محمد جليد يكتب: صناعات قتل الثقافة! – اليوم 24
محمد جليد
  • محمد جليد

    محمد جليد يكتب: الثقافة بين نمطين في التدبير!

  • إبراهيم إبراش

    إبراش: غالبية المطبعين المغاربة هم من المثقفين والفنانين الذين لا وزن لهم- حوار

  • محمد جليد

    محمد جليد يكتب: الملكية بين عيد التذكار وعيد العرش!

الرأي

محمد جليد يكتب: صناعات قتل الثقافة!

ترى، لمَ يجتمع مسؤولو وزارة الثقافة، في سرية تامة بالدار البيضاء، مع فدرالية الصناعات الثقافية؟ ولماذا في الدار البيضاء، وليس في مقر وزارة الثقافة بالعاصمة؟ وما هي أهداف هذه الاجتماعات التي تكررت مرتين في ظرف أسبوعين؟ وبما أننا لاحظنا أن الوزارة لم تصدر، على غير عادتها، أي بلاغ في موضوع هذين الاجتماعين، حاولنا أن نقوم بدورنا الإعلامي، بغية الإجابة عن هذه الأسئلة، إذ بادرت الجريدة إلى الاتصال بالكاتب العام للوزارة، كونه ترأس الاجتماع الأول، عبر مكالمة هاتفية في البداية، ثم عبر بريده الإلكتروني بعد ذلك، وعبر «الواتساب» في النهاية، لكن، «قد يجيبك الجبل، ولن يجيبك ابن آدم»، كما يقول المثل الأمازيغي.

ثمة ما يبرر هذه السرية التي تحيط بها وزارة الثقافة، ممثلة بالوزير والمديرين المركزيين، هذه الاجتماعات. تقول نايلة التازي، رئيس فدرالية الصناعات الثقافية، في الخبر الذي أوردناه ضمن عدد الخميس الماضي، إن الأمر يتعلق باتفاق أبرم بين هذه الفدرالية ووزارة الثقافة، حيث تنص بنوده على عقد اجتماع بين الطرفين مرة كل شهر. إلا أن هذا المبرر غير مقنع، لأن الاتفاق ينص على اجتماع واحد في الشهر، لا على اجتماعين في ظرف أسبوعين. لا بد من توضيح ما في هذا السياق، حتى لا يلتبس الأمر أكثر.

هنا، تعود بنا الذاكرة إلى يومي 4 و5 أكتوبر الماضي بأحد فنادق العاصمة الفخمة، حينها عقدت الوزارة «مناظرة وطنية» حول الصناعات الثقافية (لا ضير من التذكير بأن افتتاحها شهد كلمات مطولة على لسان بعض الوزراء ورئيس البرلمان ورئيس المجلس الاقتصادي والاجتماعي وغيرهم، معظمها مجاملات ومدائح في هذا «المشروع» الوطني الهائل، وفي حق الساهرين عليه؛ أي أرباب الفدرالية). غريب بالفعل هذا التطابق بين عنوان المناظرة واسم الفدرالية. والأغرب من ذلك أن تعبئ وزارة الثقافة، عبر وكالات تواصل محترفة، الساسة والمجتمع المدني، ووسائل الإعلام طبعا، لحضور مناظرة ينبغي إنجاحها مهما تطلب الأمر، لا لشيء سوى لأن الفدرالية التي تقف وراءها هي فرع من فروع الاتحاد العام لمقاولات المغرب؛ أي أصحاب الحل والعقد في البلاد في مجال المال والأعمال، والسياسة أيضا.

لنعد إلى الوراء أبعد من هذا التاريخ. قبل نحو عقد ونصف، وبالضبط إلى تاريخ اعتماد النظام التعليمي الجامعي الجديد، حيث اعتمدت بعض الكليات وحدات دراسية أطلق عليها «الهندسة الثقافية والفنية»، ومازال هذا مسماها إلى اليوم، رغم النقد الحاد الذي وجه إلى العنوان منذ البداية. تتشكل متونها أساسا من مواد طريفة مثل: «علم اجتماع الثقافة»، «الصناعات الثقافية»، «اقتصاد الثقافة»، الخ. دروسها «مهننة» بامتياز، تكاد تكون خالية من أي مضمون فلسفي، فكري، أدبي، فني… إذ كان يفترض في خريجي هذه الوحدات، الذين يتعلمون العلاقة بين الثقافة والسوق في المقام الأول، أن يصبحوا روادا في «الصناعات الثقافية»، تماما كما أصبح الخريجون الأوائل من معاهد التكوين المهني روادا في الصناعات الثقيلة والصناعات التقنية والتكنولوجية…

لم ننتبه حينها إلى أن موافقة الفاعل السياسي على هذا النوع من الدراسات بالجامعة تصب أساسا في مصلحة المتربعين على عرش الاتحاد العام لمقاولات المغرب. لم يخطر ببالنا أنهم انتبهوا أخيرا إلى الفرص الاستثمارية التي تعد بها الثقافة، وأنهم يعدون العدة للإجهاز عليها، كما أجهزوا على الأراضي والضيعات الفلاحية، والمياه الجوفية، وثروات البحر، ومقالع الرمال والأحجار… لكن، بخلاف الفلاحة والتجارة والسياحة والصناعات التقنية والميكانيكية والنسيجية وغيرها، تفتقر الثقافة إلى «تقنيين» متخصصين في «الصناعات الثقافية»؛ أي في تنظيم المهرجانات والمعارض، وفي إنتاج المحتوى الإعلامي والموسيقي والسينمائي، وفي إبرام العقود والشراكات والعلاقات…

ولعل أبرز مثال على انخراط مقاولات المغرب في استغلال فرص الثقافة هو حضورها المكثف في بعض المهرجانات (موازين، كناوة، تيميتار، مهرجان الفيلم بمراكش…). هذا مثال معروف طبعا. ينسحب الأمر ذاته على مجال الفنون التشكيلية، حيث استثمرت المؤسسات المالية الكبرى، خصوصا الأبناك الرئيسة -تزامنا مع ظهور وحدات «الصناعات الثقافية» في بعض الكليات- في إقامة معارض للفن التشكيلي، بل وفي تنظيم مزادات بيع وشراء، انتقلت بموجبها أسعار اللوحة من بضعة آلاف درهم إلى ملايين الدراهم. سيقول قائل إن هذا يخدم مصلحة الفنان. صحيح، لكنه لا يخدم سوى مصالح البعض منهم، خاصة أولئك الذين ارتبطوا بعقود إنتاج مدى الحياة مع هذه المؤسسات. أما الفنانون الآخرون، فيواجهون الفقر وطواحين الهواء.

من هنا، قد تفهم هذه التحركات الخفية بين وزارة الثقافة وفدرالية الصناعات الثقافية، التي ساعدت عليها إجراءات الطوارئ المفروضة حاليا. طبعا، لا يمكن أن ترفض وزارة الثقافة أي طلب لهذه الفدرالية المتفرعة عن أكبر اتحاد مالي ومقاولاتي في المغرب، ولا لرئيستها الممثلة السابقة للاتحاد ذاته بمجلس المستشارين، والمعروفة بعلاقاتها الواسعة مع رجال الأعمال، ونفوذها الواسع في تنظيم المهرجانات، وعلاقاتها مع وكالات التواصل ومنابر الإعلام، بل والمنظمات الخارجية الفاعلة في مجال الثقافة…

ولعل ما يثير الاستغراب هو أن هذه الوزارة لم تبادر حتى الآن إلى تدشين مهمتها الحقيقية؛ أي إبداع سياسة شمولية من شأنها أن تحقق نهضة ثقافية حقيقية، على غرار ما فعلته بعض الدول التي كانت أكثر تخلفا من المغرب. إذ اقتصر دورها على صرف ميزانيات مالية، دعما للنشر والكتاب وتنظيم الأنشطة الثقافية، بل تقمصت الدور الذي يمكن أن تلعبه أي جمعية ثقافية محلية صغيرة، وهي تطبع كتبا ومجلات وتعقد ندوات هنا وهناك، وتقيد مواقع تراثية، وتصدر بلاغات عن لقاءات الوزير… فيما اكتفى الوزراء، الذين تعاقبوا على هذا المنصب خلال السنوات الأخيرة، بحضور هذا النشاط أو ذاك، وقراءة كلمات افتتاحية، خالية من أي معنى، ومليئة بالأخطاء في الغالب. هكذا، لا بد من التنبيه إلى أن اهتمام الاتحاد العام لمقاولات المغرب بالثقافة لا ينبع من إرادة في تحقيق نهضة الثقافة المغربية، وبلورة تصور عام لسياسة ثقافية تكون عنوانا للمرحلة المقبلة، وأساسا متينا لبناء الإنسان المغربي، وإنما من سعي إلى استغلال فرصها الاقتصادية المتاحة. إذ من شأن قراءة بسيطة في التقارير التي يصدرها المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي أن تكشف كل المخططات التي تدار في الخفاء للاستيلاء على «خيرات» الثقافة المغربية؛ ومن ثمة، لتجفيف معينها، مثلما جفف مخطط المغرب الأخضر الفرشات المائية.

شارك برأيك