاشت فيه، أيضا، طارق رمضان في 2012، فقال لي إن هذه الجملة لا مشكل فيها، ولكن العقليات ليس ناضجة بعد لقبولها.

ما هو السقف الثالث –إلى جانب الإسلام والملكية- الذي لم تستطع “الإصلاحية المغربية” اختراقه؟

هو القومية العربية، بالطريقة التي سُوقت بها، والتي تلغي التميز المحلي. قد نفهم الصراع القائم الآن مع الحركة الأمازيغية من خلال ما حدث سنة 1930، حيث كان الشعار الذي رفع خلال قراءة “اللطيف” لرفض “الظهير البربري”، هو: “يالطيف الطف بنا فيما جرت به المقادير.. ولا تفرق بيننا وبين إخواننا البرابر”، لكن تصريف هذا الشعار كان معاكسا لمضمون الشعار، ومن هنا تجدني لا أكتفي في أطروحتي بالخطاب فقط، بل أيضا بالممارسة، إذ إن الممارسة التي سادت هي تخوين كل من تحدث عن الأمازيغية.

هذا لا ينفي وجود بعض المجيشين الأمازيغ من طرف الاستعمار، وأنا أتوفر على وثائق تؤكد أن بعض القبائل جندها المراقبون العسكريون والمدنيون، وكان زعماؤها يبعثون برقيات تتضمن تعبيرا واحد هو: ” il a protester son soutien au dahir de 16 mai “، وفي الفرنسية القديمة تعني عبارة “protester” إعلان.

صحيح كانت قبائل من هذا النوع، لكن ليست كل القبائل. لقد أدى هذا التعميم (كل من دافع عن الثقافة الأمازيغية، فهو عميل للاستعمار) إلى حدوث تشنج، أدى إلى تشنج مقابل، والذي هو رفض القومية العربية، فلم يستطع فكر “الإصلاحية المغربية” بلورة تصور لفضاء عربي يضم هذا البعد التعددي.

ألا ترى أن ما نعيشه الآن من تأخر ديمقراطي ومؤسسي، راجع إلى لحظة الاستقلال، عندما أغفل الوطنيون –باستثناء الحزب الشيوعي وحزب الشورى- ربط الاستقلال بالمؤسسات، والتعاقد، لأنهم كانوا يعتقدون أن الملكية ستكون الحلقة الأضعف في معادلة هم من صنعوها ويتحكمون فيها؟

هناك مرحلتان يجب التمييز بينهما وإلا لن يحصل فهم جيد. خلال مرحلة الاستعمار، كان اختيار أن تكون واجهة الحركة الوطنية، بمختلف أحزابها، هو السلطان، جاء من إعطاء الأهمية للنضال المدني وللشرعية بمفهوم القانون الدولي. ولهذا ركز الوطنيون على أن المغرب خاضع للحماية وليس مستعمرة، وأن السلطان له سلطات، وعادوا إلى كل المواثيق السابقة، مؤتمر 1884، ومؤتمر الجزيرة الخضراء، وعقد الحماية لسنة 1912، والذي يؤكد على أن سيادة السلطان مضمونة.

وكان الهدف هو القول إن فرنسا الاستعمارية ضد القانون الدولي، وإن المغاربة راشدون ولهم قدرات، وإن فرنسا لم تطبق الحماية، بل طبقت الإدارة المباشرة، وهذا اعترف به ليوطي نفسه، حين كتب سنة 1921، في مذكرة، يقول: إننا لم ننفذ الحماية ودخلنا في الإدارة المباشرة. لقد اعتقدت فرنسا أن السلطان الشاب الجديد (ابن يوسف) يمكن التحكم فيه، حتى إن عيد العرش الأول في 1933، فرض عليه في البداية. ويحكي لي شاهد عيان، هو المؤرخ الراحل ألبير عياش الذي كان حينئذ في فاس، كيف أن الوطنيين حملوا السلطان على الأكتاف، وهو “أصفر” ممتقع الوجه، لأنه لا يعرف أين سيتجهون به.

إذن، هذه المرحلة الأولى كانت مرحلة المراهنة على مقاومة الشرعية الفرنسية بالشرعية الملكية والاحتفال برموز العرش العلوي وتملكها، باعتبارها رموزا وطنية. وستستمر هذه المرحلة إلى حد رفع محمد الخامس إلى مرتبة القداسة، بعد نفيه، عندما أظهروه في القمر. لكن، لم يكن كل هذا العمل مصاحبا ببلورة فكر سياسي يعطي لكل فاعل موقعه.

والمرحلة الثانية؟

المرحلة الثانية، سياسية، وفيها مراهنة على ما تحدثت عنه أنت، من سيادة اعتقاد بأن الملك لا قوة له، وهنا تحول التمايز الموجود داخل الوطنيين إلى صراع، وهذه التناقضات تضخمت وسطهم..

هل بدأ هذا ابتداءً من 1956؟

منذ 1954، عندما ظهرت بشائر الاستقلال، ووقع الاعتقاد وسط الوطنيين بأن من أخذ معه السلطان محمد بن يوسف سينتصر على الآخر، ولا أحد فكر في أن السلطان سيكون فاعلا لوحده.

في هذه الفترة كان السلطان معزولا في مدغشقر ولا يعرف ما يجري في المغرب، ووصل به الحد إلى الاعتقاد بأن أمره انتهى، حيث بعث رسالة إلى الإدارة الفرنسية يطلب فيها الخروج من المنفى والعيش في فرنسا..

في هذه الرسالة أوحى “محمد الخامس” بأنه مستعد للتنازل على العرش..

نعم، هذا فُهم من الرسالة بشكل ضمني. الذي لم يقبل الاستسلام هو ولي العهد (الحسن).. وهذا الموقف لم يعرف به الوطنيون لأنهم كانوا ممنوعين من زيارة ابن يوسف والتواصل معه.

لكن قبل أيام من إكس ليبان، وفي لقاء جمع عبدالرحيم بوعبيد وامحمد بوستة بإدغارد فور، الذي كان رئيس مجلس الحكومة الفرنسية حينها، قال لهما إدغارد فور: دعونا نناقشكم أنتم حول الاستقلال بدون سلطان، لكن عبدالرحيم قام بأهم مرافعة وأقنع الفرنسيين بضرورة عودة ابن يوسف إلى عرشه. هذه محطة أخرى من الحدس السياسي وطبيعة التنظيم السياسي.

أنهيت كتابك: “الوطنيون المغاربة في القرن العشرين” بالحديث عن حركة 20 فبراير، تحت عنوان: “خطة الملك”، تقصد خطاب 9 مارس، الذي جاء بعد ما سميته بمناورات الترهيب والقمع والاحتواء والمحاصرة الذي رصدت لها إمكانيات قوية. هل قصدت أن الخطاب الملكي كان محض مناورة للالتفاف على الحركة واحتجاجاتها؟

حركة 20 فبراير أحدثت ثغرة في النظام القائم، أعطت نوعا من الارتجاج. في نظري كان يجب توسيع الثغرة.

لقد رد النظام، على عادته عندما تكون هناك ثغرة ويسارع إلى إغلاقها، وهذا من حقه، وقد تصرف سياسيا، وأعلن عن تغييرات في النظام السياسي، في مقدمتها الدستور الذي طرأت عليه بعض التغييرات المهمة، لكن للحفاظ على البناء كما هو. حركة 20 فبراير، ومن معها، كانوا يهدفون إلى تغيير النظام، مع الملكية، لكن ملكية من نوع جديد، بكل الاحترام اللازم للملك، لذلك لم يرفع شعار إسقاط الملكية. لكن وقع ارتباك بين شعار “الملكية البرلمانية”، الذي كان شعارا سياسيا، وبين شعار من أجل “من أجل دستور ديمقراطي شعبي”، الذي هو شعار إيديولوجي..

لماذا الشعار الثاني إيديولوجي؟

لأنه مبني على فرضية موجودة لدى العدل والإحسان والنهج الديمقراطي وحزب الطليعة وجزء من الحزب الاشتراكي الموحد الذي كان متحمسا لفكرة أن التغيير آت بحملة ستأتي على الأخضر واليابس وستتغير الأمور. وقد بنوا ذلك على اعتقاد أن الشعب ثوري، وهذا أحدث عدم تطابق بين المطالب المرفوعة وبين القوى التي يمكن أن تحققها.

القوى الموجودة في المجتمع، من حزب الاستقلال إلى النهج الديمقراطي، هي الفئات الوسطى، وهي التي جعلت، في البداية، المظاهرات تكون –في الدار البيضاء مثلا- وسط المدينة، وكان يشارك فيها أناس من مختلف الفئات، ضمنهم رجال أعمال، وكان المتظاهرون يحدثون ذروعا بشرية وأحزمة، بشكل حضاري، لحماية المؤسسات والمرافق، وقد قمت رفقة طلبتي، عندما كنت مسؤولا في المركز الاجتماعي للعلوم الاجتماعية، بمراقبة وعدّ عدد المشاركين، بناء على منهج “la sociométrie”، حيث وصلت أعلى نسبة مشاركة في المظاهرات إلى ما بين 28 و30 ألفا، عندما كانت تكون وسط المدينة، رغم أن حركة 20 فبراير أعلنت عن أرقام خيالية. وكان الإسلاميون يمثلون نسبة الثلث فقط.

لكن عندما اعتقدوا أن الشعب ثوري وقرروا نقل المظاهرات إلى الأحياء الشعبية، لضمان مشاركة شعبية قوية، حدث ما لم يكن في الحسبان؛ نقص عدد المشاركين، حيث بلغت أعلى نسبة مشاركة 10 آلاف متظاهر، وكانت في المسيرة التي شهدتها منطقة البرنوصي، وأصبحت نسبة الإسلاميين 80 في المائة. وكثير من المتظاهرين “كلاو لعصا” من الشعب الذي يقال إنه ثوري. هنا حادت حركة 20 فبراير عن الزمن السياسي، ودخلت إلى الزمن والمنطق الإيديولوجي، وقد ناقشت الفبرايريين في هذا وكتبته وهو منشور.

كيف خرجت 20 فبراير من الزمن السياسي؟

لماذا لم تحاور الحركة لجنة المانوني لمراجعة الدستور؟ لقد كنت أتفهم ألا تجالس لجنة المعتصم، التي تضم أحزاب البرلمان التي تعتبرها مكونات الحركة لا تمثل الشعب، لكن لا أتفهم رفض الحوار مع لجنة المانوني.

من ناحية أخرى، لقد كانت الفئات الوسطى هي المطابقة لمطالب حركة 20 فبراير، ومنطق الملكية البرلمانية هو الموافق لما يمكن تحقيقه بمنطق السياسة، وقد كان الحوار مع لجنة المانوني مهما، لكن الأهم هو إعداد مشروع للنقاش العلني وأن تعطى مدة للنقاش، تستغرق على الأقل سنة، وتحول حركة 20 فبراير مدن المغرب وقراه إلى “أغورات” (Agora) تناقش، ثم تنبثق عنها لجنة لتجميع حصيلة النقاش، وقد أشرت عليهم بالآلية التي كان محمد اليازغي قد وضعها لتهييء التراب الوطني في حكومة التناوب الأولى، ونظم لقاءات في مختلف المدن والمناطق، وهذه آلية كان يمكن اعتمادها أو وضع آلية أخرى، ثم الدخول في ما هو سياسي، دون تسرع، مع البقاء جنب الفئات الوسطى.

حينها أذكر أن أحد الأسماء البارزة في تنسيقيات الغلاء، كنت أسميه الجنرال، قال لي: “ديرو الدستور ولا مديروهش، الحملة ستأتي وستجمع كل شيء”. لقد كان هناك اندفاع، وصل إلى درجة أن يرفض الحزب الاشتراكي الموحد المشاركة في الانتخابات. 

هل كنت أنت حينها مع دخول انتخابات 2011؟

نعم، أنا ومحمد بنسعيد آيت يدر، لكننا كنا أقلية لا نمثل أكثر من 20 في المائة، مع أنه كان بإمكاننا الحصول على فريق برلماني فعلي، لو دخلنا حينها إلى الانتخابات.

لكن كانت هناك أسماء متحدرة من “منظمة العمل” ومن “الوفاء للديمقراطية” كانت تقول إن ما بعد 20 فبراير لن يكون هو ما قبلها. وهذه رواسب عدم إنجاز الثورة الفكرية والثقافية التي تعيدنا دائما إلى الخلف.

شارك برأيك