يونس الخراشي يكتب: ساعة الصفر.. – اليوم 24
يونس الخراشي
  • يونس الخراشي

    يونس الخراشي يكتب: المتخلى عنهم

  • يونس الخراشي

    يونس خراشي يكتب: الحضيض سماؤنا

  • يونس الخراشي

    يونس الخراشي يكتب: نشوء بلا ارتقاء

الرأي

يونس الخراشي يكتب: ساعة الصفر..

لم يكن لألمانيا أي تاريخ كروي عالمي عريق قبل سنة 1954. وهو تاريخ الفوز بأول لقب لكأس العالم في مسار “المانشافت”. وحين فازت بكأس جيل ريمي، قوبل فوزها بامتعاض أوروبي كبير. فقد كان ذلك إشارة إلى صعود رياضي وصناعي، وسياسي كبير، لقوة عسكرية قاهرة آلمت الكثيرين قبل سنوات، وقُهرت أيضا.

ومن مكر الصدف والتاريخ أن ألمانيا عادت من “الحرب على جائحة كورونا” عبر كرة القدم. فقد تكفلت المستشارة الألمانية، أنجيلا ميركل، بإعطاء صافرة الانطلاقة للبوندسليغا. وقالت للعالم، بطريقة غير مباشرة، إنها انتصرت، رسميا، على الفيروس القاتل. وإذ بالأوروبيين، بالذات، يغارون. وإذ بالعالم يصبح جمهورا في ملاعب ألمانيا.

في أعقاب الفوز بكأس العالم لسنة 1954، على حساب المجر، كتبت صحيفة زود دويتشه تسايتونج: «نصر عظيم، يوم عظيم، لكنها مجرد لعبة». وكان واضحا بأن هناك محاولات رسمية للتقليل من قيمة الفوز، وحصره في سياقه الرياضي. فلا مجال للخطأ، وألمانيا تحتاج إلى جيرانها كي تستعيد مكانتها. وقوتها تسعفها بذلك.

وتذكرنا مجلة “هيستوري توداي” بالوضع حينها، وتقول:”في الوقت الذي كان فيه الاقتصاد البريطاني ما زال في حالة من الركود، كان من المتوقع أن يزيد الإنتاج الصناعي لألمانيا الغربية بنحو 11 في المائة ذلك العام، وتزيد صادراتها زيادة ضخمة تقدر بنحو 20 في المائة. يمكن تلخيص المشاعر البريطانية العامة في العبارة التالية: «لقد فُزْنا بالحرب ووَقَينا الألمان من التضوُّر جوعًا في نهاية الحرب؛ ومع هذا أصبحوا الآن أفضل منا حالًا».

واليوم، وقد خرجت ألمانيا من الجائحة بتفوق. فالتنبؤات تشير إلى أن اقتصادها سيتعافى بسرعة أكبر من غيره. فنسبة الإصابات بالفيروس كانت أقل، ونسبة الوفيات كانت أيضا أقل. وزمن التغلب على الجائحة كان أقصر. هذا في الوقت الذي عانى الجيران كثيرا، سيما الإيطاليون والفرنسيون والإنجليز. وها هم يحاولون العودة، مثلها، إلى ميادين الكرة. ويقولونها بنوع من الإحساس بالضعف، إن البوندسليغا تعد نموذجا يحتذى.

لسنا هنا نريد البحث عن الأسباب الثاوية وراء العودة القوية للألمان من الكبوات، على أهميتها. فما يهمنا هو القيمة التي تُعطى لكرة القدم، والرياضة عموما، في تسويق تلك العودة بالذات. ويتعين هنا الإشارة إلى أن الألمان لم يدركوا انتصارا واحدا فقط سنة 1954، بل اثنين. الأول هو الذي تحدثنا عنه، ويتصل بكأس العالم لكرة القدم، والثاني أدركته “شركة تصنيع السيارات الألمانية مرسيدس بنز” بفوزها بالمركزين الأول والثاني في سباق الجائزة الكبرى الفرنسي.

كرة القدم، والرياضة عموما، استخدما، طويلا، للتعبير عن حيوية ونشاط الدول. ورغم أن الأمر يتعلق بعدد محدود من اللاعبين يركضون خلف كرة، ويواجهون عددا مثيلا من فريق آخر، إلا أن الأمر يتجاوز رقعة الملعب باستمرار. ليؤكد به المنتصر أنه يمتلك خلفية أهلته للفوز والتفوق. وفي الحالات الاستثنائية التي يفوز فيها أولئك الذين لا يملكون الأهلية غير الرياضية، يحدث أن يصبح المبرر رياضيا. والنموذج البرازيلي كان حاضرا لمرات، إذ يكتفي المحللون بالقول إن “الصامبا” سحروا العالم بلعبهم الرائع.

ومثلما ربطت مجلة “هيستوري توداي” بين فوز ألمانيا بكأس العالم لسنة 2014 بالبرازيل والفوز بمونديال 1954، لتؤكد قوة الألمان الاقتصادية بالخصوص، وكيف أن كرة القدم منحتها الوسيلة كي تبرز قوتها للعالم، فسيكتب بعد سنين طويلة بأنها تفوقت على جائحة كورونا بإبهار، وسرعان ما عادت بطولتها القوية إلى اللمعان، حتى أدركت رقميا قياسيا عالميا في المتابعة التلفزيونية.

سيقال، حينها، إن مستشفيات كثيرة في ألمانيا بقيت فارغة بفعل التمكن من محاصرة الفيروس. وسيقال أيضا إن الألمان استقبلوا مرضى أوروبيين في وضعيات محرجة، للمساعدة في التخفيف من أعباء الجيران. وسيقال إن الألمان بلغوا بفعالية ونجاعة وسرعة ما عجز عنه الإيطاليون والفرنسيون والإنجليز، بفعل نباهتهم، واختيارهم الصائب، وتحضر الشعب، والجاهزية الفائقة للبنيات الصحية والاجتماعية.

بالرجوع إلى التاريخ دائما، فالدوري الألماني لم ينطلق رسميا سوى في سنة 1963. ومع ذلك، فقد فاز الألمان بكأس العالم أربع مرات، وبالوصافة أربع مرات، وبالمركز الثالث أربع مرات كذلك، مثلما فازوا بكأس أوروبا ثلاث مرات، وبالوصافة ثلاث مرات، وبلغوا نصف النهائي ثلاث مرات أيضا. أكثر من ذلك، فقد فاز منتخب ألمانيا للسيدات بكأس العالم مرتين. وهذا يدل على أهلية مبهرة جدا، لا يملكها الفرنسيون الذين نعول عليهم باستمرار كي يطوروا أداءنا الكروي.

لنختم بالتاريخ أيضا. ففي سنة 1970، التقى المنتخب الألماني بنظيره المغربي في واحدة من المباريات التاريخية المثيرة. كان المغاربة أول من أحرز الهدف. غير أن الألمان هم من سيفوزون في نهاية المطاف بهدفين لواحد. ويختزل ذلك علاقة المغرب وألمانيا باللعبة الأكثر شعبية. فبينما كان العربي بنمبارك يصول ويجول في أوروبا سنوات الأربعينات باعتباره نجما خارقا، لم يكن للألمان لاعبون بارعون يشبهونه. ومع ذلك، فألمانيا فازت بالألقاب الكبيرة، فيما احتاج المغرب إلى سنوات طويلة كي يظفر بلقب إفريقي يتيم سنة 1976.

أي نعم، لقد نجحنا إلى حد كبير في التعاطي مع جائحة كورونا. ولكن، أين هي الرياضة لكي تسوق لنا هذا الانتصار؟ أنصحكم بقراءة الدراسة التي أنجزها المجلس الاجتماعي والاقتصادي والبيئي عن رياضتنا لتحصلوا على الجواب، وتعرفوا بالضبط معنى ساعة الصفر.

 

 

شارك برأيك

كوسكوس

و هل في ألمانيا يطبخون الملفات للصحفيين و يرسلونهم للسجن و يحولوا المطالبين بحقوق أساسية من صحة و تعليم و شغل لانفصاليين؟. مهما فعلت الدولة ليكون الماكياج في مستوى العروسة البشعة، فبدون حقوق و لا ديمقراطية حقيقية، فلا تتكلم عن ساعة الصفر، لأننا نساوي صفر.

إضافة رد
عبدالله بن مسعود

هو قالها أيها الأخ كوسكوس في بداية النص:
“لسنا هنا نريد البحث عن الأسباب الثاوية وراء العودة القوية للألمان من الكبوات،”
فكبواتنا ستتوالى ما دامت الأسباب ولايمكن لمجتمع يسري فيه الفساد أن يحقق عودة حقيقية راسخة
ورغم ذلك فالأمل في الأجيال الصاعدة
عبدالله بن مسعود

إضافة رد
عبدالله بن مسعود

للأخ كوسكوس
قالها الأستاد في نصه: “يونس الخراشي يكتب: ساعة الصفر..

2020-05-30 18:00
تعليق 1

لم يكن لألمانيا أي تاريخ كروي عالمي عريق قبل سنة 1954. وهو تاريخ الفوز بأول لقب لكأس العالم في مسار “المانشافت”. وحين فازت بكأس جيل ريمي، قوبل فوزها بامتعاض أوروبي كبير. فقد كان ذلك إشارة إلى صعود رياضي وصناعي، وسياسي كبير، لقوة عسكرية قاهرة آلمت الكثيرين قبل سنوات، وقُهرت أيضا.

ومن مكر الصدف والتاريخ أن ألمانيا عادت من “الحرب على جائحة كورونا” عبر كرة القدم. فقد تكفلت المستشارة الألمانية، أنجيلا ميركل، بإعطاء صافرة الانطلاقة للبوندسليغا. وقالت للعالم، بطريقة غير مباشرة، إنها انتصرت، رسميا، على الفيروس القاتل. وإذ بالأوروبيين، بالذات، يغارون. وإذ بالعالم يصبح جمهورا في ملاعب ألمانيا.

في أعقاب الفوز بكأس العالم لسنة 1954، على حساب المجر، كتبت صحيفة زود دويتشه تسايتونج: «نصر عظيم، يوم عظيم، لكنها مجرد لعبة». وكان واضحا بأن هناك محاولات رسمية للتقليل من قيمة الفوز، وحصره في سياقه الرياضي. فلا مجال للخطأ، وألمانيا تحتاج إلى جيرانها كي تستعيد مكانتها. وقوتها تسعفها بذلك.

وتذكرنا مجلة “هيستوري توداي” بالوضع حينها، وتقول:”في الوقت الذي كان فيه الاقتصاد البريطاني ما زال في حالة من الركود، كان من المتوقع أن يزيد الإنتاج الصناعي لألمانيا الغربية بنحو 11 في المائة ذلك العام، وتزيد صادراتها زيادة ضخمة تقدر بنحو 20 في المائة. يمكن تلخيص المشاعر البريطانية العامة في العبارة التالية: «لقد فُزْنا بالحرب ووَقَينا الألمان من التضوُّر جوعًا في نهاية الحرب؛ ومع هذا أصبحوا الآن أفضل منا حالًا».

واليوم، وقد خرجت ألمانيا من الجائحة بتفوق. فالتنبؤات تشير إلى أن اقتصادها سيتعافى بسرعة أكبر من غيره. فنسبة الإصابات بالفيروس كانت أقل، ونسبة الوفيات كانت أيضا أقل. وزمن التغلب على الجائحة كان أقصر. هذا في الوقت الذي عانى الجيران كثيرا، سيما الإيطاليون والفرنسيون والإنجليز. وها هم يحاولون العودة، مثلها، إلى ميادين الكرة. ويقولونها بنوع من الإحساس بالضعف، إن البوندسليغا تعد نموذجا يحتذى.

لسنا هنا نريد البحث عن الأسباب الثاوية وراء العودة القوية للألمان من الكبوات، على أهميتها. فما يهمنا هو القيمة التي تُعطى لكرة القدم،”
فأكيدا الأستاد واع بكبواتنا المتتالية وأسبابها
ورغم كل شيء فالأمل معقود في الأجيال الصاعدة

إضافة رد