منير أبو المعالي يكتب: التكنوقراط يحكمون باسم العثماني – اليوم 24
منير ابو المعالي
  • منير ابو المعالي

    منير أبو المعالي يكتب: أخرجوا الملفات

  • منير-ابو-المعالي

    منير أبو المعالي يكتب.. كشف حساب

  • منير-ابو-المعالي

    منير أبو المعالي: رئيس حكومة برتبة وزير أول

الرأي

منير أبو المعالي يكتب: التكنوقراط يحكمون باسم العثماني

الاختيار الديمقراطي متعب، وكما قد يكون مخادعا، كذلك، ربما يكون أخرقَ، وغير فعال في كثير من الأحيان. وإذا نظرناإلى الوراء، فإننا بالكاد نعثر على أمجاد في الماضي. هذا الوضع المؤسف هو ما أصبحنا نحن عليه. كُتبت مثل هذهالكلمات في كل مكان، ولقد شكلت شاهد قبر للديمقراطية. لكن، كما قيل أيضا، إذا كنا قد قمنا ببناء نظام الاختيارالديمقراطي، فإنه بإمكاننا أيضا تغييره. فلماذا لا نعوضه بشيء أفضل؟ التكنوقراط مثلا.

باختصار، هذه هي العناصر الرئيسة في الدعوى السياسية الجديدة للسيد أحمد الشرعي، العامل في مجال الضغطThe lobbying، وقد تزايدت، بشكل غريب، أهمية آرائه التي ينشرها بانتظام على صفحات وسائل إعلام يملكها.

في حوالي 350 كلمة فحسب، أطلق الرجل، الذي ينظر إليه عادة بصفته واجهة لمراكز نفوذ رسمية، تحذيرا من تركالحكومة تواصل خطط إنقاذ الاقتصاد بعد جائحة كوفيد-19. وقد طلب من الأحزاب السياسية باستعلاء أن تنصرف إلىحال سبيلها، وتستعد لانتخابات ستجرى عام 2022، بعد أن يتولى التقنوقراط وحدهم زمام الأمور عامين كاملين. كانتهذه الدعوى، كذلك، تعديلا جوهريا لتسديدة رمى بها سياسيون قبله حول ضرورة تشكيل حكومة ائتلاف وطني يستأسدفيها السياسيون.

وعلى نحو ظاهري، فإن دعوى السيد الشرعي ينقصها التأصيل الدستوري، كما تعوزها الرجاحة السياسية. لكنها، وقدصدرت عن شخص مثير للريبة كالشرعي، فقد كان من الضروري على السياسيين أن يهاجموا الفكرة والشخص الذيصدرت عنه على كل حال. ولاحقا، كتبت صحيفته أن الوسيلة الملائمة لتطبيق رؤيته، هي أن يستقيل رئيس الحكومة منمنصبه، ويعين الملك بدلا عنه شخصية محايدة بوزراء تقنوقراط.

في كتاب «نهاية الديمقراطية»، لعالم السياسة دايفيد رانيسمان، تجسيد لقلق الأشخاص الراغبين في ظهور نتائجأفضل وهم يجادلون حول الإمكانات الهائلة التي سوف تتاح لنا إن أعطينا وزنا أكبر لوجهات نظر الأشخاص المؤهلينلتقييم ما يجب فعله.

وليس هناك أفضل من المقارنات؛ في نونبر 2011، جرى تعليق الديمقراطية اليونانية واستُعيض عن حكومة منتخبةبمجلس خبراء Cabinet of experts، مكلف بتحقيق استقرار الاقتصاد اليوناني المنهار قبل إجراء انتخابات جديدة. يقول رانيسمان: «كانت هذه تجربة للتكنوقراط.. وكان المهندسون في هذه الحالة من الاقتصاديين. لكن حتىالاقتصاديين المؤهلين تأهيلا عاليا، في كثير من الأحيان، ليست لديهم فكرة عما هو الأفضل للقيام به. ما يعرفونه هو كيفيةتشغيل نظام معقد كان لهم دور فعال في بنائه، طالما أنه يتصرف بالطريقة التي حُددت له. التكنوقراط هم الأشخاصالذين يفهمون ما هو الأفضل للآلة. لكن إبقاء الآلة تعمل قد يكون أسوأ شيء يمكننا القيام به. التكنوقراط لن يساعدوا فيالجواب عن هذا السؤال». وعندما بحثت اليونان عن خبراء اقتصاديين لإيجاد مخرج من الفوضى المالية، توجهت إلىمؤسسة «غولدمان ساكس والبنوك الكبيرة الأخرى، حيث يتجمع هناك التقنيون ذوو المهارات العالية. بعبارة أخرى،عندما تتعطل الماكينة، فـ«إن الأشخاص المسؤولين عن إصلاحها غالبًا ما تكون بصمات أصابعهم فوقها».

وعلى كل حال، فإن فكرتي ليست أن نشحذ السكاكين في مواجهة التقنوقراط. وكما يشرح رانيسمان نفسه، فإن لكل منالديمقراطية التمثيلية والسلطوية البراغماتية مساحة كبيرة للتقنوقراطية. وعلى نحو متزايد، يضع كل نظام صنع القرارفي أيدي خبراء مدربين بشكل خاص، خاصة عندما يتعلق الأمر بالمسائل الاقتصادية. ويتمتع المصرفيون المركزيون بقوةكبيرة في مجموعة متنوعة من الأنظمة السياسية حول العالم.

لكن يتعين أن توضع حدود لذلك؛ «إن التقنوقراطية ليست في الحقيقة بديلاً للديمقراطية، بل هي مثل الشعبوية، تشكلعنصرا إضافيا فحسب»، حسب رانيسمان. وبخلاف مجموعات أخرى تعطي الأولوية للقرار «الصحيح» على القرارالصحيح تقنياً، أي تحاول أن تحدد أين يجب أن نذهب، فإن التكنوقراط يمكنهم أن يخبرونا فقط كيف يجب أن نصل إلىهناك.

ومع ذلك، وبمثل الفكرة التي عبر عنها السيد الشرعي، يصبح للتكنوقراط تعريف نقيض للديمقراطية، حيث لا يطرحالتساؤل عما سيفعله هؤلاء بالضبط، أو ما إن كان من صلاحياتهم أن يحددوا لنا شكل الاقتصاد الذي نريده. بشكل ما،فقد منحهم شيكا على بياض، بوصفهم «خبراء منقذين»، تقريبا بالطريقة نفسها كما ينتقدهم ألان دونو في «نظامالتفاهة». لقد حولهم إلى شكل من مجالس الأعيان للتغطية على أعمال بارزة في التدليس كانت بصماتهم موجودة عليهاكذلك.

التكنوقراط لا يظهرون إلا بهذه الطريقة. خلال أزمة منطقة اليورو، جرى تعيين حكومات تكنوقراطية في العديد من دولالاتحاد الأوروبي، وكان ذلك في نظر الكثيرينبمن فيهم من هم حولناتجسيدا للعجز الديمقراطي. لكن، وكما كشفتذلك دراسة أجرتها سليفيا ميرلير، وهي رئيسة باحثين في معهد جون هوبكينز، ونشرت دراستها جامعة كامبردجبريطانيا، فقد كان واضحا أن الأفكار الملقاة على قارعة الطريق بخصوص التقنوقراط لا تستند إلى رأي علمي حصيف. وفي سياق الأزمة الإيطالية لعام 2011، وقد أدت إلى تعيين حكومة تكنوقراط، تبين أن تأثير تعيين التكنوقراط في رضاالمواطنين عن الديمقراطية ليس بأمر مؤكد، أي أنه من المجانب للحصافة العلمية المجازفة بالقول إن الناس يميلون أكثرإلى التخلص من عبء السياسيين وهم يطمحون إلى تحسين حياتهم عقب الأزمات. وترى ميرلير أن مواقف المواطنين تجاهالتكنوقراط أكثر تعقيدا مما يفترض في كثير من الأحيان في النقاش. لا يمكن القبول بالتبسيط إذن.

وبين أزمة اليورو قبل تسع سنوات، وبين جائحة كوفيد-19، تغيرت على ما يبدو بعض الأشياء. الخوف من الموت مرمياومهملا، في عنبر مشفى تنقصه الجهوزية، بات يكلف أكثر في ما يخص الرأي السياسي. في 9 أبريل الفائت، نشرأربعة باحثين نتائج بحث بعنوان: «الجائحة في مواجهة الديمقراطية»، حول انعكاسات أزمة كوفيد-19 على إسبانيا. لقد ظهر أن المواطنين الذين يمتلكون وعيا سياسيا، مازالوا عصيين على القبول بإضعاف الاختيار الديمقراطي، وتسليمالسلطة إلى التكنوقراط، لكن تبين أن أغلب الناس الأكثر هشاشة إزاء المتاعب التي سببتها الجائحة، يميلون أكثر فأكثرإلى القبول بحكم التكنوقراط، بل وأيضا بحكم أكثر سلطوية؛ وهم أنفسهم الأشخاص الموافقون على وضع حدود للحرياتالفردية.

لم تُطرح بعد هذه الأسئلة بأي شكل من الأشكال على المواطنين في المغرب. لكن سمعة المدبر السياسي تسبقه على كلحال، ويمكنك تخمين ما قد تحصل عليه إن سألت الناس عما يفضلون بهذا الخصوص. غير أن الواقع المغربي مختلفأيضا دون أن يكون عصيا على الفهم. إن التكنوقراط كانوا دوما طرفا رئيسا في الحكومات طيلة نصف قرن، وحتى هذهالحكومة أيضا. وليس مفاجئا، إن جرى القبول بمنح التكنوقراط سلطة مطلقة، أن يُجمع هؤلاء مجددا في مجلس حكوميواحد. إن القضية ليست ما إن كان السياسيون قد فشلوا في تدبير جائحة كوفيد-19، وإنما هي إن كانوا هم بالفعل منيختار كيف سنذهب أو في أي وجهة سنذهب. تبدو لي المشكلة واضحة: إن التكنوقراط لا يخضعون سوى لمحاسبة خفيفةمن البرلمان، ومصائرهم عادة ما تُحدد في مكان أبعد من مجلس حكومي أو برلمان. وهذه من الحقائق السياسية التيليست في حاجة إلى برهان. وفي الواقع، فإن الاستراتيجيات، كما خططت إدارة الأزمات في المغرب، لا تمنح للسياسيينلصياغتها، وبالكاد تُعطاهم فرصة لتنفيذها.

في المحصلة الأخيرة، إن كان يجب فعل شيء، ربما سيكون على رئيس الحكومة أن يشكل هو بنفسه، أو يُسمح له بذلكعلى الأقل، حكومة تكنوقراط أكثر توسعا. في بعض الأحيان، تشعر بأنك مجبر على القبول بأن تمسك العصا من الوسط. ولسوف تكون هذه الصيغة، رغم كل شيء، أقل إضرارا بمكتسبات الاختيار الديمقراطي لبلد يحبو ببطء نحو تشكيل قناعةتامة بجدوى الديمقراطية نفسها.

شارك برأيك