كيف تفسر السوسيولوجيا تباين نتائج إجراءات العزلة الصحية في المغرب؟ – اليوم 24
الشرطة- حالة الطوارئ
  • محمد جليد

    محمد جليد يكتب: الثقافة بين نمطين في التدبير!

  • إبراهيم إبراش

    إبراش: غالبية المطبعين المغاربة هم من المثقفين والفنانين الذين لا وزن لهم- حوار

  • محمد جليد

    محمد جليد يكتب: الملكية بين عيد التذكار وعيد العرش!

فيروس كورونا

كيف تفسر السوسيولوجيا تباين نتائج إجراءات العزلة الصحية في المغرب؟

يدفع تقسيم المغرب إلى منطقتين أولى وثانية، الذي أصدرته وزارة الداخلية ووزارة الصحة مساء الثلاثاء الماضي، إلى طرح سؤال عريض: ما العوامل التي تفسر تفشي فيروس كورونا في بعض المناطق، مقارنة مع أخرى خالية أو شبه خالية من الإصابات؟ سؤال وجهته «أخبار اليوم» إلى بعض المشتغلين في حقل السوسيولوجيا، وتطرح في هذه الورقة بعض الأجوبة.

أثار التفاعل مع تقسيم المغرب إلى منطقتين في مرسوم وزارة الداخلية ووزارة الصحية، الصادر مساء الثلاثاء الماضي، الكثير من التعليقات والردود، يقوم بعضها على رسم مقارنات بين نتائج إجراءات الطوارئ والعزلة الصحية. فهل يتعلق الأمر فعلا بوجود اختلافات في تعاطي مؤسسات الدولة والمواطنين مع الوباء؟ للباحثين في السوسيولوجيا رأي في الموضوع.

أسباب تقسيم المغرب إلى منطقتين مبني، كما يقول الباحث في علم الاجتماع أحمد شراك، على مؤشر واحد هو تفشي الوباء انطلاقا مما تكشفه معدلات الإصابة اليومية. إلا أن هذا المؤشر يمكن تفسيره، حسب رأي شراك، من خلال الاحتياطات التي تتباين جديتها من مدينة إلى أخرى، ومن منطقة إلى أخرى، حيث يلاحظ أن هناك تمردات وانزياحات خاصة عن إجراءات الطوارئ في المدن الكبرى، وبالأخص في الأحياء الشعبية، حيث تسكن أسر بكامل أعضائها في غرفة مع الجيران. من هنا، يرى شراك أن التفاوت في النتائج يعزى إلى التفاوت في الوقاية والحماية والاحتياط.

من جهة ثانية، يلاحظ شراك، الذي أصدر قبل أسابيع قليلة كتابا حول الوباء بعنوان: «كورونا والخطاب»، أن عمل السلطة، في تفاعلها مع تفشي الوباء وتطبيق إجراءات العزلة الصحية، يمتد من الارتخاء التام إلى التضييق المستمر. كما يرى أن العوامل الثقافية، ومنها القراءة الحرفية للدين وانتشار الشائعات والأخبار الزائفة، لعبت دورا مهما في حصول هذا التباين، خاصة على مستوى تمثل خطورة الوباء. إذ يتجلى هذا التباين من خلال المظاهرات الاحتجاجية التي خرجت إلى الشوارع في بعض المدن، أو من خلال بعض مظاهر التدين التي عزت الوباء إلى إرادة الله، إلخ.

في حين، يرى زكرياء أكضيض، الباحث في علم الاجتماع وأستاذ الفلسفة، أن الوعي الصحي في الحالات الخاصة، كحالة الوباء الراهنة، تصوغه شروط الواقع الاجتماعي. إذ يؤكد أن تفشي الوباء في بعض المدن الكبرى، مثل الدار البيضاء ومراكش وطنجة وفاس، تفسره عوامل كثيرة منها الكثافة السكانية والحركية الاقتصادية القوية وحجم التمدين وطبيعة العلاقة مع السلطة. كما يقول إن النشاط الاقتصادي في الدار البيضاء، على سبيل المثال، حافظ على وتيرته العادية إلى حد كبير.

من جانب آخر، يعتبر أكضيض أن النتائج الإيجابية في محاربة الفيروس في المدن الصغرى والقرى والهوامش البعيدة هي نتاج الانضباط الذي عبر عنه سكان هذه المناطق، مشيرا إلى أن الأمر قد يفسره الهامش الكبير المتاح للسلطة في مجال الضبط والمراقبة من جهة، وفي محاصرة الإصابات وتطبيق إجراءات الطوارئ من جهة ثانية. كما يوضح أن الشروط الثقافية والمادية في المنطقة الأول، بحسب تحديد المرسوم الحكومي، منها أعراف الجماعة والتقاليد القبلية الملزمة للجميع، خلقت استعدادا مسبقا لقبول إجراءات الطوارئ.

ويضيف أكضيض أن مجال الحضر يتميز في الغالب بأشكال مختلفة من الانفلات من الرقابة التي تمارسها السلطة، موضحا أن المدن تتيح مساحة أكبر للسلوكيات المتحررة والممارسات الفردية. ورغم ذلك يرسم زكرياء أكضيض صورة متعارضة لتطور رد الفعل الاجتماعي تجاه إجراءات الطوارئ، حيث يقول إن الثقة التي قوبلت بها العزلة الصحية في البداية تعرضت لاهتزاز قوي بعد ذلك، خاصة بعد الجدل الذي رافق «قانون الكمامة» (قانون 22.20). ربما اعتقد المواطنون أن الحكومة تهيئ «طبخة» ما، بحسب تعبير أكضيض، حيث باتت إجراءات الطوارئ وممارسات رجال السلطة تطرح أكثر من علامة استفسار.

إلا أن هذا الموضوع يحتاج إلى مداخل أخرى لتفسير تأثير العوامل النفسية والجغرافية والسياسية والاقتصادية في تفشي الوباء أو في محدودية الإصابات. فعلى سبيل المثال، من شأن الأنثروبولوجيا أن تفسر الدور الذي يلعبه الدين أو القبيلة، كما جاء على لسان شراك وأكضيض، في انتشار الوباء أو الحد منه، إلخ.

شارك برأيك