منير أبو المعالي يكتب: بطاقة سوابق – اليوم 24
منير-ابو-المعالي
  • منير-ابو-المعالي

    منير أبو المعالي يكتب.. كشف حساب

  • منير-ابو-المعالي

    منير أبو المعالي: رئيس حكومة برتبة وزير أول

  • منير-ابو-المعالي

    منير أبو المعالي يكتب: «الوالي أغسطس»

الرأي

منير أبو المعالي يكتب: بطاقة سوابق

في ركن مخبأ، تتلوث صحيفة سوابق آلاف من الناس بسبب قانون جرى إقراره بيُسر وسلاسة، سمي قانون الطوارئ، لم يكن في الواقع سوى قانون جنائي قاس. من المؤكد أن أزيد من 80 ألف شخص سيتذكرون جائحة كورونا، لأن سجلهم العدلي سيذكرهم بذلك باستمرار، ولسنوات طويلة. لقد فشلت هذه السياسة العقابية دون شك، والأرقام التي تقدمها المديرية العامة للأمن الوطني، بشكل يومي، كانت غير مجدية في إنتاج أي شعور رادع لدى الناس. ولسوف تتوقف الشرطة عن طرح هذه الأرقام في 28 أبريل الفائت، حيث أحجمت عن الاستمرار في تلك العمليات الاستعراضية المملاة عليها من السلطة القضائية. وحتى أقسام النيابة العامة كانت تتصرف إزاء الموقوفين المقدمين إليها بحذر. فهي في نهاية المطاف، لم تر سببا لاعتقال أولئك الناس، وبالكاد زجت بـ4.75 في المائة منهم في السجن. كان هؤلاء، غالبا، يستحقون ذلك على كل حال، فهم لم يخرقوا قانون الطوارئ فحسب، بل ارتكبوا جنحا وجرائم إضافية. أما أولئك الذين خرقوا حالة الطوارئ فقط، فقد كان قضاة النيابة العامة يفرجون عنهم دون حتى دون أن ينظروا إلى وجوههم. لا شيء بمقدوره أن يوقف الناس عن الخروج، لا السجن ولا غيره. هذه مشكلة عصية على الفهم؛ كيف يكون مقبولا أن تصدر مناشير عن النيابة العامة، كما السلطة القضائية المختصة، تحض على التشدد إزاء مخالفي تدابير قانون الطوارئ، ثم بعدها، تُفرغ الأعمال التنفيذية للشرطة من محتواها. تحولت بلاغات النيابة العامة، في نهاية المطاف، إلى التقليل من شأن عمل الشرطة.

بالطبع، كنا، في بداية الأمر، بين الداعين إلى تغيير «القانون الجنائي لتدابير الطوارئ». لم يكن مستساغا السماح بتوقيف الأشخاص، ووضعهم تحت تدابير الحراسة النظرية، ثم تقديمهم إلى النيابات العامة المختصة، فقط لأنهم ارتكبوا «جريمة غير مغتفرة»، كالسهو عن وضع الكمامة، أو الخروج بعد السادسة مساء بحثا عن سيجارة. لقد وُضع أشخاص بالفعل يومين كاملين في أقبية الشرطة وجريرتهم الوحيدة هي العثور عليهم بالقرب من مساكنهم يحاولون البحث عن سيجارة. لاحقا، أفرجت عنهم النيابة العامة بغرامة بسيطة. لا يحدث هذا في أي مكان آخر. في مدغشقر، مثلا، يفرض على كل من يجري ضبطه دون كمامة القيام بأعمال تنظيف الشوارع. كذلك في إندونيسيا، يُجبر الأشخاص الذين ينتهكون قواعد التباعد الاجتماعي على تنظيف المراحيض العامة. وفي دول أخرى، يجري فرض غرامات في الحين على خرق قواعد حالة الطوارئ.

في المغرب، لم يحدث ذلك، كان رجال السلطة المحصنون بقانون الطوارئ، والمسنودون بمزاج عام مرعوب، يتصرفون وكأنهم «قياد» زمن مضى. أشرطة الفيديو التي توثق عمليات الضرب والتنكيل بالمواطنين الذين ينتهكون قانون الطوارئ كانت فاضحة، فيما كانت الشرطة والقوات المساعدة مجبرتين على سلك الطريق اليسير؛ التوقيف الجماعي للأشخاص. إن وزارة الداخلية، وهي تعرض، بزهو، تطبيقات المراقبة، لم تسمح لرجال تنفيذ القانون، البتة، باللجوء إلى الخيار الأكثر إنسانية في هذه الظروف. في المحصلة الأخيرة؛ لدينا الآن حوالي 60 ألف شخص جرى تلويث سيرهم العدلية.

ماذا حدث بعد كل هذا؟ لا شيء. الصور الملتقطة للناس وهم يغمرون الأسواق والشوارع منتهكين كافة قواعد التباعد الاجتماعي محيرة في حد ذاتها، لكنها تشكل أيضا جوابا عن فشل سياسة العصا الغليظة كما لوحت بها السلطات في وجوه الناس قبل شهرين. إذا كانت للسلطات خطط لتمديد الطوارئ، فإنها، دون شك، يجب ألا تعول على جعل السجون شعارا لتسويقها.

وكما حاولت وزارة الداخلية، باسم الصحة العامة، أن تخلي الشوارع من الناس، حتى يخلو لها الجو وحدها، أرادت الحكومة، كذلك، باسم الإجماع، أن يخلو لها الجو من أي معارضة. لقد تكسرت الثقة على صخرة صماء دحرجها وزير العدل من علٍ، فيما لم يعد للسلطات الحكومية إجماع تستند إليه، وهي تتصرف وكأنها قد سيطرت على الحكم بالقوة.

حدثان على قدر بالغ من الأهمية يوحيان بالطريقة التي تنظر بها السلطات الحكومية إلى ما دونها. لنأخذ، أولا، الطريقة المتبعة لدفع الناس إلى الامتثال لإجراءات قاسية كتمديد الطوارئ. ودعونا نتذكر أن ولاية الرباط قررت، فجأة، قبل يومين، وفي خطوة غريبة، إغلاق العاصمة على نفسها. لم يصدر أي إنذار مبكر أو مسبق، وتُركت الشرطة، فجأة، في مواجهة الآلاف من الناس الذين يحق لهم المرور. وقرار كهذا، في الغالب، يتخذه رب عائلة غاضب وذو مصالح محدودة. لكن، أن يستخدم والٍ سلطات مستمدة من قانون الطوارئ لكي ينفذ إغلاقا يبدو، في نهاية المطاف، غير عملي ودون أي تأثير على تطور الجائحة في مدينته، فهو، دون شك، عمل غير محسوب العواقب. لذلك، من الطبيعي أن تعمل السلطات نفسها لاحقا، في اليوم نفسه، على مراجعة قرارها بالكامل، والسماح للعمال والولاة بصلاحيات واسعة في تدبير حالة الطوارئ في مجالهم الترابي، ستزيد الوضع تعقيدا. بعض العمال كانت قراراتهم اعتباطية، وآخرون كانت إجراءاتهم مثيرة للسخرية. وبعض الولاة كانوا يغيرون قراراتهم تقريبا كل يومين، دون أن يحدث أي تغيير على أرض الواقع. في صمت، وبغتة، كان على الناس أن يغيروا أسلوب حياتهم بشكل يومي، لأن رجل سلطة قدر، وهو في مكتبه، أن قراره سديد. ستفعلها وزارة الداخلية هذه المرة مجددا، مع اقتراب موعد نهاية حالة الطوارئ. إننا نعرف أن قرار رفع أو تمديد الوضع الحالي قرار أمني بشكل جوهري. وبسبب طبيعته هذه، فإن إقراره يجري وفق الطريقة الأمنية التي تداهم بها الشرطة وكر عصابة. لا يُمنح رئيس الحكومة أي صورة مسبقة عما سيحدث، ويترك لحاله، ثم قبل يوم واحد من الموعد المحدد، سيتلو بيانا على النواب، دون أن يخضع لأي تصويت، ويذهب إلى حال سبيله، قبل أن ينشر البيان على حساباته بالشبكات الاجتماعية، مثل أي واحد منا.. القرار النهائي لوزارة الداخلية.

ولأن التعتيم بات صنعة تستوجب الدعاية، فإن لجنة اليقظة الاقتصادية، أو «لجنة صندوق كورونا» تستخدم الأسلوب نفسه. بعيدا عن أي رقابة، ودونما الحاجة إلى أي مصادقة، تتصرف هذه اللجنة في تلك الأموال وكأنها عبارة عن ميراث شخصي لأعضائها. لقد توقفت السلطات عن نشر تطور المساهمات في الصندوق، ولسوف يُطرح لاحقا تساؤل عريض حول ما يجعل الكثير من الأغنياء يحجمون عن التبرع لفائدته. إن الطريقة السرية التي تجري بها إدارة هذا الصندوق، ناهيك عن التسريبات المتتالية بخصوص الوجهات النهائية التي قد تأخذها تلك الأموال، تدفع بمنسوب الثقة إلى أدناه.

إن صواب القوانين، وإعمال الشفافية، والرضوخ لأعمال الرقابة ليست ترفا، حتى وإن كنا في مواجهة جائحة غامضة كهذه. وإذا كان لهذه السلط، التي مُنحت قوة كبيرة بسبب أزمة صحية، قدرة على الاستغناء عن أي رقابة مؤسساتية، فإن للناس القدرة على مراقبتها، وأيضا معاقبتها. لم يعد هنالك مجال للتصفيق المجاني. هذه التفاصيل، وإن بدت لهؤلاء غير جديرة بالاهتمام، فإن سلسلة الوقائع، وهي تتطور، تجعلها معيارا أساسيا لشروط الثقة، وكذلك الإجماع.

إن للسلطات سوابق أيضا.

 

شارك برأيك

مرافعة مواطن

المفردة الصحيحة : “جذاذة” السوابق ، لأان “بطاقة” مفردة سابقة غير دقيقة تم تجاوزها ..

إضافة رد