عادل بنحمزة يكتب: حكاية الاقتصاد المغربي.. ودرس كورونا – اليوم 24

عادل بنحمزة يكتب: حكاية الاقتصاد المغربي.. ودرس كورونا

  • عادل بنحمزة يكتب: السلطان أردوغان والنادي المسيحي!

  • عادل بنحمزة يكتب: المغاربة “القانطون” بالخارج!

قررت الحكومة المغربية، أول أمس، تمديد حالة الطوارئ الصحية إلى 20 ماي المقبل، وبذلك ينتصر المغرب للإنسان بدل مسارعة الخطى نحو رفع الإغلاق عن الاقتصاد والحياة العامة، ومثل هذا القرار لا يمكن إلا أن نصفق له، فنحن دولة لا تتحمل أن تصل الحالة الوبائية مستوى يتم معه اختبار قطاعنا الصحي في درجة أدائه القصوى، لذلك يبقى الحل الأمثل هو الوقاية وتنفيذ الإجراءات الاحترازية الضرورية. أما الاقتصاد، ورغم الخسائر التي يتكبدها وسيتكبدها مستقبلا، فيمكنه الانتظار مع ذلك، وفق خصوصياته المتعددة، وهو وضع أفضل من أن تجد بلادنا نفسها في لحظة انتكاسة إذا جرى رفع حالة الطوارئ الصحية في عز ظهور بؤر وبائية في عدد من المدن الكبرى.

للاقتصاد المغربي قصة تستحق أن تُروى، إذ تشكل في ظل تبعية مفرطة نتيجة سنوات الاحتلال الفرنسي، وقد أثر هذا الواقع على تأخر بروز قطاع خاص مبادر، ثم إن النموذج الاقتصادي الذي رسخته فرنسا كان يتمحور، أساسا، حول اقتصاد ريعي تبعي يلبي حاجيات الصناعات الفرنسية من المواد الأولية. فالمقيم العام الفرنسي الماريشال ليوطي كان يرغب في أن يتسم الاقتصاد المغربي بالتبعية لفرنسا .

لقد كانت الحاجة ملحة بالنسبة إلى دولة الاستقلال أن تترسخ عبر نفوذ متزايد للقطاع العمومي، ولم تكن هذه العملية ترتبط فقط، بسد عجز القطاع الخاص، بل كانت لها أهداف أخرى ترتبط، فضلا عن تحقيق التنمية الاقتصادية، بالضبط السياسي والتحكم في تشكيل المجتمع الجديد والنخب الصاعدة في دولة الاستقلال وكان هذا التدخل من الزاوية التي تنظر إلى البنية الاقتصادية، كما يقول الراحل إدريس بنعلي.. «كوعد للتقدم، وذلك يؤدي بالدولة إلى لعب دور المنتج والناشر للعلاقات السلعية. وفي الوقت عينه ضامنها. فالاقتصاد تتكفل به إدارة ممركزة، وينظر إليه كمورد لتطوير المجتمع وإرساء التعددية السياسية، وموكولة له، أيضا، وظيفة إضفاء المشروعية»، ويضيف بنعلي أنه «أمام التأخر التكنولوجي والضعف المؤثر في العنصر البشري الذي كان خارج دائرة اهتمام المستعمر الفرنسي، الذي رعى استغلال 7 % من السكان الأوروبيين لنحو 30 % من خيرات البلاد، وعبر احتكار حوالي 3 ملايين هكتار من الأراضي الخصبة، في حين كان أكثر من 3 ملايين و600 ألف فلاح مغربي بدون ملكية». لقد أصبحت الدولة بعد الاستقلال المقاول رقم واحد، ففي نهاية الثمانينيات كانت الدولة تملك أو تساهم بشكل رئيس بنحو 962 مقاولة تنشط في مختلف مجالات النشاط الاقتصادي من الفوسفاط إلى الأبناك والفنادق ووصولا إلى توزيع الجرائد. باختصار، كان المغرب يعيش عمليا رأسمالية الدولة، وظل القطاع الخاص قطاعا هامشيا، فالبعض اعتبر أن نمو القطاع العمومي في تلك الفترة كان يدخل ضمن الثقافة الليبرالية التي سادت مرحلة الستينيات، بما يستوجب ذلك من تجسيد للسيادة الوطنية، خاصة في قطاعات الفلاحة، الصناعات الرئيسة، قطاع الأبناك والتأمينات، قطاع الصادرات.. وهذا الوضع كان يخدم مصلحة القطاع الخاص الناشئ على هامش رأسمالية الدولة، بل اعتبر الأمر ضروريا، مادام القطاع الخاص غير قادر على النهوض بالاقتصاد، فعملت الدولة وفق المخططات المركزية محددة الأهداف والمحددة في الزمان.

بعد ذلك سيدخل المغرب مرحلة التقويم الهيكلي، حيث نموذج الدولة التابعة للمؤسسات المالية الدولية، وذلك لاعتبارات ووقائع عدة طبعت الحالة الاقتصادية الوطنية والدولية، كان من بينها الخطاب الذي روّج له الثنائي ريغان وتاتشر، والذي كان يقوم على «الحد الأدنى من الدولة»، وعلى المستوى الوطني ارتبط الأمر بانهيار أسعار الفوسفاط والارتفاع الصاروخي في أسعار النفط، وهو ما دفع في اتجاه تقديم المبررات والاجتهادات «النظرية» للتفكير في خروج الدولة من عدد من القطاعات، البعض منها كان يستوجب ذلك، لكن البعض الآخر كان خطأ استراتيجيا ندفع كُلفته اليوم، خاصة القطاعات التي لم تكن تعيش منافسة وتعتبر مصيرية بالنسبة إلى الأمن الاقتصادي لبلادنا، ليس أقلها شركة «لاسامير» مصفاة النفط الوحيدة في البلد… بعد مرحلة الخوصصة الموجهة (…) ستنهج الدولة سياسة المخططات القطاعية وتشجيع الاستثمار، ووضعت هدفا لولوج نادي الدول الصاعدة، لكن هل أسعفنا الواقع في تحقيق ذلك؟

في كل الدول النامية وتلك السائرة في طريق النمو، عملت الدولة فيها على خلق أبطال وطنيين في مختلف القطاعات الاقتصادية، وبصفة خاصة القطاعات التي تحمل قيمة مضافة كبيرة للاقتصاد الوطني، وهناك قصص نجاح كثيرة على المستوى الدولي يمكن أن تكون مرجعا في هذا الصدد، الشيء الوحيد الذي لم تلجأ إليه تلك الدول، هو أن تجعل من الاحتكار وسيلة لبناء تلك الأقطاب، بل سارعت إلى حماية المنافسة ودعم الرأسمال الوطني والإنتاج الوطني في مواجهة المنافسة غير العادلة، أيا كان مصدرها. الاحتكار في المنطق الاقتصادي يقتل المنافسة، وعندما تغيب المنافسة، يصبح من العبث الحديث عن اقتصاد السوق والمناخ الليبرالي للأعمال، والأخطر من كل ذلك، هو عندما تكون المؤسسات الاقتصادية التي تسعى إلى الاحتكار، هي عينها من يشكل أصحابها جزءا رئيسا من السلطة التنفيذية، بحيث يصبح الحديث عن الاحتكار مرادفا للحديث عن الفساد، هذا الأمر ومنذ سنوات هو موضوع نقاش محتشم في وسائل الإعلام المتحكم في جزء كبير منها عبر الإشهار الذي لا تضبطه قواعد واضحة، لكنه صاخب في الصالونات المغلقة، بما يؤكد على حالة غضب جارف في أوساط المستثمرين، وقد جعلت منه حملة المقاطعة الشهيرة، موضوعا للنقاش الشعبي في عمق المجتمع، فظاهرة الاحتكارات تظهر اليوم بشكل جدي في قطاع مثل التأمينات، وقطاع المحروقات وبعض الصناعات الغذائية… وهناك قطاعات أخرى قد تكون مستهدفة مستقبلا ما يستوجب وضع نقطة استفهام كبيرة، عن الهدف من زرع بذور موت التنافسية في الاقتصاد الوطني، والثمن الاقتصادي والاجتماعي والسياسي الذي يتوجب على بلادنا دفعه نتيجة ذلك، نتيجة الإفراط في إرضاء الطموحات الشخصية على حساب الوطن ككل، فهل تشكل جائحة كورونا والنقاش حول نموذج تنموي جديد، فرصة لمراجعة هذا الواقع؟ حيث اقتصاد وطني يملك هامشا واسعا من الاستقلالية وأساسا القدرة على تلبية الحاجيات الوطنية مع دور مركزي للدولة التي عليها أن تستعيد دورها الاجتماعي كدولة رعاية.

سننتظر ونرى…

شارك برأيك