بلال التليدي يكتب: سيرُوح إدريس كما راح إلياس – اليوم 24

بلال التليدي يكتب: سيرُوح إدريس كما راح إلياس

  • بلال التليدي

    بلال التليدي يكتب: التقليح… وأزمة المجتمع الحقوقي

  • بلال التليدي يكتب: الديمقراطية الأمريكية في أزمة

لا أدري لماذا استعدت اللحظة مقالات في «الاتحاد الاشتراكي»، تهاجمني على خلفية تحليلي للديناميات التي يعرفها الحزب ومستقبلها مع السيد إدريس لشكر. أعيد قراءتها، وأتذكر قصة مقالات كتبتها عن «نهاية البام أم نهاية قيادته»، وكيف تحركت أقلام كثيرة للهجوم عليّ.

ليس مقالي اليوم عن إلياس العماري، فقد سقط، ولم تنفعه المقالات التي حشد لها الكتبة للتهجم عليّ، وليس مقالي عن بعض كتبة إدريس لشكر الذين يؤدون ثمن الارتقاء السياسي، بلغة تسيء إليهم، ويُدخلون إلى ساحة التحليل السياسي، ثقافة الانتقام والكراهية.

سامح الله الجميع، فقد صدق ما توقعت، وتبين أن المؤشرات كانت قوية، وهي اليوم، ليس ديناميات مضمرة، بل مؤشرات معلنة، وصلت حد إعلان الأزمة داخل الاتحاد الاشتراكي، الأزمة التي لن يكون لها مخرج سوى بمقابلة هوية الحزب الديمقراطية بشرعية قيادته.

لن أتكلم عن تصريحات الأستاذة حسناء أبو زيد، ولا عن صيحة الضمير التي أعلن عنها السيد حسن نجمي وبعض رفاقه في المكتب السياسي، ولا عن انتفاضة كتابات جهوية هنا وهناك، فهذا شأن داخلي، وأخاف أن أزعج الأخت حنان رحاب، إن أنا جعلت هذه المعطيات مؤشرات للتحليل، فتتهمني مرة أخرى بحشر أنفي في الشأن الداخلي لحزب الاتحاد الاشتراكي!

سأتحدث عن التحليل التكويني للاتحاد الاشتراكي، التحليل الذي يتأسس على الهوية التي تشكل عليها، ونشأ عليها مناضلوه، والأدبيات التي صنعت اجتماعهم السياسي، والمكابدات التاريخية التي أعطت للتشكيلة الحزبية مضمونها.

في التحليل التكويني، كل الأزمات التي تعرض للأحزاب يمكن بشكل من الأشكال استيعابها، وهي صعوبات تدلل على النمو، يكتمل بها العقل السياسي، وتكتمل آلته النظرية التي تسعفه للتعامل مع أزمات أخرى أشد. باستعارة لغة «بياجيه»، فالشعور بالصعوبة اتجاه الأزمات لا يعني توقف نمو العقل السياسي، بقدر ما يعني الحاجة إلى براديغم جديد يساعد على الخروج من المأزق.

للأسف، أزمة الاتحاد اليوم، ليست من هذا النوع، الذي يلعب فيه البراديغم الجديد دور الاستيعاب والتجاوز، لسبب بسيط لأنها ترتبط بالانحراف عن أصل التكوين.

الاتحاد مدرسة تطورت عبر الزمن، أسس مفرداتها الشهيد المهدي بنبركة في اختياره الثوري، ورسم التقرير الإيديولوجي للمؤتمر الاستثنائي تحولاتها، واكتملت التحولات أكثر مع المرحوم عبدالرحيم بوعبيد بالانعطاف نحو الديمقراطية.

الدمقرطة والحريات والعدالة الاجتماعية هي العقيدة المتبقية التي تجمع قوى اليسار في العالم، وهي التكوين والهوية والوجود، ولم يحدث إلى اليوم أي اجتهاد فكري أو سياسي داخل منظومات اليسار يراجع هذه العقيدة أو يبررالتحول عنها.

الفهلوة وشطارة المحاماة تنفع في التكتيكات السياسية، وفي اللعب تحت الطاولة، لكنها أبدا لا تنفع حين يكون الاختيار في العلن بين الدمقرطة، وبين أداء ثمن الارتقاء السياسي.

نجحت الشطارة والفهلوة لحظة المناورة بـ»الجبهة الواسعة للدفاع عن الديمقراطية»، ونفعت، أيضا، لحظة مفاوضة الدولة بالتحالف مع الإسلاميين، لكن مقاصدها المتضائلة، جعلت أول ثمن صغير تتم حيازته، ينعكس على صورة الحزب بالانحراف عن عقيدة اليسار.

ثمة فرق كبير بين الشطارة والفهلوة حين تتم في سياق فردي، وبين أن يكون صاحب المصالح الصغيرة مضطرا أن يبرر مكاسبه التي تفاوض عليها، بعقيدة حزبه الديمقراطية وانحيازه للقوى الشعبية.

يصلح الكتبة شهرا، أو سنة أو سنتين، للقيام بوظيفة الإيديولوجيا، كما شرحها العروي في كتابه، أن يقنعوا مناضلي الحزب، والرأي العام، أن القائد الملهم يخدم مواقع الحزب السياسية والانتخابية، وأن الأعداء يتربصون الدوائر بالحزب، وأن تاريخ الحزب النضالي… والسجون… والمعتقلات… والنوسطالجيا الطويلة العريضة المؤلمة الحزينة تؤكد أن الحزب ينتصر في الأخير على أعدائه وأعداء الوطن….

 لكن، في النهاية، حين تظهر المؤشرات على أرض الواقع، وحين ينتفض الذين لم يستطع الكتبة أن يقنعوهم، وحين يرى الناس أن الاتحاد مع شاطر الشطّار، قد أتى على الميثاق فمزقه شر ممزق، حتى الكتبة يرتدون، لأنهم يبدؤون في تحسس مواقعهم الجديدة.

ما غاب عن شطارة المحامي، وفهلوة السياسي، أن قضية الحرية والديمقراطية والخبز والعدالة الاجتماعية، مما يشكل هوية القوى الإصلاحية، وضمنها وفي مقدمتها اليسار، يفهم البسطاء بواقعهم اليومي تقدمها وتراجعها، ويعرفون الساعي وراءها، والذي يتاجر على ظهرها.

أختم مقالتي موجها النداء للكتبة، وأقول لهم: تحسسوا مواقعكم جيدا، فإدريس سيروح كما راح إلياس، لكن القيادة، في ظل التحولات التي أحدثها إدريس في بنية الحزب التنظيمية، وتوغل يد القابلة فيها، لا تترك لكم مجالا واسعا للمناورة.

 أنصحكم ألا تغامروا، تريثوا حتى تظهر الرؤوس وتفرز، ويتضح اتجاه الموجة، ثم بعد ذلك اختاروا مواقعكم. ومن الآن، جددوا قصائد المديح في القائد الهمام، والويل والثبور لأصحاب الرأي الذين يضعون تحولات الاتحاد في دائرة الرصد والتحليل.

شارك برأيك

SAMIR

أروع تحليل لمأل الإتحاد مع بولحناك و الدي حوله لملحقة أخنوش……

إضافة رد
farid

رؤية استباقية لها ما يبررها من معطيات موضوعية. للأسف كثير من الأقلام التي من المفترض فيها النزاهة والعدالة والموضوعية تحولت إلى أرانب سباق فهذا أبوه بوق وذاك أمه إذاعة … فلا ضير إن هرفوا ولو بالإشاعة فلحظة الساعة لحظة رهان والنفس تواقة طماعة، إن خسر الولي الزعيم شيخ الزاوية حولوه إلى شماعة
إن أخطر ما في السياسة هو استغباء الشعوب، ولو أن الشعوب تقاد وتساس وتُحكم… لكن حبل الكذب السياسي صار أقصر مما كان فعلى قدر كذب الأحزاب ستكون ردة الشعب تصويتا وامتناعا، وعلى قدر جسامة الكذب سيكتب للحزب الاستمرار أو الاندثار. وتاريخ أحزابنا يعج بالكذب ولا يزال السياسي فينا ورجل السلطة تحكمه ثقافة مفادها على قدر كذبك ترقى مرتبتك السياسية. متى ستنضبط السياسة للأخلاق والقيم والذوق العام … فن الممكن مستحيل ترك حابله على الغارب وتمييعه بشكل صبياني وغير مسؤول داخل كل الدكاكين السياسية جريمة أولى نتائجها استجداء الساسة للشباب من أجل المشاركة في الحياة السياسية واستعطاف المرأة من أجل مشاركة صورية في غالبها مع استثناءات نادرة… عفوا يعف الشعب، ارتقوا بأدائكم تروا من مواطنيكم عجبا، أخلصوا وطهروا أنفسكم فلا نجد برلمانيا “يجمع” الحلوى والبراد ولا وزيرا يدافع عن تجاوزات ابنه في خرقه للقانون ولا نرى تفويتا لصفقات لجهة لا تستحق فقط لقربها من ماء عين المسؤول، ولا نرى برلمانا يرأسه من يدافع عن تقاعد لا يستحقه وفي نفس الآن يصوت على قانون يكبل المأجورين ممن أفنوا حياتهم في عملهم، …

إضافة رد