عبدالإله حمدوشي يكتب: المغاربة بين كمامتين – اليوم 24

عبدالإله حمدوشي يكتب: المغاربة بين كمامتين

  • عبد الإله حمدوشي يكتب: انتخابات هي أم “وزيعة”؟!

  • عبد الإله حمدوشي يكتب: القاسم الانتخابي.. أصل الحكاية

في الوقت الذي استبشرنا فيه خيرا بالنفس الوحدوي والتضامني بين مكونات المجتمع المغربي من جهة، ومؤسسات الدولة من جهة ثانية، في مواجهة جائحة كورونا. وفي الوقت الذي ظننا فيه لوهلة أن مقبل الأيام يمكن أن تحمل رياحها مصالحة وطنية جديدة تستثمر في ما جرى تركيمه من ثقة في فترة الأزمة لحل الملفات المحرجة للدولة، والمفقدة لثقة الناس في بعض مؤسساتها. نُفاجأ بأنه بينما كان بعضنا ينوه بالحكومة المغربية ومجهودات مختلف وزرائها في مواجهة جائحة كورونا، ويرتدي الكمامة -إن وجدها- بأمل في غد أفضل، ووطن ديمقراطي بهامش حريات أوسع، لا تقود فيه التدوينات على مواقع التواصل الاجتماعي أصحابها إلى السجن، ولا يجري تكييف القوانين فيه بحسب الحاجة وعند الحاجة، ولا تفتح فيه الملفات القديمة، لتهديد الأمن القضائي، ولا يعتقل فيه الصحافيون وغير الصحافيين لمجرد الرأي، ولا يُقسى فيه بأحكام قضائية غير متوقعة، على شباب خرج يطالب بالشغل والصحة والتعليم، بغض النظر عن تقييمنا لشكل المطالبة. (في الوقت عينه) كان هناك من يعمل جاهدا على تحقيق العبارة الرائجة هذه الأيام، والتي تقول إن: “مغرب ما قبل كورونا حتما لن يكون هو مغرب ما بعد كورونا”.

وها هو الشكل الذي يراد لمغرب ما بعد كورونا أن يكون عليه، قد بدأت تتضح ملامحه، مع نشر فقرات من مسودة أولية لمشروع قانون رقم 22.20 المتعلق باستعمال شبكات التواصل الاجتماعي، وشبكات البث المفتوح والشبكات المماثلة، والتي حملت في طياتها مقترحات لمقتضيات زجرية مفرطة في التشدد، تجاه رواد مواقع التواصل الاجتماعي، ومنافية للوثيقة الدستورية (الفصل 24، 25، 28 من الدستور)، ومقتضيات مدونة الصحافة والنشر، والمواثيق الدولية (الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية…)، حيث ورد في المادة 17 من مشروع قانون 22.20 أن الدعوة إلى مقاطعة المنتوجات والسلع عبر وسائل التواصل الاجتماعي، يعاقب صاحبها بعقوبة تتراوح ما بين ستة أشهر وثلاث سنوات، بالمقابل نجد أن المادة 15 من مشروع القانون ذاته، تعاقب على التحريض على ارتكاب الجنايات والجنح، بعقوبة تتراوح ما بين ثلاثة أشهر وسنة.

إن مشروع القانون صِيغ بخلفية التضييق على الآراء، في زمن يتجه فيه العالم إلى تحصين مكتسباته فيما يتعلق بحرية الرأي والتعبير، ليس غريبا أن ترتب فيه جزاءات، أكثر تشديدا من الجزاءات المرتبة لمرتكبي جنايات أخطر وأفظع. وليس غريبا أن تجري محاولة تمريره في لحظة اتحد فيها المغاربة لمواجهة خطر الوباء، بروح تضامن وتكافل ووطنية عالية، والتزام مقدر بإجراءات الحجر الصحي، مرتدين الكمامة الطبية. لكن يبدو أن هناك من يريد أن يلبس المغاربة كمامة أخرى لغير غاية صحية، وبشكل دائم، عبر تمرير قانون “تكميم الأفواه”، الذي يضرب في العمق المكتسبات الحقوقية للمغاربة، الذين ودعوا “زمن البصري” وسنوات “الرصاص”، بمصالحة أعقبتها إصلاحات دستورية شجاعة، جعلت من بلدنا استثناء في محيطه الإقليمي.

كما أن عدم نشر الحكومة لمضامين مشروع القانون المذكور، يتناقض مع المادة 10 من قانون 31.13 المتعلق بالحق في الحصول على المعلومة، والفصل 27 من الدستور، الذي ينص على حق المواطنات والمواطنين في الولوج إلى المعلومة، تعزيزا لمبدأ الشفافية والحق في المعرفة. وهو ما يزكي الشكوك المثارة بخصوص نية بعض الجهات ذات النفوذ في مطبخ التشريع، تمرير هذا القانون لأغراض لا علاقة لها بمصلحة الوطن وتكريس دولة الحق والقانون. ناهيك عن أن هذا المشروع الذي يناقش الحريات العامة، لم يحترم في عملية إعداده مبدأ المقاربة التشاركية، ولم يأخذ برأي المجلس الوطني لحقوق الإنسان باعتباره مؤسسة دستورية تُعنى بكل ما يتعلق بالحقوق والحريات، تطبيقا للمادة 25 من القانون رقم 76.15 المتعلق بإعادة تنظيم المجلس الوطني لحقوق الإنسان، التي تنص على أن “المجلس يبدي رأيه بمبادرة منه أو بطلب من الحكومة أو أحد مجلسي البرلمان في شأن مشاريع ومقترحات القوانين ذات الصلة بحقوق الإنسان، لاسيما في مجال ملاءمتها مع المعاهدات الدولية المتعلقة بحقوق الإنسان، والتي صادقت عليها المملكة أو انضمت إليها”.

باختصار، آن الأوان أن يستوعب الحكماء من أصحاب القرار في الدولة، بأن الاستثمار في تدعيم أجواء ثقة المواطنين في مؤسسات الدولة، وتوسيع هامش حرية الرأي والتعبير، كحق دستوري وكوني، أفيد للوطن واستقراره، من التضييق على الحريات المشروعة، والدفاع عن مصالح اللوبيات الاقتصادية الجشعة التي أظهرت التجارب أنها أول من ينفض من حول الوطن مغادرا في طائرة عند أقرب أزمة واختبار.

شارك برأيك

بوشمال محمد

هذا هو ما يسمى “قلة ما يدار”…حيث لما ترتخي الاعضاء فوق الكراسي الوثيرة و خلف المكاتب المكيفة ترسل الى الدماغ اشارات الملل و الكسل فيبدا في خلط المعطيات و سوء النيات فتظهر للواقع على شكل قرارات لا تراعي ما يتكبده البلد من تبعات جائحة كورونا اقتصاديا و اجتماعيا و نفسيا …لهؤلاء نقول اذا لم تستحوا فافعلوا ما شئتم يكفينا ما نحن فيه من وباء و بلاء و غلاء.

إضافة رد