اليحياوي: تأجيل الانتخابات إلى نهاية 2022 وارد -حوار – اليوم 24
lyhywyy
  • منير-ابو-المعالي

    منير أبو المعالي يكتب: يد السلطة فوق أيديهم!

  • منير-ابو-المعالي

    منير أبو المعالي يكتب: «غاز» مسيل للدموع

  • منير-ابو-المعالي

    منير أبو المعالي يكتب: اقتراع تقني

حوار

اليحياوي: تأجيل الانتخابات إلى نهاية 2022 وارد -حوار

مصطفى اليحياوي، الخبير البارز في الجغرافيا السياسية، يعود مجددا في هذا الحوار مع “أخبار اليوم”، لاستكشاف واقع عالم ما بعد جائحة كورونا. ووفق تحليله، فإن واقعا معقدا يتشكل الآن، وسيكون من الصعب فهمه بدون أرضية علمية ذات تأطير منهجي بإمكانها مساعدتنا على تركيب الأحداث وفهم العلاقات النسقية بين ما هو كوني، وما هو إقليمي وما هو وطني.

تسعى الدولة إلى أن تجعل من إجراءاتها لمحاصرة جائجة كورونا على قدر من الفعالية للخروج بأقل الخسائر.. في نظركم، هل تحقق استراتيجية السلطات فعالية واقعية؟

تجربة المغرب يمكن قراءتها من عدة نواح، سأركز في جواب على ثلاث مسائل تهم تدبير مخاطر الأزمات:

أولا، من ناحية إدارة الأزمة والإجراءات التي اتخذتها الحكومة سواء على شكل نصوص قانونية أو على شكل تدابير عملية روتينية، يبدو أن المغرب قد استفاد بالتجربة التي راكمها في مجال محاربة الأوبئة وسرعة اتخاذ الإجراءات الاحترازية لاحتواء تداعيات انتشار العدوى جغرافيا. وإذا ما قارنا مثلا بين توقيت اتخاذ الإجراءات الاحترازية التي اتخذها المغرب وبين الدول الأوروبية الأكثر تضررا (إيطاليا وفرنسا وإسبانيا)، سنلاحظ أن بالمغرب جرى إعمال نظام الإنذار في أقل من خمسة أيام على إعلان منظمة الصحة العالمية على تصنيف كورونا وباء عالميا، وتم  تطبيق إجراءات إغلاق الحدود والحجر المنزلي في أقل من 18 يوما من إعلان المنظمة العالمية على أول حالة وفاة. بالمقابل، لم تتخذ فرنسا وإسبانيا وإيطاليا الإجراءات الوقائية إلا بعد أكثر من 48 يوما على هذا الإعلان، وقد تفوق المغرب على هذه البلدان الثلاثة بفارق زمني يصل إلى ثلاث مرات. بمعنى أنه من الناحية التدبيرية، لم يسجل تأخير في حسم قرار الدولة. الشيء الذي يفسر على أن هناك نجاعة إدارية في التأقلم مع مخاطر الأزمة. في هذا الباب، ينبغي الإشارة إلى أن الذي أسعف الدولة على الإسراع في اتخاذ القرار، هو نظام الإنذار التلقائي الذي طوره المغرب بكثير من الواقعية والتجربة الميدانية منذ الأوبئة الأولى التي ظهرت في ستينيات القرن العشرين ومواسم الجراد التي أثرت على المنتج الزراعي في لحظات كان الأمن الغذائي في المغرب ركيزة من ركائز تثبيت الاستقرار السياسي لميزان القوى بين الفلاح المناصر للعرش والفئات المتعلمة المدينية المحتضنة لمعركة النضال الديمقراطي. هذا الاستشعار “الحدسي” لدى جيل من رجالات الإدارة المغربية القريبة من مصدر اتخاذ القرار تبث طقسا ثقافيا في الإدارة المركزية يتأتى من خلاله التأقلم السريع مع سياق الأزمة بشكل يجعل المدني محكوما بتوجس العسكري، في إدارة الحرب لاستتباب الأمن والدفاع عن قيادة الدولة وشرعيتها التاريخية في تدبير أيام القر.

ومن المفيد في هذا المجال أن نتقصى العبر من تاريخ التوتر الترابي الذي عرفه المغرب منذ نهاية القرن الخامس عشر وامتداده حتى نهاية القرن التاسع عشر، أو ما عُرف في الأدبيات التاريخية بفترة السّيبة. ولعل أهمها أن السلطان مثل في مختلف الأوبئة رمزا للوحدة والتعبئة من أجل إسعاف الضحايا، كما مثل المخزن الأداة الإدارية التي تسهر على تنظيم السير والجولان وردع الفتن. بهذا المعنى يتشابه تاريخ المغرب مع الصين في كيفية التعامل مع إدارة الأزمات في سياق الأوبئة، فكلتا الدولتان ضعفتا وتقهقرتا في فترة زمنية من تاريخهما، ولكن كلتيهما واجهتا الأوبئة بكثير من الكبرياء ومن وحدة الصف وتراص الأمة.

أعتقد أن هذا التمرين التاريخي مفيد لفهم لماذا يتغلب المغرب على عوامل القرب الجغرافي من أهم بؤر الوباء خطورة، أي بلدان أوروبا المطلة على البحر الأبيض المتوسط، بالرغم من قلة الموارد والوهن المؤسساتي المزمن لقطاع الصحة. أعتقد أن  لحضور الملك على رأس قيادة العمليات أهمية سياسية وتدبيرية في تفادي هدر الوقت في تنازع الاختصاصات، والانتقال السريع من المقاربة المدنية المسطرية ذات التوجه البيروقراطي إلى مقاربة أفقية مستعجلة ترقى إلى مخاطر أمن الدولة في سياق الكوارث الطبيعية.

ثانيا، بالإضافة إلى توفر الدولة على طقس ثقافي في الـتأقلم مع مخاطر الأوبئة، أعتقد أن عامل تحديث إدارة الأزمات وتزويدها بتكنولوجيات رقمية للرصد المجالي ومعدات مخبرية عالية الجودة، على مستوى الإدارة المركزية للدرك الملكي ووزارة الداخلية ساعد القطاع الوزاري المعني بأن يتوفر على نظام عملياتي سريع التفعيل، والتدخل على المستوى الترابي. زد على هذا، التراكم في أدبيات التدبير أزمة أنفلونزا الطيور خلال سنتي 2005 و2006، فقد طور المغرب مهارات تدبيرية مهمة، نذكر منها (1) القدرات القيادية والمؤسساتية على المستوى المركزي، سواء على مستوى التنسيق بين القطاعات الأمنية والمدنية والتتبع اللحظي المسترسل وسرعة التفاعل واتخاذ قرارات التدخل، باعتماد إجراءات مسطرية مبسطة غير مكترثة بالحسابات السياسية أو بالإجراءات الروتينية في القرارات الحكومية العادية، و(2) الرفع من فعالية نظام الإنذار المبكر على المستوى الترابي وتحكم الأجهزة الأمنية والإدارية  لوزارة الداخلية والدرك الملكي في صبيب المعلومات والإجراءات، وقدرتها على سرعة تحصيل الأخبار الميدانية ورفعها لمصالح القيادة المركزية للأزمة. كل هذا مكن المغرب من  بناء قيادة مركزية لمخاطر الأزمات الصحية باختصاصات وكفايات مؤسساتية  وخبرات ميدانية ناجعة. وأعتقد أن هذا هو السر الذي مكن المغرب من التغلب إلى حدود الساعة على ضعف إمكانيات المستشفيات ومواردها البشرية الطبية، خاصة فيما يتعلق بأسِرة العناية المركزة وأجهزة التنفس الاصطناعي.

ثالثا،‏ يتبين من الإجراءات الاقتصادية والاجتماعية التي اتخذتها الحكومة، وبالأحرى الدولة بمفهومها المخزني، أن الوضع لا يدعو إلى القلق ولا يتوقع أن تقع قلاقل في القريب المنظور، كما جرى مؤخرا في لبنان. ولعل أهم ما نجح فيه المغرب -مرحليا- من إجراءات، هو استحداث “صندوق   خاص بتدبير جائحة فيروس “كوفيد-19” وتمكنه من تعبئة موارد تناهز قيمتها 2.8 في المائة من الناتج الوطني الإجمالي، كرابع أفضل الدول على المستوى العالمي، فيما يخص تدبير الأزمة الصحية الحالية.

في هذا السياق، أعتقد أن استحداث آلية الصندوق قد يسر التدبير المالي لحاجات الطوارئ، خاصة على مستوى الاقتناء المستعجل للمعدات الطبية والأدوية، وتعميم الدعم المالي على أكثر من 4 ملايين أسرة في فترة زمنية قصيرة.

 تعول السلطات على التعبئة الشعبية وراءها إلى ما بعد الحجر المنزلي أيضا. هل تعتقد أن هذه الأزمة يمكن أن تعيد الثقة إلى المؤسسات أو الدولة التي لطالما كان يُنظر إليها في بلد مثل المغرب كرديف للسلطة السياسية، هل تعتقد أن هذا الفصل ممكن الحصول الآن؟ وما هي شروطه؟

أغلبية المتخصصين يقولون إن مخاطر الوباء ستستمر لمدة سنة على الأقل أو سنتين ونصف: التاريخ المرتقب لبدء العمل باللقاح. ماذا يعني هذا؟

نظرا إلى عدم توفره في الوقت الراهن على إطار منطقي واضح لما ينبغي اتخاذه من إجراءات لاحتواء مخاطر ما بعد مرحلة الحجز المنزلي، سأحاول ترتيب الجواب عن شكل مداخل عامة للتفكير في مآلات الواقع الذي فرضته هذه الأزمة.

(1) عالميا، لن تعود الحياة الاجتماعية إلى ما كانت عليه، وستتأثر في الغالب جميع الأجندات الانتخابية المرتقبة خلال هذه المدة، وسينكمش الاقتصاد العالمي وسيتقلص الاستهلاك.

(2) أما وطنيا، فلعل أبرز آثار سياسي سيخلفه هذا التمديد الاضطراري لوضعية اللايقين، هو صعوبة تأمين استمرارية حشد التعبئة الشعبية في غياب إقلاع اقتصادي باستثمارات عمومية وخاصة، لا يمكن للحكومة توفيرها على الأقل خلال الستة أشهر المقبلة، علما بأن جزءا كبيرا من موارد الاستثمار في الميزانية العامة وميزانيات الجماعات الترابية لم يعد من الناحية العملية بإمكان تنفيذه، فيما تبقى من السنة المالية الجارية. لهذا، لا أظن أن الثقة في الدولة ستكون مضمونة، خصوصا وأن الرصيد الشعبي للسلطة السياسية المستمدة من صناديق الاقتراع قد تأثر خلال المدة الأخيرة، من جراء الصراعات الداخلية لأغلبيته الحزبية. فالواقع، أيضا، يؤكد أن الأحزاب على درجة من الوهن، ما يجعلها غير قادرة على المبادرة وعلى الحركة في مجال القرب الاجتماعي. وعليه، فالأمر سيان، لا الدولة ضامنة لاستمرار الحشد والتعبئة الشعبية، ولا الأحزاب قادرة على أن “تناضل” للدفاع عن وجودها الاعتباري، في سلسلة العلاقات بين الشعب ومؤسسات الدولة.

وفي ارتباط مع هذا الجانب، أظن أنه من المحتمل جدا أن تتأثر أجندة التحضيرات للاستحقاقات الانتخابية لـ2021. وسيكون من غير المستبعد تأجيل موعدها إلى نهاية منتصف 2022. هذا يعني أننا مقبلون على أيام عصيبة في حياة التحالف الحكومي “الهش”.

(3) على مستوى التضامن الوطني، فمن المرجح أن فعالية صندوق التضامن المستحدث ستصطدم بطول مدة التباطؤ الحتمي للاقتصاد الوطن، لأن تأمين الدعم لأكثر من 4 ملايين أسرة، خلال مدة تتجاوز الستة أشهر غير ممكن، كما سيكون ضربا من المغامرة غير المحسوبة تخصيص جزء من الموارد المتاحة بموجب اتفاق خط الوقاية والسيولة لتغطية هذه النفقات الاستثنائية.

(4) على مستوى تقدم أشغال اللجنة الملكية للنموذج التنموي، أعتقد أنه لن يكون بدا غير تأجيل رفع تقريرها للملك، لأن ما جرى وما سينتج على كفيد-19، ليس عرضيا كي يهمل من حسابات المستقبل.

(5) على مستوى إعادة الحياة للنسيج الاقتصادي الوطني، أعتقد أن احترازات الأبناك وبراغماتية توصيات اتحاد مقاولات المغرب تُنذر بأن المغرب بعد الحجر الصحي سيضطر إلى التعايش بين الرغبة الجامحة لتثبيت الاستقرار والسلم الاجتماعي، وبين نقص الموارد وضعف مردودية قنوات الحوار الاجتماعي في تأمين حلفاء “متفهمين” في تصور استراتيجية إقلاع اقتصادي متضامن.

(6) وأخيرا، سيكون لتوقيف العمل بالدعم أثرا على قدرة أرباب الأسر المستفيدة على مواجهة تكاليف الحياة العادية من جديد، وهو ما قد يؤدي تلقائيا إلى معاودة الاحتجاجات الاجتماعية.

في النهاية، ليس أمام الدولة إلا مواجهة الأزمة بإعمال القوة الناعمة في احتواء مضاعفاتها الاجتماعية. وهو الأمر الذي يصعب ضمانه في غياب وسائط سياسيين ونقابيين ومدنيين قادرين على تأطير المواطن العادي، في لحظة نفسية واجتماعية محفوفة بالعوارض الجانبية، على مستوى الثقة في المؤسسات، وفي كفاية إجراءاتها لتأمين الحد الأدنى من العيش الكريم لفئة عريضة مهددة بالفقر، أو الانحدار في السلم الاجتماعي بسبب قلة فرص العمل، أو بسبب عدم القدرة على مسايرة إيقاع التحولات الاقتصادية التي من المتوقع حدوثها.

مقارنة مع وضعية بلدان العالم، أي من التجارب تراها كانت أكثر فعالية في مواجهة هذه الجائحة؟  

لا يخفى على أحد بعد أكثر من 3 أشهر على الإعلان عن فيروس كورونا، أن انتشاره قد أدى إلى توقف العالم تقريبا. وقد شلت حركة التنقل الجوي والبحري والبري بين معظم الدول، فأصبح بذلك تهديدًا وجوديًا للعديد من شركات النقل. لنكتفي هنا بالنظر إلى تبعات توقف الملاحة الجوية، فقد نتج مثلا عن الحظر الأمريكي لمدة 50 يومًا على معظم الرحلات الجوية إلى أوروبا ومن أوروبا، إلى خسارة 20 مليار دولار، وإلى توقف أهم المسارات الجوية المربحة عبر المحيط الأطلسي. ولم يعد ضربا من الخيال مشاهدة مدن الأشباح في مختلف أنحاء بلدان المعمور، حتى تلك التي عرفت بالمدن التي لا تنام مثل نيويورك وباريس وغيرهما من المتروبولات المعروفة بتمركز الأنشطة التجارية والاقتصادية الحيوية للنظام النيوليبرالي. لقد اختارت العديد من البلدان الأخرى فرض الحجر الصحي على سكانها. وكما عبر عن ذلك العديد من الفلاسفة الذين جايلوا مختلف الأحداث الدولية البارزة ما بعد الحرب العالمية الثانية، فإننا دخلنا عصرا من التضييق الفيروسي المفروض تلقائيا بين الذات والآخر في بيئات الاختلاط الاجتماعية، من أماكن للعمل والفضاءات العامة ووسائل النقل الجماعي، وحتى في الكنائس والمساجد والمعابد الأخرى.

وفي البلدان النامية مثل المغرب، حيث تعد الزراعة والسياحة والتحويلات المالية للعمال في الخارج، العمود الفقري للاقتصاد الوطني، هناك اتفاق عام بين المحللين على أنها مقبلة على حالة ركود اقتصادي قاتمة، وستبدأ العواقب السلبية لفيروس كورونا بظهور بحلول يونيو أو يوليوز. وفي هذا السياق، تتوقع وكالة التجارة والتنمية التابعة للأمم المتحدة أن عدم اليقين الاقتصادي الحالي وعدم القدرة على الحركة سيكلفان الاقتصاد العالمي على الأرجح، تريليون دولار في عام 2020. بهذه الخسارة سيكون أمام النظام النيوليبرالي السائد منذ أكثر من عقدين تحدي تدبير أولويات البعد الإنساني واستقرار أمن المجتمعات قبل اعتماد أي استراتيجيات جديدة لإقلاع الاقتصاد العالمي بمنطق تعويض خسائر التوقف الفجائي لسلسلة الإنتاج، خاصة في الصناعات الحيوية مثل قطاع السيارات. بمعنى آخر، الواقع يفرض بأن تصحح النيوليبرالية أمرا لم يعد ضربا من التمني، بل حتمية تاريخية ثابتة.

 هل سيغير ذلك مثلا الوضع جيو ــ سياسي؟ وخارطة التحالفات والأعداء والأصدقاء؟

بالنسبة إلى الشق الأول من السؤال، لم يعد من قبيل المزايدة الدوغمائية أن نقر بأن العالم دخل سياق أزمة غير معتادة لم يألفها منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. وأهم ميزاتها أن جميع الدول، سواء أكانت غنية أم فقيرة، توجد في وضعية شلل اقتصادي عام. ولم يعد بالإمكان الاشتغال بميزان القوى عينه، الذي عادة ما احتكمت إليه الحياة الدولية بعد اتفاقية “سان فرنسيسكو”، وما استتبعها من تنظيمات متعددة الأطراف كان لها دور المقنن والميسر في الآن عينه، للعيش المشترك في إطار القبول المصلحي بشيوع ثقافة الليبرالية وحرية التنقل والمبادرة التجارية العابرة للحدود وابتكار تكنولوجيات التواصل. وقد مكن ذلك من إنشاء نظام مالي عالمي مركب يقوم على تشبيك وتنميط علاقات ذات ترابطات عضوية معقدة بين أجزاء متداعية في مختلف مناطق المعمورفوق السياسة وفوق أي مشترك إيديولوجي.

من الناحية الجيو ــ سياسية، إن ما نشهده راهنا يخرج عن المألوف على مستوى الأحداث المؤثرة في حالة الاستقرار “الهش” التي عاشها العالم خلال السنوات الثلاثين الأخيرة ما بعد “النهاية الفجائية” للحرب الباردة: اقتصاد معولم وحرب غربية تقودها الولايات المتحدة الأمريكية على الإرهاب، وبؤر توتر إقليمية وحروب أهلية تختلط فيها المصالح بين ما هو إثني عرقي وديني، وبين ما هو اقتصادي صرف مرتبط بالصراع على الموارد الطبيعية. فبات العالم في لحظة تجريب بمستوى عال من المخاطر تجاه الأمن الإنساني وتوازن المنظومة البيئية للكوكب الأرضي، تعزو الأمم المتحدة فيه إمكانية بسط أهداف ميثاقها، خاصة على مستوى السلم والأمن الدولي. فقد وصل العالم إلى مرحلة الاستقرار “المؤقت” وظهور “حروب جديدة” غير تقليدية بالمفهوم “الوستفالي” للحرب، وبروز تكنولوجيات حربية ومدنية ذات قدرات عالية تعيد النظر في الترسيمات التقليدية بين حالتي الحرب والسلم، وتقلب الأفكار السائدة عن “العدو” و”الإقليم” و”السيادة” والشراكات الاستراتيجية، وربما، أيضا، تراجع البراديغم الذي أطر فكرة “النظام العالمي” و”الدولة الحديثة” وميز بين حالتي “النظامية” و”الفوضى”.

لعل أهم ما عرت عنه الأزمة الحالية في هذا الجانب، أن الاستقرار “الهش” للنظام العالمي بلغ حالة من الاختلال الوظيفي لن تسلم من تبعاته المنظومة القيمية لعالم ما بعد الحرب العالمية الثانية. فبعدما تأكد أنه لم تعد القوة العسكرية كافية لحسم الحروب، ولم تعد للأمم المتحدة ومجلس الأمن والمنظمات المتعددة الأطراف النجاعة الكافية لفرض قواعد اللعب الجماعي، إن على المستوى السياسي، وإن على المستوى الاقتصادي، وإن على مستوى مهام الغوث الإنسانية وحفظ الأمن، أثبتت أزمة كورونا أن العالم أصبح يشتغل بدون تنسيق أو تناغم بين ثلاث وظائف جيوــ سياسية: (1) وظيفة  الغرب القوي “حضاريا” و”عسكريا” و”ماليا” و”اقتصاديا”. (2) وظيفة الأمم المتحدة والمنظمات المتعددة الأطراف الحائزة على الإجماع الدولي والشرعية التنظيمية والتأطيرية للعيش المشترك وقيم التسامح والتضامن الدولي والعدالة وحقوق الإنسان. (3) الوظيفة التموينية للعالم التي تتم بالتدرج منذ إقرار الحزب الشيوعي عام 1979 لسياسة الانفتاح الاقتصادي، والصين الشعبية تبحث عن تثبيتها في نظام العولمة الاقتصادية إلى أن غدت، هي ودول شرق آسيا والمحيط الهادي والهند، مع بداية القرن الواحد والعشرين، طرفا حاسما في المعاملات التجارية العالمية، تتحكم في جزء كبير من مصادر تموين السوق العالمي، سواء على مستوى استقطاب الصناعات والخدمات اللامتمركزة المعاد انتشارها، خاصة من أوروبا الغربية وأمريكا الشمالية، أم على مستوى بورصات القيم وإنتاج السلع وتطوير التكنولوجيات الرقمية والقدرة على استباق حاجات الاستهلاك العالمي (مثل الطاقات المتجددة الصديقة للبيئة وتكنولوجية 5G).

بالمحصلة، لقد أكدت الأزمة الوبائية الراهنة أن العالم الذي عشناه خلال الثلاثين سنة على نهاية الحرب البادرة لم يكن “تحت السيطرة”، وإن بدا أن الدولة الحديثة بمعنى “هوبز” “الحي الفاني” قادرة على التغلب على وضعية “اللايقين” بأن تؤمن تدفق السلع واستمرار تموين السوق وتثبيت حالة استقرار “هش” يصمد في وجه الصدمات والأزمات المالية، كتلك التي شهدها العالم في 2008، أو تقلبات سوق الطاقة وظهور شرارات الغضب الشعبي في مجتمعات (الربيع العربي مثلا)، عادة ما كانت مصلحة الغرب وإدارة الصراع العربي الإسرائيلي تقتضي تأمين حماية الأنظمة الشمولية والاستبدادية فيها.

وببديهية الحال، فإن هذه الوضعية التي اتسمت بتعميم رعب الإرهاب لم تكن لتستمر لأكثر من عقدين من الزمن على هجومات 11 شتنبر 2001 على الولايات المتحدة الأمريكية؛ ولكن لم يكن في الحسبان أن الذي سيوقف هذه الحالة حدث “طبيعي” غير مألوف لدى قطاع كبير من مجتمعات ما بعد الحرب العالمية الثانية، حدث ظهور وباء كورونا، العدو اللامرئي، الذي أكد أن ما وقع من تحول في دورة الأوبئة ما بين 2003 و2009 و2012 و2016 لم يكن عاديا ولا يمكن الاستخفاف به، وأصبح لزاما أن نعيش لحظة “وهن” في التفكير الحديث وعجز على إدارة المخاطر بالشكل الذي تعود عليه النظام النيوليبرالي خلال الثلاثين سنة الماضية.

على هذا الأساس، وفي ارتباط مع الجزء الثاني من السؤال، نعم، تغير شيء ما في الوضع الجيوسياسي السائد. بيد أنه سيكون من الصعب الجزم في حيثياته بشكل دقيق، لأمرين: الأول أن جميع الأحداث التي وقعت في العالم ما بعد الحرب العالمية الثانية تؤكد أن في لحظة الأزمة نتخيل أن العالم سيتحول بشكل لافت عما سبق، بعدها تفاجئنا الوقائع بأن ذلك كان مجرد تخمينات “حدسية”، أكثر منها قراءات علمية ذات جدوى واقعية. والثاني، أن منذ بداية القرن العشرين، لم يحصل أن تغيرت الجغرافيا السياسية للعالم بسبب الوباء، بما فيه وباء الإنفلوزا الإسبانية بين 1918 و1919؛ في حين تغيرت بسبب الحروب وتأثرت التحالفات وخرائط حدود الدول.

لهذا، لا يمكن حمل ما قاله في حالة غضب رئيس وزراء صربيا في بداية تفشي الوباء، أو حتى حدث هبوط طائرة صينية في روما محملة بخبراء طبيين عسكريين و31 طنًا من الإمدادات الطبية، على أن الاتحاد الأوروبي سينتهي باعتباره أحد أهم التحالفات الإقليمية الأكثر فعالية.

بالمقابل، هذا لا يمنع من تسجيل أن الصين خلال العشرية الأخيرة أصبحت أكثر “تحرشا” بالاتحاد الأوروبي، ويتزايد حضورها في دول أوروبا الشرقية (أرمينيا والمجر مثلا)، حيث أبرمت شراكات تحمل في ظاهرها إغراءات مالية تحفيزية وآفاق تمويلية واعدة، خاصة في قطاع البنيات التحتية، إلا أنها تؤسس في مضامينها لتحلل برغماتي من ضغط المنظومة القيمية التي بني عليها الاتحاد الأوروبي في معاهدة “ماستريخت” (1992)، أي الحكامة الجيدة ومحاربة الفساد وحقوق الإنسان، كما تعترف بشكل صريح بعدم الاكتراث بسلطوية النظام الصيني وقمعه للحريات الفردية والجماعية وللتطلعات الديمقراطية للشباب وللمدافعين على حقوق الإنسان. فلا مراء في أن هذا التمدد الصيني والتقارب غير المسبوق مع روسيا أصبحا يغريان فئة عريضة من الأحزاب اليمينية في أوروبا ذات التوجه القومي المحافظ المؤمن بجدوى الحدود وسيادة الدولة واستقلالية القرار على بروكسل. إذن، من المحتمل أن تستفيد الصين وروسيا من أزمة كورونا والفشل الذريع للاتحاد الأوروبي في تأمين مساعدة سريعة وناجعة لدول مثل صربيا وإيطاليا وإسبانيا واليونان، وسيتمكنان من تثمين شراكة منتجة مع تلك الأحزاب؛ مما سيؤثر بشكل أو بآخر على الخرائط الانتخابية خلال الاستحقاقات التشريعية والمحلية المقبلة. ذلك إنه من المرتقب أن هذه الشراكة البرغماتية مع “العدو الإيديولوجي” لفكرة الدولة الغربية الحديثة سيكون ذا فائدة في تزكية حضورها السياسي كبديل لمنافسيها من الأحزاب الأخرى المؤمنة بقيم الغرب والعولمة والنيوليبرالية وغيرها مما يحسب على الانفتاح القيمي للحداثة. ويبدو أن هذا سيؤدي ولو مرحليا على المدى القصير إلى صعوبة مداواة سريعة لـ”جراح الكبرياء”  التي مست خاصة الدول الأعضاء من جنوب ووسط أوربا، كما سيؤدي إلى ظهور اختلافات بين الأعضاء، خاصة بين ألمانيا وبقية الدول الأعضاء حول إدارة التبعات الاقتصادية والاجتماعية لأزمة كورونا، وربما سيتأكد التقارب الإيطالي مع الصين، وقد يصبح تحالفا استراتيجيا بعد مفاجأة إيطاليا لبروكسل ولحلفائها الغربيين الآخرين بإعلانها لقرار أحادي عن التحاقها بالمبادرة الصينية “مبادرة الحزام والطريق” أو “طريق الحرير الجديد”، وتوقيعها في مارس 2019، كأول عضو من مجموعة G7، على اتفاق بهذا الشأن في إطار تجديد البنيات التحتية؛ وخصوصا وأن إيطاليا كانت وراء عدم اعتماد الاجتماع الأخير لوزراء خارجية المجموعة  لمقترح الولايات المتحدة الأمريكية بإصدار بيان يعتبر كورونا وباء صينيا.

في اعتقادك إذن، ما هي أهم التحولات التي أحدثتها وستحدثها أزمة كورونا على النظام العالمي؟

بعد الحرب التجارية التي شنها منذ سنتين ترامب على الصين، أعتقد أن أزمة كورنا أشعلت حربا ثانية، وأصبح لزاما أن نعايش الوضع الحالي بأخبار تمازج بين الحصاد اليومي للوباء من وفيات وإصابات جديدة، وبين “يوميات” الحرب الدعائية التي نشبت بين هاتين القوتين بسبب تبادل التهم والمسؤولية على انتشار الوباء. ومن الملفت أن تصاحب هذه الدعاية خطط التمدد الناعم للصين وروسيا في مختلف بقاع العالم. وهنا نسجل أهمية المبادرات “الإنسانية” في دعم الصين لدول إفريقيا في مواجهة الوباء، والتحرك الملفت للطواقم الطبية لكوبا في قطر وإيطاليا وغيرهما من الدول. بخلاف ذلك، نسجل انحباسا في المبادرة الدولية لدى الولايات المتحدة الأمريكية، وإعلان رئيسها لقطع دعمها لمنظمة الصحة العالمية، وانشغالها بتدبير آثار الوباء على الأجندة الانتخابية المرتقبة في نونبر المقبل، وظهور تنازع للشرعيات بين الإدارة الفيدرالية والولايات في تدبير الأزمة وإنهاء حالة الطوارئ الصحية، والتراجع غير المسبوق لقطاع الطاقة… كلها مؤشرات تؤكد أن الانتخابات الرئاسية المقبلة ستكون حاسمة فيما ستؤول إليه الأمور على مستوى السياسة الخارجية الأمريكية، حيث أن استمرار ترامب في الرئاسة يعني أن الفجائية والمباغثة سيكونان سمتين بارزتين في قيادة الغرب، وهو ما سيؤثر في الغالب على القرار الدولي وعلى ميزان القوى عالميا. فبينما الصين وروسيا يطوران تحالفا استراتيجيا في تطور تصاعدي منذ إنشاء منظمة شنغهاي للتعاون في 1996 واعتماد ميثاقها في 2003 والتنسيق غير المسبوق على مستوى التصويت في مجلس الأمن الدولي خلال العقدين الأخيرين؛ في الجانب الآخر سنجد التحالف الغربي بقيادة أمريكا في تراجع مستمر بسبب صعوبة اتخاذ القرار الاستراتيجي، وتوحيد المواقف في الحلف الأطلسي بشأن بؤر التوتر الإقليمية في الشرق الأوسط وحوض الأبيض المتوسط، وبروز خلافات كبيرة بشأن مسألتي اللاجئين والهجرة، سواء بين تركيا والاتحاد الأوروبي، أو بين دول أعضاء داخل الاتحاد ذاته، والسياسة الحمائية التي اعتمدها ترامب ومقايضاته للتعاون العسكري مع حلفائه في شرق آسيا وأوروبا والشرق الأوسط.

لنقل بحذر شديد، نحن نعيش لحظة تاريخية حوّل وباء كورونا مخاطر المنافسة بين القوى العظمى من الصراع على الهيمنة الاقتصادية إلى التنافس بين النماذج في مواجهة صدمات الأزمات: أي ما هو أنجع نظام يمكنه أن يتكيف مستقبلا مع دورة الأزمات العالمية الفجائية، سواء تعلق الأمر بالصحة العامة أو المناخ؟

الجواب يقبل احتمالين بارزين، فمن جهة، هناك إمكانية تصويب وتأهيل النظام القائم منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، والذي عززت فيه الولايات المتحدة الأمريكية النظام العالمي الليبرالي، وحافظت عليه منذ ذلك الحين. وقد استمر هذا النظام ليس فقط، بسبب الهيمنة العسكرية والاقتصادية الأمريكية، ولكن لأنه عزز مصالح القوى العظمى (بما في ذلك الصين). ومن جهة ثانية، هناك احتمال الإعلان عن “نهاية هذا العالم” بما فيه بارديغم “الإرهاب” الذي عممته أمريكا في العالم منذ 11 شتنبر 2001، واعتبار أن هذه الحقبة غير قادرة على التأقلم مع التحديات الحضارية الجديدة. بهذا الاحتمال الثاني، قد ندخل إلى دوامة اللايقين بشأن ما سيؤول إليه مستقبل العولمة: هل سيحافظ العالم على الاتجاه نحو الديمقراطية الليبرالية؟ أم سيغيره نحو استبداد السوق الحرة؟ وحينئذ سنكون أمام فخوخ غير منتهية في وجه استمرار المنظومة الأخلاقية والقيمية التي قامت عليها الحداثة منذ القرن السابع عشر.

هل تمثل الأزمة الحالية فشلا للنيوليبرالية؟ وإذا قدرنا جدلا أن المنظومة القيمية التي اعتمدها العولمة قد اختلت، في رأيكم ما الذي يمكنه أن يترتب على ذلك؟

بهذا الكم من الأحداث وتركيبها السببي المعقد والاستفهامات غير المنتهية حول مستقبل العالم في القريب المنظور، يبدو أنه حصلت قناعة لدى المهتمين بالشأن الدولي، في كون أزمة كورونا قد عرت على هشاشة استقرار النظام الدولي للعولمة الاقتصادية، وأكدت أن الاستباقية التي قام عليها النظام النيوليبرالي لم تكن مجدية في تأمين نشاط السوق وتدفق السلع والخدمات، كما أن التفوق التكنولوجي لم يُجد في مواجهة مخاطر تعطيل الاقتصاد العالمي أمام عدو غير مرئي يدفع الإنسانية إلى التخلي الاضطراري عن عادات اليومي المعيش، بما فيها العلاقات الاجتماعية الكثيفة، ودينامية التنقل، وثقافة المجال العام باعتباره المركز الحيوي للحياة. نحن أمام اللايقين نواجه الاحتمالات بدون قدرة على التغلب على الخوف الذي ألزم ما يفوق 6 ملايير من ساكنة المعمور أن تلزم منازلها.

الواقع أن ما لوحظ من تباين في تعاطي الدول مع الوباء على مستوى الإجراءات المتخذة لمواجهة انتشاره، يؤكد أننا أمام نموذجين في تدبير الأزمة: (1) نموذج مسنود إلى قيم غربية يقوم على مرونة تضغط على السياسيين، في اتجاه احترام الحرية والحقوق الأساسية وعدم المساس بها بأي شكل تقييدي يحمل على استبداد السلطة وخروج على المتفق عليه، في عقد التفويض الانتخابي لمزاولتها وحيازة القهر المشرعن. ولعل في فكرة الفيلسوف الإيطالي “جورجيو أغامبين” ما يفسر الأرضية الفكرية لهذه الثقافة، حيث يعتبر دعوة الدولة إلى الحجر الصحي استجابة لنزعة متعاظمة لاستعمال حالة الطوارئ بوصفها نوعا من البراديغم العادي للحكم، وأن إشاعة “مناخ الهلع” يساعد الدولة على استعادة نفوذها الأمني. بالجملة، لقد تَكوّن لدى جزء عريض من المجتمعات الغربية إحساس بأن العولمة تدخلنا اليوم زمن الخوف الذي يرغمنا على تعلم العيش في حالة من عدم اليقين والريبة من ملاقاة الآخرين خشية من العدوى، وهو إحساس ينتقل فيه صراع “البقاء الحضاري” مع عدو إرهابي مرئي إلى عدو مجهول يتناقل عبر أجساد ضحاياه.

(2) نموذج “قيم الطاعة”: يميل إلى الصرامة في احترام قرارات الدولة والانضباط لسلطتها والثقة في قراراتها أيام القر والحرب، وهو ما شاهدناه من انضباط لإجراءات التباعد الاجتماعي والحجر الصحي في عدة دول شرق آسيا والهند، وجزء من الدول العربية وإفريقيا وأمريكا اللاتينية. وقد أدى هذا التمايز إلى تباين في حصيلة الإصابات والوفيات، حيث تمثل حصيلة دول أوروبا الغربية والولايات المتحدة الأمريكية أكثر من ثلاثة أرباع الحصيلة الإجمالية، في الوقت عينه سجلت كوريا الجنوبية وتايوان وسنغافورا (نموذج القيم الأسوية) أرقاما ضعيفة جدا، وقد نجحت في التغلب على عوامل القرب الجغرافي من الصين مهد الوباء.

ماذا عسنا نفهم من هذه الحصيلة؟ هل ما جرى أثناء الأزمة يعني أن مرونة الغرب قد أضرت بشعوبه؟ وبالتالي، هل مستقبل التفكير البشري يوجد هنالك في آسيا، حيث قيم الطاعة تقوي الدولة وتضعف الفرد، تؤمن استمرار المصير المشترك، كما تؤمن الثقة في قدرة المؤسسات على تدبير مخاطر الأزمات الفجائية؟

أعتقد أن كل استعجال في الجواب يجعل تحليلنا ضربا من التخمين الذي يضرب منطلقاته البحثية والعلمية الصرفة. فلقد خبرتنا القرارات التي اتخذت في حالة الهلع في أعقاب الأزمتين الأكثر تأثيرا على الحياة الدولية خلال العقدين الأولين من القرن الواحد والعشرين، أنها خلفت واقعا سياسيا ذي مضاعفات سلبية على مستقبل النموذج الديمقراطي الغربي. فبعد هجومات 11 شتنبر 2001 تأثرت السياسة الخارجية الأمريكية بعمق بسبب الخيارات التي جرى اتخاذها في حالة الذعر، وهو ما أدى إلى حروب طويلة في أفغانستان والعراق خلفت الكثيرة من المآسي التي تضررت صورة الغرب من جرائها، فتحول الإرهاب إلى لعبة كر وفر استطاع فيها اللاعب ضعيف العدة استخدام صدمة الرعب لخلق تأثير غير متناسب على أجندة الخصم. كما أن الأزمة المالية لعام 2008، جلبت ركودا اقتصاديا كبيرا، وأدت إلى صعود نجم الأحزاب الشعبوية في مجموعة من الديمقراطيات الغربية، وعززت مكانة الأنظمة الاستبدادية في العديد من مجموعة من البلدان في أمريكا اللاتينية وإفريقيا وجنوب شرق آسيا والشرق الأوسط، وضمنت للصين موقعا استراتيجيا في خريطة مصالح النظام النيوليبرالي، وهو ما دفع بالكثير من المحللين للتنبؤ بأنها في طريقها لتصبح رائدة الاقتصاد العالمي.

 هل يفهم من كلامك أنك تتفق مع الرأي القائل إن تدبير أزمة كورونا على المستوى العالمي لم يكن موفقا؟

تماما، لقد اتسمت مواقف القوى العظمى المعنية بشكل مباشر بتشكيل قيادة عالمية موحدة لمواجهة انتشار الجائحة، أي الولايات المتحدة الأمريكية والصين الشعبية والاتحاد الأوروبي، بالبطء والتردد والتعتيم وتبادل الاتهامات والانقسام في وقت حاسم في مسار رسم استراتيجية كونية لاحتواء الوباء، وتم تبديد فرصة إرساء قواعد واضحة للتعاون الدولي في مواجهة الوباء تحت لواء منظمة الصحة العالمية والأمم المتحدة. في الجانب الآخر، وبعد تسهيل السلطات الصينية لإجلاء أكثر من 5 ملايين مقيم أجنبي بـ”ووهان” أمكن للفيروس أن يعبر الحدود، وينتشر في ما يناهز 97 في المائة من بلدان المعمور، حتى أصبحنا اليوم، جميعا رهائن لدى عدو يعلمنا في كل لحظة من الحجر الصحي أن علينا “أن نفعل في نطاق معرفة صريحة بعدم معرفتنا”، كما عبر عن ذلك بحكمة “هابرماس”، مادام جميع السياسيين في موقع القراريديرون المرحلة اعتمادا على توصيات خبراء الفيروسات، بالرغم من وعيهم المسبق بقصور الحقيقة العلمية بشأن مستقبل تطور الفيروس وتاريخ التوصل إلى لقاح يخفف من أعباء “مناخ الهلع”.

شارك برأيك