عبد الحق بلشكر يكتب: دروس من سيرة عبد الرحمان اليوسفي – اليوم 24
عبد الحق بلشكر
  • safi_-_ocp

    قدّمتها شركة أمريكية ضد OCP.. شكاية تهدد الصادرات المغربية من الفوسفاط نحو أمريكا

  • الحكومة

    هل يقدم المغرب على خيار المنع؟.. «مهلة جديدة» لـ«أمنيستي» قبل اللجوء إلى حلول «سياسية وقانونية»

  • الطالبي العلمي

    موقع إلكتروني بربع مليار.. صفقة فاسدة أم تصفية حسابات؟

الرأي

عبد الحق بلشكر يكتب: دروس من سيرة عبد الرحمان اليوسفي

بعد حياة سياسية حافلة، غادرنا عبد الرحمان اليوسفي إلى دار البقاء يوم الجمعة 29 ماي 2020. مرت جنازته فيصمت بسبب جائحة كورونا، ما منع عددا من محبيه من إلقاء آخر نظرة على نعشه. رجل مقاوم ومناضل وسياسي محنكمارس السياسة بأخلاق عالية طيلة حياته التي امتدت إلى 96 عاما. قضى اليوسفي 32 عاما من حياته في ظلالاستعمار، فانخرط منذ حداثة سنه في العمل الوطني، وقاد المقاومة، وجلب السلاح، وأطر العمال في معامل السكروالصابون والإسمنت في الدار البيضاء، وعاش 15 سنة أخرى في المنفى، بعد الأحداث التي شهدها المغرب بعدالاستقلال إثر اغتيال المهدي بنبركة في باريس سنة 1965، وحملة الاعتقالات التي عاشها الاتحاد الوطني للقواتالشعبية، ولم يعد إلى المغرب إلا في 1980، ليواصل مسيرته السياسية إلى جانب رفيقه عبد الرحيم بوعبيد.

ورغم الهزات التي اضطرته إلى الابتعاد احتجاجا، كما حدث خلال تزوير انتخابات 1993، ومغادرته إلى فرنسا، فإن أهم تتويج لهكان هو قيادته التناوب التوافقي ما بين 1998 و2002، وإسهامه الأساسي في انتقال سلس للعرش من الملك الحسن الثاني إلى الملك محمد السادس، ودوره في إخراج البلاد من حالة السكتة القلبية بسبب تدهور الأوضاع الاقتصادية،ودفاعه عن تعزيز حقوق الإنسان والديمقراطية، رغم اعترافه في محاضرة بروكسيل بأن التناوب لم يفض إلى ما كانيتمناه، وهو تحقيق الانتقال إلى الديمقراطية. بعد هذه الفترة، اعتزل اليوسفي العمل الحزبي منذ 2002 إلى وفاته، أيطيلة 18 سنة.

كان يراقب عن كثب تطورات الأوضاع بصمت، ويبدي عدم ارتياحه إلى أوضاع الحياة السياسية، إلا أنهبقي بعيدا عن الجدل، واختار أن يكون شخصية وطنية بعيدة عن التراشقات.. شخصية حاضرة برمزيتها، وجرى تكريمهوإعطاؤه المكانة التي يستحقها، ووفر له القصر الرعاية اللازمة مع تقدمه في السن. ومن اللحظات النادرة التي أخرجتاليوسفي من صمته، أحداث الربيع العربي في التي تفاعل معها عاطفيا قائلا: «لقد هزتني رياح الربيع العربي، ولكنيلم أفاجأ بها، كنت أخمّن دائماً أن الشعوب العربية ستصحو قريباً لتأخذ مصيرها بيدها»، بل إنه قال: «كأني أنتظره منذزمن بعيد، وأنا الذي قضيت عمري في العمل السياسي، وجربت المعارضة والحكم، وعشت زمناً طويلاً في المنفى». فماأحوج الأجيال الحالية إلى الاطلاع على مسار حياة هذا الرجل لاستخلاص الدروس حول معنى العمل السياسيالوطني، ومعنى تحدي الصعاب.

يكفي أن نعرف أنه فقد والده مبكرا سنة 1937 بعد سنة من حصوله على الشهادةالابتدائية في 1936، وكان عليه أن ينفصل في هذه السن عن أمه في طنجة ويتجه إلى مراكش ليكمل تعليمه، ويقطن فيداخلية المدرسة، قبل أن يعود إلى مدرسة مولاي يوسف لاستكمال تعليمه. توفي شقيقاه مبكرا، أحدهما اختطفهالاستعمار الإسباني، وبقي مجهول المصير، وأثرت تلك الأحداث في نفسيته. ورغم ذلك، تحدى الصعاب، وعاش وسطالأصدقاء والمناضلين الذين عوضوه عن أسرته، فعندما طُرد من داخلية مدرسة مولاي يوسف بعد مشاركته في مظاهرة،سيجد نفسه مشردا، فاحتضنته، رفقة بقية التلاميذ، العائلات الرباطية الوطنية، وأطره المهدي بنبركة الذي كان دليلهللانخراط في حزب الاستقلال في 1943. وبعدما فقد المأوى في الرباط، استضافه صديق بآسفي، وقطن حينا معأصدقاء في الجديدة، قبل أن يستقر به المقام في الدار البيضاء التي عاش فيها معظم حياته، وفيها بدأ نشاطه في تأطيرالعمال، وتعرف على مناضلي حزب الاستقلال وخلايا المقاومة، واشتغل في التدريس في مدرسة خاصة، وتمكن من ولوجالمعامل بذريعة محو أمية العمال، لكنه في الواقع كان يسهم في تأطيرهم سياسيا ضد الاستعمار.

ومرة أخرى سيكون لأصدقائه دور في نصحه باستكمال دراسته في باريس في أواخر الأربعينات لتعزيز تكوينه، ولم تكنحياته هناك في بدايتها سهلة. يروي في مذكراته، التي أعدها صديقه عباس بودرقة، أنه لم يكن يتوفر على سكن قار فيباريس، بل كان يبيت مع أصدقاء له يشتغلون في الليل وينامون في النهار، فكانوا يوفرون له غرفة للنوم فيها، وتعرضهناك للتوقيف والاستنطاق بدعوى أنه معادٍ لفرنسا، ونفي إلى مدينة بواتيي التي أقام فيها، وتمكن من نيل شهادةالإجازة فيها، ليبدأ مسارا جديدا قاده إلى ما وصل إليه. إنه، باختصار، مسار حياة مليئة بالتحديات والإنجازات، جديرباستخلاص الدروس لفهم معنى العمل السياسي بمعناه النبيل.. رحم الله عبد الرحمان اليوسفي وأدخله فسيح جناته.

شارك برأيك