«البام»… هل يغير جلده؟ – اليوم 24
وهبي يكشف المستور
  • كورونا

    طلبة المدرسة المغربية لعلوم المهندس يقترحون 3 اختراعات للمساعدة في مواجهة الفيروس

  • كورونا إسبانيا

    فيروس كورونا يصل ذروته في إسبانيا.. تسجيل 864 وفاة في 24 ساعة وعدد الإصابات في تراجع

  • تسجيل حالة اصابة بفيروس كرونا في الجزائر

    كورونا.. ارتفاع عدد الوفيات في الجزائر إلى 58 والإصابات إلى 847 حالة

سياسية

«البام»… هل يغير جلده؟

عبداللطيف وهبي، المحامي والسياسي، المثير للجدل أصبح أمينا عاما لحزب الأصالة والمعاصرة (البام)، بدون معركة ديمقراطية. الحدث هو أبرز مخرجات مؤتمر هذا الحزب الذي انعقد نهاية الأسبوع الماضي، بعدما كانت توقعات تشير إلى صعوبة حصول ذلك، في ظل ترشح أسماء أخرى من أبرزها الأمين العام السابق محمد الشيخ بيد الله. برز اسم وهبي طيلة السنوات الماضية، وبالضبط منذ التحاقه بالحزب عشية انتخابات 2011، في مواجهة ممارسات الأمين العام السابق إلياس العماري وعقيدته السياسية القائمة على مواجهة الإسلاميين، وأساسا، حزب العدالة والتنمية، في مواجهة الأمين العام السابق حكيم بنشماش الذي ظل وفيا لعقيدة سلفه، أي استخدام “البام” في مواجهة “البيجيدي”، التي جعلت الحزبين على طرفي نقيض، ما أفسح المجال أمام أحزاب أخرى، خصوصا التجمع الوطني للأحرار، للاستفادة من هذا التناقض.

حمل وهبي، منذ البداية، خطابا تصالحيا مع حزب العدالة والتنمية، بل استطاع ربط صداقات مع قياديين بارزين في هذا الحزب، كالأمين العام السابق عبدالإله بنكيران، ونائب الأمين العام الحالي سليمان العمراني، وبرلمانيين آخرين. بل إن وهبي طالما اعتبر أن العداء بين “البام” و”البيجيدي” يستفيد منه حزب آخر هو التجمع الوطني للأحرار، الذي بات يقدم نفسه منذ أن ترأسه عزيز أخنوش حزبا قادرا على تحقيق التوازن السياسي مع “البيجيدي”، ما يعني تجاوز الحاجة إلى “البام” في المشهد السياسي والحزبي.

لم يفارق وهبي هذا التصور، بل جعله عماد خطابه السياسي منذ ترشحه لرئاسة “البام” في المؤتمر الأخير، وأكد عليه بعد اختياره أمينا عاما للحزب الأحد الماضي، عندما بشّر الرجل بالقطيعة مع مرحلة إلياس العماري، وبالقطع مع حزب السلطة، والمضي نحو المصالحة مع “البيجيدي”، وبناء علاقة تعاون واحترام جميع الأحزاب السياسية، بل ذهب بعيدا نحو اقتراح تشكيل قطب معارض من قبل جميع أحزاب المعارضة، وخصوصا حزب الاستقلال وحزب التقدم والاشتراكية وأحزاب فيدرالية اليسار.

لكن البعض يشكك في قدرة وهبي على المضي في تلك التوجهات. سلمان النعيمي، باحث في العلوم السياسية، يرى أن توجهات وهبي تتعارض مع هوية الحزب ومرجعيته الفكرية والسياسية القائمة منذ تأسيسه على القرب من السلطة والدفاع عن اختياراتها، والتي ترتكز على العداء للإسلاميين، وبالتالي، فإن أي تغيير جذري في تلك المرجعية، سيلقى اعتراضا من ذوي النفوذ والمصالح داخل الحزب، كما قد تجد تحفظا من قبل السلطة، لأن “البام” في أساسه “خليط غير متجانس من المصالح والنفوذ والإيديولوجية، ثم إن الهدف من تأسيسه هو محاربة وتحجيم الإسلاميين. لذلك، فإن أي تعديل أو تراجع عن فكرة التأسيس هذه، قد تفقده مبرر وجوده في الساحة السياسية”.

فهل يستطيع وهبي أن يفي بوعوده في إحداث قطيعة مع السلطة وتحويل “البام” إلى حزب عادي مثل بقية الأحزاب السياسية؟ وهل طريق التحالف مع “البيجيدي” سالكة؟ وكيف يمكنه تحقيق ذلك في ظل حزب مفكك ومأزوم بفعل الصراعات التي تخترقه منذ فشله في الفوز بانتخابات 2016؟

دلالات صعود وهبي

ارتبط اسم عبداللطيف وهبي، في الحياة الحزبية بالدفاع عن خط سياسي بديل لحزب الأصالة والمعاصرة، على النقيض مما كان يدافع عنه أمينه العام السابق إلياس العماري. في البداية اتهمه بالهيمنة على الحزب، وبأنه أمين عام غير ديمقراطي، ويسيّر الحزب بطريقة شخصية، ويتخذ القرارات لوحده، حتى أنه صرّح في صيف 2017 قائلا: “أريد أن أشتغل لدى حزب الأصالة والمعاصرة، وليس لدى إلياس العماري”.

واصل وهبي التصدي للخط السياسي نفسه الذي اتبعه حكيم بنشماش، والذي صار أمينا عاما للحزب نفسه خلفا للعماري، الذي طالما اعتبره “شخصا ضعيفا غير مؤهل لقيادة الحزب”، وأنه شخص “يسمع بأذن واحدة، مما عمّق المشاكل داخل الحزب”، بل اتهمه “بتدمير الحزب، ولن نسمح له بذلك”. وفي حوار صحافي في ماي 2019 اعتبر وهبي أن بنشماش لا قدرة له “على إيجاد الحلول، ولا القدرة على الحوار، وأنه لا يتقن سوى خلق المشاكل، بل بات في خدمة التجمع الوطني للأحرار”.

وبينما جعل إلياس العماري من حزب العدالة والتنمية عدوا سياسيا لحزبه، حرص وهبي على الاستمرار على نهج خط معاكس، وصل حدّ التنويه ببنكيران ومواقفه، ففي أوج الصراع بين “البام” والبيجيدي” في مارس 2013، خرج وهبي في حوار صحافي قائلا: “إن بنكيران رجل وطني، ورجل دولة”. وعقب عزله بقرار ملكي في مارس 2017، قال وهبي في حوار صحافي في ماي 2018: “إن بنكيران لا يُعزل، ولا يمكن أن يُعزل، وسيعود في 2020، وهو رجل قوي، ورجل وطني، له إحساس وطني كبير، فهو رجل ملكي حتى النخاع”.

هذا، وأثارت مواقف وهبي تلك الانتباه إليه، خصوصا في مرحلة رئاسة حكيم بنشماش للحزب، حيث تفاقمت الخلافات بينه وبنشماش، ما أدى إلى تعمق أزمته، التي وصلت إلى حد تبادل الاتهامات بين قياداته حول مالية الحزب، منها اتهام العربي المحرشي، برلماني وعضو المكتب السياسي السابق في الحزب، القيادي الآخر محمد الحموتي، برلماني وعضو المكتب السياسي السابق كذلك، حول التلاعب في مبالغ مالية ضخمة تُقدر بنحو 4,5 مليار درهم عقب الانتخابات التشريعية لـ 2016، علاوة على اتهامات أخرى للرئيس السابق للفريق للحزب بمجلس المستشارين حول تصرفه في مساهمات برلمانيي الفريق المالية لفائدة الحزب، وكذا تساؤلات حول مصدر ثروته التي لا تتناسب مع مصادر دخله البرلماني.

بينما كان الحزب يَغرقُ، ظهر وهبي حاملا خطابا ومشروعا بديلا، يبشر بالوصول إلى الأهداف عينها، لكن عبر طريق آخر، خال من العداء والصراع الحاد، وبدون دعم سافر من السلطة. في أولى تصريحاته عقب إعلانه أمينا عاما للحزب، حرص وهبي على تبليغ ثلاث رسائل للرأي العام يرى أنها تعكس الخط السياسي الجديد للحزب. أولاها، قطع خيوط السلطة داخل الحزب، لأنه لن تأخذ أكثر مما تعطي، فالناس يصبحون كسالى وخنوعين حين يقتنعون أنهم حزب سلطة، وأن مواقعهم مضمونة من قبل الدولة، وليس من الضروري النضال في الميدان، وتعبئة المواطنين وتأطيرهم. ثانيها، إنهاء حالة العداء في العلاقات بين الأحزاب، في إشارة إلى حزب العدالة والتنمية، وبناء علاقة تعاون مع أحزاب المعارضة، خصوصا حزب الاستقلال وحزب التقدم والاشتراكية وفيدرالية اليسار. ثالثها، إعادة بناء حزب الأصالة والمعاصرة وفق أسس جديدة يعد وهبي بأن تكون بعيدة عن الولاءات والمنافع والاصطفافات، وأن تكون أكثر ديمقراطية.

بعض المتتبعين اعتبروا أن وهبي نجح في الوصول إلى قيادة “البام” بسبب هذه العناوين. إدريس الفينة، محلل اقتصادي، اعتبر أن وهبي “يقود التغيير داخل البام”، فبعدما أكد أن “الأحزاب كلها تعرف الأعطاب نفسها، وعلى رأسها عدم قدرتها على ممارسة الديموقراطية الداخلية”، لاحظ أن “المحامي وهبي أصبح زعيما لحزب البام بدون معركة ديمقراطية”. مؤكدا أن وهبي قاد “حركة للتغيير منذ مدة في وجه إلياس العماري، ثم في وجه حكيم بنشماش. كما قاد عددا من المعارك داخل المحاكم أفشلت كل محاولات التخلص من تيار المستقبل”، ما جعله البديل الممكن بالنسبة إلى قواعد حزبه.

لكن غياب التنافسية في انتخاب الأمين العام الجديد يطرح الكثير من الشك حول شرعيته. بلال التليدي، محلل سياسي، نبّه إلى ذلك قائلا: “إن انتخاب وهبي جاء بطريقة لا تختلف عن أساليب صناعة الأمناء العامين في أحزاب السلطة، خصوصا أنه لم يجر انتخاب وهبي بطريقة ديمقراطية تنافسية. لقد انسحب الجميع. فهو المرشح الوحيد. كيف انسحب الجميع؟ ولماذا؟”. وأضاف “تذكروا أن إدريس لشكر فاز بالكتابة الأولى للاتحاد الاشتراكي وكان المرشح الوحيد، وتذكروا أن الياس العماري فاز في الانتخابات الجماعية في دائرة كان فيها المرشح الوحيد”.

هكذا، في الوقت الذي يبشر وهبي بعهد جديد في العمر السياسي لحزب الأصالة والمعاصرة، تبدو مخلفات الماضي من ورائه أكبر من الوعود التي بشّر بها حتى الآن، سواء وعوده بالقطيعة مع السلطة أو تخليه عن عقيدة العداء تجاه “البيجيدي”.

قطيعة أم ترتيبات جديدة

كيف لحزب تأسس في حضن السلطة ونعيمها أن يقطع معها مرة واحدة؟ وكيف له وقد تأسس بغرض وحيد هو محاربة “البيجيدي” أن يتخلى عن هذا الهدف بسهولة دون أي هزات تنظيمية؟ تختلف القراءات بين من يرى أن مرحلة وهبي هي مرحلة تدشين للقطيعة مع هوية “البام” المعادية لـ”البيجيدي”، والقريبة من السلطة، وبين من يرى أن الأمر يتعلق بترتيبات جديدة للسلطة في المشهد السياسي.

لقد اعتبر وهبي انتخابه في المؤتمر أمينا عاما “مؤشرا قويا على القطيعة مع الدولة”، وبداية مرحلة جديدة في حياة “البام”، لكن خصومه لا يرون أن هناك ضمانات كافية على ادعاءاته. محمد شقير، محلل سياسي، قرأ في حدث انتخاب وهبي دلالتين: أولاها، عامة، وتتعلق بانتقال التنظيم من وظيفة احتواء حزب العدالة والتنمية إلى التطبيع مع المشهد السياسي، بحيث كان يُنظر إليه على أنه حزب تتجسد مهمته في التضييق على حزب العدالة والتنمية وتحجيم دوره السياسي والانتخابي”، مبرزا أن إبعاد العماري، ثم بنشماش، مقابل انتقاء وهبي، ربما، يساعد الحزب على تجاوز مرحلة اتهامه بأنه حزب الدولة، إلى مرحلة قد يتمتع فيها بالشرعية السياسية، على غرار باقي الأحزاب الأخرى”. أما الدلالة الخاصة، فتتمثل في تحول قيادة الحزب من المكون الشمالي صوب المكون الجنوبي، مبرزا أن هذا التحول قد يؤدي إلى “تغيرات على مستوى بنيته التنظيمية، بعدما سيطر تيار المستقبل على كل دواليب القيادة داخله”.

القطيعة مع المرحلة السابقة، بالنسبة إلى حزب الأصالة والمعاصرة، رهينة، أيضا، بتطورات الحياة السياسية في الفترة المقبلة، ومدى إمكانية حدوث مفاجآت في المشهد، خصوصا وأن الأحزاب تُعيد ترتيب أوراقها من جديد، في أفق الانتخابات التشريعية المقبلة. وفي هذا الصدد، يتمثل العنصر المشترك بين “البام” و”البيجيدي” في نقطة واحدة، وهي “السعي نحو احتواء تطلع حزب التجمع الوطني للأحرار في تصدر الحكومة المقبلة، حيث سبق لعزيز أخنوش أن عبر عن رغبته في تصدر الانتخابات القادمة. ومن ثمة، فهذا السيناريو وارد بالنسبة إلى التنظيمين من أجل احتواء هذا الطموح”.

من جانبه، تبنى امحمد الهلالي، مدير المركز المغربي للدراسات المعاصرة، القراءة التي تؤكد أن “ما حدث في حزب البام لا يمكن القفز عليه بوصفه تحولا في الاتجاه الصحيح، لكن يلزمه خطوات أكثر جرأة، حتى يسير في الاتجاه النافع والمفيد لهذا الحزب ولغيره. وهو في كل الاحوال يسير في اتجاه تلقي الرسالة التي وجهت له من قبل الجميع، سواء من خلال مطالبات الشارع، أو من خلال نتائج الصناديق”.

وتابع الهلالي قائلا: “منذ أن أسهم العدالة والتنمية في إفشال رهانات هذا الحزب، وخاصة سنتي 2015 و2016، دخل قادة البام في مخاض عسير انتهى بإقالة زعيمه وانقسام قادته ومؤسسيه، وتواري بعضهم، وخاض البعض الآخر معركة تكسير العظام التي لم يحسمها إلا القضاء، وانكشفت أوراقه، وظهرت اتهامات وانقشعت كثيرا من الأوهام التي روجها أو روجت حوله”. مؤكدا أن “انتخاب رجل مثل وهبي، الذي بات معروفا، يعتبر حدثا جديدا في مسار هذا الحزب، اعتبارا لكون الرجل قد جهر برأيه وموقفه المخالف لخط قادته السابقين، ومنذ مدة طويلة. لذلك، فهذا الاختيار لا يمكن اعتباره أمرا عاديا وغير مفارق لما درج عليه الحزب، ولما كان يصرح به قادته من قبله، وآخرهم ما ورد في كلمة أمينه العام السابق في الجلسة الافتتاحية لمؤتمره الأخير “. فـ”على الأقل هناك فارق بين المزايدة على إعلان الحرب، أو إعلان عن إنهاء هاته الحرب، حتى لا أقول إعلان الاستعداد للتحالف أو إبطال الخطوط الحمر”.

ومضى عبدالمنعم لزعر، باحث في العلوم السياسية، في الاتجاه نفسه، حيث اعتبر أن إعلان انتخاب وهبي “يشكل قطيعة مع المقولات المرجعية التي كان يستثمر فيها الحزب منذ تأسيسه، والقائمة، أساسا، على مواجهة حزب العدالة والتنمية مادام الأمين العام الجديد يميل إلى الاستراتيجيات التعاونية على حساب الاستراتيجيات غير التعاونية، حيث لعب الأمين العام الجديد دورا مهما في التحالف الذي جرى تشكيله بين الحزبين على مستوى مجلس جهة طنجة ـ تطوان ــ الحسيمة”. وهو الانتخاب الذي “يندرج ضمن استراتيجية لإعادة إحياء الحزب عبر إعلان موت مقولاته المرجعية، بمعنى أن هذا الانتخاب هو مرحلة لتبيئة الانتقال من مقولات مرجعية إلى أخرى مناقضة”، ما يشير إلى أن “البام” بصدد “تغيير موقعه داخل الخريطة السياسية، بعيدا عن السلطة من جهة، وبعيدا عن الأحزاب الإدارية من جهة أخرى”. ومن شأن هذا التموقع الجديد، في نظر لزعر، أن “يُولد استراتيجيات انتخابية جديدة منسجمة مع المقولات المرجعية الجديدة، ما قد يؤثر على استراتيجيات باقي الأحزاب، كحزب العدالة والتنمية الذي سيخسر أهم ورقة كان يوظفها في الانتخابات، وهي ورقة “البام”، كما أن هذا الانتخاب يهدف إلى تقديم عرض جديد من داخل البام للمواطنين وللناخبين”.

بالمقابل، يرى بلال التليدي، محلل سياسي، أن الأمر لا يتعلق بوهبي كأمين عام جديد، بل بالبنية الحزبية، ففي رأيه “سواء أكان وهبي أمينا عاما أو لم يكن، ليس ثمة ضمانة على أن هذا الحزب قد تغيّر، علينا أن ننتظر نقذه الذاتي أولا، ومتابعة سلوكه السياسي ثانيا، حتى يمكن أن يكون له موقف بعد ذلك”، وأردف قائلا: “السياسة كياسة وبُعد نظر. والبراغماتية تحقق قبل أن تكون رميا للبيض في سلة لا يدري أحد أهي سليمة أم مثقوبة”.

سلمان النعيمي، الباحث في العلوم السياسية، يرى بخصوص العلاقة بين “البام” و”البيجيدي” أن الحديث عن مصالحة أو تحالف هي مسألة سابقة لأوانها، لأن الحديث عن ذلك رهين، أولا، بمراجعة فكرية وسياسية يجب أن يقوم بها حزب الأصالة والمعاصرة، بوصفه حزبا له تنظيم وهيئات تابعة له، وليس خطابا يُعلن عنه الأمين العام الجديد دون أن تكون له آثار في الواقع. وفي هذا الصدد يشير النعيمي إلى وجود صعوبات كثيرة ستواجه وهبي، بسبب طبيعة هذا الحزب الذي تعتبر “بنيته التنظيمية أقرب ما تكون إلى تجمع مصالح بدون مرجعية متماسكة، فهو عبارة عن خليط غير متجانس من ذوي المصالح والنفوذ والإيديولوجية، تبلورت في لحظة التأسيس لتعطينا تجمعا عضويا، رهانه الرئيس محاربة الإسلاميين”، ويعني ذلك أن أي تغيير في هذه العقيدة السياسية يجب أن تكون من خلال طرح عقيدة سياسية جديدة، لأنه في غياب ذلك قد يتفكك البام، وقد ينهار.

ثمة هوية حزبية راسخة، لا يمكن أن تتغير بين عشية وضحاها، ما يعني أن هناك مسارا يصعب تجاوزه من خلال تصريح صحافي. والمسار الحالي يعود على أقل تقدير إلى الانتخابات التشريعية 2016، التي خسرها “البام” أمام “البيجيدي”. وهو الفشل الذي أربك السلطة بقوة، وقلب كل حساباتها، خصوصا وأنها وضعت كل قوتها وخبراتها في خدمة “البام”. ما دفعها إلى البحث عن صيغة جديدة لإدارة المشهد الحزبي، أبرز عناصرها إبعاد الرموز الحزبية التي تصارعت في انتخابات 2016، خصوصا عبدالإله بنكيران، الأمين العام السابق لـ “البيجيدي”، وحميد شباط، الأمين العام السابق لحزب الاستقلال، ثم إلياس العماري، الأمين العام السابق لحزب الأصالة والمعاصرة، وفسح الطريق أمام قيادات جديدة من نوع سعد الدين العثماني ونزار بركة، وأخيرا عبداللطيف وهبي، وحده إدريس لشكر، الذي ظل في مكانه، يحمل توجها سياسيا يعود إلى ما قبل 2016.

هكذا يبدو انتخاب وهبي وكأنه مجرد حلقة أخرى في تنزيل استراتيجية السلطة ما بعد انتخابات 2016، وهي الاستراتيجية التي اقتضت وضع حد للممارسة السياسية القائمة على القطيعة والعداء، وأبرز تجلياتها العداوة بين “البيجيدي” و”البام” التي بلغت حدا يصعب التحكم في نتائجها، والعودة إلى الممارسة السياسية القائمة على التواصل بين الأحزاب، وإمكانية التلاقي والتوافق فيما بينها داخل المؤسسات، وبالتالي، منع إذكاء مزيد من التوترات سواء الحزبية أو الجهوية أو غيرها.

ويبدو أن حزب العدالة والتنمية فهم جيدا هذه الاستراتيجية، إذ بادر سريعا إلى تهنئة وهبي بموقعه الجديد، وهي الخطوة التي جاءت من الأمين العام للحزب، سعد الدين العثماني، ونائبه سليمان العمراني، وكذا قيادات أخرى التي رأت في انتخاب وهبي فرصة لفتح قناة للحوار بين الحزبين.

توسيع خيارات السلطة

نحن إذن، إزاء تحول في القيادة الحزبية داخل “البام”، قد يؤدي إلى ولادة جديدة للحزب، على مستوى الخط السياسي والخطاب السياسي، كذلك، لكن في الوقت الذي يبدو ذلك خيارا حزبيا، تبلور على مراحل من قبل الأمين العام الجديد عبداللطيف وهبي، تشير إعادة ربط الأحداث مع بعضها إلى خلاف ذلك.

بحسب عباس بوغالم، أستاذ العلوم السياسية بوجدة، التغيير داخل البام “كان حاجة وضرورة لكي يخرج هذا الحزب من أزمته، لأنه كان على وشك الانفجار والانقسام، ولأنه بحاجة إلى تصحيح علاقته بالأحزاب الأخرى، والسعي إلى بلورة صياغة معالم توجه سياسي جديد، وبناء هوية جديدة يستطيع من خلالها تطبيع وجوده السياسي في الحياة الحزبية”، لماذا؟ لأنه “حزب بحكم عقيدته التي كان يشتغل بها، لم يكن يلقى القبول من طرف الأحزاب الأخرى، بل كان السبب في إحداث نوع من القطيعة داخل المشهد الحزبي، على خلاف التقاليد الراسخة بين الأحزاب المغربية”.

بوغالم لا يرى أن الولادة الجديدة ستصل إلى حد “القطيعة مع السلطة”، لكن كل ما يمكن أن يحدث هو “وضع مسافة معها، لأنه بلغ مرحلة تقتضي ذلك. من جهة، لأنه استنفذ المهام التي تأسس من أجلها. ومن جهة ثانية، لأنه فشل في تحقيق الهدف الرئيس بالنسبة إليه، أي تحجيم “البيجيدي”. ويضيف بوغالم “لا يمكن الحديث عن قطيعة مع السلطة في البيئة الحزبية المغربية، لكن يمكننا الحديث عن محاولة لصياغة شروط جديدة تسمح له بتطبيع وجوده الحزبي وسط الأحزاب، وفي الوقت عينه، تحقيق التوازن في إطار التوافق وليس الصراع والعداء”. ويعتبر بوغالم أن ما يجري “يندرج ضمن ترتيبات جديدة لرسم معالم المشهد السياسي، في أفق انتخابات 2021، وأهم ما في تلك الترتيبات إمكانية إبرام تحالف بين “البام” و”البيجيدي” في الحكومة المقبلة، كأحد السيناريوهات المحتملة، ويعني ذلك توسيع خيارات السلطة في ضبط المشهد السياسي قبل وبعد 2021″.

لذلك تريد السلطة، في أفق 2021، توسيع خياراتها، بدل إدارة التوازنات من خلال حزب التجمع الوطني للأحرار فقط، كما فعلت عقب انتخابات 2016، بعدما جرى إبعاد حزب الاستقلال، يبدو أنها تريد إدارة التوازن من خلال عدة أحزاب، وبالتالي، بلورة خيارات متعددة دون أن تكون هناك عوائق تحول دون التحكم في مخرجات التفاوض حول أي حكومة ممكنة. لقد فشل الرهان على حزب واحد هو “البام” لإدارة التوازن مع “البيجيدي”، لكن تجميع عدة أحزاب في كفة واحدة، حقق الغاية التي أسندت إلى حزب واحد، ويبدو أن إدارة التوازن من خلال أحزاب عدة بدل حزب واحد، باتت فكرة مغرية لتجاوز الوضعيات السياسية المعقدة.

إدريس قسيم، باحث في العلاقات الدولية بفاس، يرى أن “ثمة مؤشرات مهمة توحي بأن السلطة لم تعد راغبة في الإمساك بكل مفاتيح الفعل السياسي في البلاد، أو على الأقل مستعدة للتخلي عن هذا الدور “التاريخي” و”الاستراتيجي”. المؤشر الأول: بشكل عام يسجل للنظام المغربي عدم تجاهله للأزمات الحقيقية الكبرى التي مرت منها البلاد، والتي كان يتعامل معها وفق معطياتها الحقيقية. المؤشر الثاني: يكمن في تكلفة التدخل المباشر الباهظة في الحياة السياسية العامة والتأثير في استقلالية السلوك والقرار الحزبيين بالنسبة إلى الدولة، ثم إن ذلك لم يؤد إلا إلى تكريس أزمة الثقة في المؤسسات السياسية والدستورية، وفي العمليات الانتخابية، وعزل فئات عريضة من المجتمع عن المشاركة السياسية، وهو ما عرّض الدولة لهزات اجتماعية متوالية لاتزال تداعياتها تتفاعل “تحت نار هادئة”. فيما يتمثل المؤشر الثالث، في فشل كل النماذج والوصفات التي صاغتها وقدمتها وشجعتها السلطة، سواء بشكل مباشر أو غير مباشر بهدف بسط نفوذها على الفعل السياسي. ففي مقابل تقزيم دور القوى الوطنية الإصلاحية وخلق كيانات سياسية وحزبية فاقدة لأي شرعية تاريخية أو حاضنة اجتماعية، أدى ذلك إلى ترك الدولة تواجه لوحدها ارتدادات الغضب الاجتماعي المتنامي بفعل فشل السياسات العمومية. أما المؤشر الرابع، فيتعلق بالحاجة إلى تقوية الجبهة الداخلية وتجويد أدوات الحكم والسلطة أكثر من أي وقت مضى. والإجابة عن هذا الوضع هو تحد يمر بالضرورة بالتأسيس لتوافق سياسي وديمقراطي جديد، والدخول في طور من الممارسة الحقوقية تُراجع وتتخلى عن بعض الانزلاقات والانحرافات التي شوهت صورة الدولة في الداخل والخارج.

شارك برأيك