منير أبو المعالي يكتب.. كشف حساب – اليوم 24
منير-ابو-المعالي
  • منير-ابو-المعالي

    منير أبو المعالي يكتب: الوزراء لا يدخلون السجن

  • منير-ابو-المعالي

    منير أبو المعالي يكتب: لقاح يُخلصنا من الفشل

  • منير-ابو-المعالي

    منير أبو المعالي يكتب: أوهام الانتخابات

الرأي

منير أبو المعالي يكتب.. كشف حساب

دقت ساعة الحساب؛ ثلاثة أشهر جرى فيها تفويض السلطة دون رقابة إلى الحكومة ولجانها، وضُخت الموارد في كل الاتجاهات، ودون أي تفسيرات واضحة كل هذه المدة، حيث وضعت القوانين في حالة تعليق مؤقت، يجب أن تخضع لتدقيق. لقد سُمح للسلطة الحكومية بتنفيذ خططها وتمويلها بشكل واسع خارج أنظمة المراقبة الاعتيادية للصفقات، وكان ذلك، من الوجهة العاطفية، أمرا مقبولا، وقد شُحن بالمزايدات الروتينية حول المصير، ولكن، وقد تبين أن لهذه الإجراءات الحكومية أيضا عيوبها، فإن من المنطقي أن يجري سحب الشيك على بياض المقدم في بداية الأمر.

تسمح الرقابة الفعلية بتحديد نجاعة الإجراءات الحكومية في وقتها الحي. على سبيل المثال، كانت الحكومة الأمريكية قد عرضت على برلمانها خطة هائلة لإعادة تمويل المتضررين من الجائحة، لكن المشرعين راجعوها بشكل واسع لتسمح بتدفق الأموال بشكل أفضل إلى أولئك الذين يستحقونها. على عكس ذلك، ما حدث لدينا كان ذا طبيعة ماكرة؛ فقد سمح للحكومة بأن تشكل لجانا، وأن تسلمها صلاحية التصرف المطلق في الموارد المخصصة لإدارة خسائر الجائحة دونما الحاجة إلى الخضوع لأي استشارة مسبقة مع الهيئات الرقابية، ناهيك عن تحصنها بعيدا عن أي تدقيق أولي. لقد خولت الحكومة نفسها صلاحية إدارة 3.3 ملايير دولار، وحددت الكيفية التي يجب أن تصرف بها الأموال على الفقراء، واستخدمت وزارة الداخلية لضبط الجميع. في البرلمان، وقد وضع لنفسه حدودا لحركته، لم تطرح الأسئلة المناسبة إلا نادرا، وعندما طرحت لم تلق آذانا صاغية. ولسوف يُستعمل مفهوم الإجماع لإغلاق المنفذ الوحيد لتجنب حدوث الأسوأ، أي الرقابة على الحكومة نفسها.

بعد ثلاثة أشهر، حُق لنا أن نسأل: ماذا فعلنا بالطريقة الصحيحة، وما الذي لم نفعله وفق ذلك؟ معدلات الإصابة بالفيروس مستمرة في الثبات على النحو الذي كانت عليه في الشهر الأول. ولسوف يظهر أن الاستمرار في إغلاق البلاد على نفسها سيتسبب في ضيق هائل. وبعد كل هذه المدة، وبتوسع تدريجي في إجراء الاختبارات، لم يتغير أي شيء في المنحنى الوبائي. إن مناطق شاسعة كانت تصنف «جهات آمنة»، تحولت فجأة إلى بؤر، كما حدث في الصحراء. ولم تكتشف هذه البؤر إلا بطريقة مهينة، فالمهاجرون غير الشرعيون المنطلقون من العيون، بمجرد ما وصلوا إلى جزر الكناري، حتى تبين أن حوالي نصف أعدادهم مصابون بالفيروس. ولم يكن ذلك ليحدث لو كانت المناطق الأصلية من حيث أتوا تخلو من آثار الجائحة.

في منطقة الغرب، حدث ما لم يكن متوقعا، فقد أدى تباطؤ الإجراءات المتعلقة باستكشاف الفيروس في معامل جني الفراولة، إلى ظهور المئات من حالات الإصابة في يوم واحد، وفي مصانع «رونو» في الشمال، تفشت الجائحة بين أعداد مهولة من العمال ومخالطيهم. تكشف هاتان الحالتان، بالضبط، هشاشة الإجراءات المتخذة على الصعيد الحكومي لمواكبة قرار الفتح المبكر للاقتصاد المحلي. لكن، وفي الوقت الذي قررت فيه وزارة الداخلية أن تحقق في الكيفية التي جرى بها تغافل تشكل بؤرة في الغرب، وفتح بحث قضائي بشأن ذلك، فإن مصانع رونو مازالت صامدة، دون أن تشعر السلطات بأي مخاوف من محاسبتها. في «رونو»، كان يجري حساب الحالات بشكل تدريجي ودوري، ولقد سمح ذلك بألا يظهر أن مصانعها قد تحولت إلى بؤرة. في المدن المجاورة لهذه المصانع، يجري تسجيل حالات إصابات يوميا منذ أن أعادت «رونو» فتح أبوابها. وستضطر السلطات إلى إغلاق الأحياء مؤقتا، وسحب المخالطين كل مرة ظهرت فيها نتائج اختبارات موظف في المصنع.

للنهوض بالاقتصاد كلفة ضرورية، لكن من المهم فحص ما إن كان تباطؤ أو تراخي السلطات في إقرار الإجراءات المناسبة لمواكبة ذلك، قد أدى، بشكل رئيس، إلى تدهور المؤشرات الوبائية. لكن، كيف يمكن مراقبة تصميم السلطات على تنفيذ مناسب لإجراءات الاحتواء، فيما هي قد تسلمت للتو تفويضا شاملا للقيام بما تراه ملائما دون الشعور بأي تهديد رقابي. ظهرت هذه المعضلة، بشكل واضح، في الاتجاه الذي حاولت أن توجه إليه الاتهام عقب إعلان بؤرة «لالة ميمونة». فقد ركزت في بداية الأمر على وزير الشغل، ثم وزير الصحة، وكلا هذين المسؤولين يعمل موظفوهما في مناطق تحت سلطة موظفي وزارة الداخلية. وعلى كل حال، فإن تسلسل المسؤوليات سيجعل موظفيهما موضع محاسبة دون شك. ولاتزال القوانين، التي تفرض على المسؤولين الجهويين للوزارات أن يخضعوا لتوجيهات موظفي وزارة الداخلية، عصية على التغيير.

ولئن كانت المحاسبة في هذه الظروف ضرورية، فإن على السلطات الحكومية أن تستخلص الدروس أيضا. وعلى ما يبدو، فإن السلطات المركزية، وقد جرى إعفاؤها من أي رقابة فعلية من لدن البرلمان، بالكاد تلقي بالا للرأي العام فحسب، وهي تتأثر بالشكوك المتزايدة بخصوص فعاليتها في إدارة إعادة فتح البلاد، بقدر ما كانت عنيدة إزاء الارتياب من سوء إدارة الإغلاق.

الآن وقد تشابكت القضايا على نحو بالغ التعقيد، ولأننا لسنا، بأي شكل، قريبين من أي حالة ديمقراطية تستجوب من الحكومة تفسير أي قرار قبل إجازته في هذه الظروف، فإننا، لا محالة، سوف نبدو مثل تلميذ كسول تلقى بيان نتائجه ورسب، لكنه بغير اكتراث، سيكرر المحاولة مرة ثانية. في هذه الأثناء، وقد جرى الانصياع لهذه الترتيبات التي أصبحت مواضعات لا تقبل الجدل، يمكن القبول بأي شيء آخر قابل للهضم دون عسر. لنأخذ، مثلا، قضية وزير الشغل نفسه، وقد ظهر أن موظفيه في مكتب محاماة لم يكونوا مسجلين في الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي. هذه فضيحة دون شك، لكنها محدودة الأثر، وذات طابع شخصي. لكن، من يتذكر ما حصل لوزير الداخلية عندما حاول أن يدفع أرباب المقاهي إلى تسجيل مستخدميهم في الصندوق نفسه؟ لقد جرى التصدي له بكل بساطة، ولم تتكرر الفكرة بعدها. كان وزير الداخلية منطلقا من بيانات إحصائية، حيث عثر على عدد مهول من مستخدمي المقاهي وهم يقدمون طلبات للحصول على مساعدات، في حين كان بالمقدور، بدلا من أن يثقلوا العبء على صندوق كوفيد-19، أن يحصلوا على تعويضاتهم من صندوق الضمان الاجتماعي.

إن مشكلة البلاد هي هذه بالضبط؛ حيث تؤخذ قضايا عنوة وتدرج في الرف السفلي، فيما يترك المجال لقضايا أقل تأثيرا لكي تحتل المساحات برمتها. وإذا ما حولت الدعاية تلك الانتهاكات المحدودة للقانون إلى تيار جارف، فإن القضية الرئيسة عادة ما تضيع. إن مئات آلاف من الأفراد الذين فقدوا وظائفهم هذه المرة شاهد بارز على هشاشة شبكة الأمان الاجتماعي. لكن، من سوف يهتم لأمر هؤلاء؟ لقد خفضت المحاسبة مرمى التسديد، وأصبحت المشكلة محددة في فرد أو ثلاثة أفراد يعملون في مكاتب وزراء إسلاميين. إن أولئك الذين يوجهون انتباه الناس أكثر إلى هذه القضية، هم أنفسهم من يغض الطرف -إن لم يشاركوا- في هدر أي قدرة على محاسبة شاملة في البلاد. لذلك، من المحتمل ألا تكون مضامين هذه المقالة، في نهاية التحليل، سوى سفسطة صحافية هامشية.

 

 

 

 

 

 

شارك برأيك

ميمون

لا يا أخي منير، لا سفسطة صحافية هامشية و لا تحامل و لا معطيات من وحي الخيال. كل ما ذكرته صحيح و اللبيب سيكمل من تلقاء نفسه لأن هناك كثيرين لديهم حساسية مفرطة من الحقيقة التي تصيبهم بالإزعاج كونهم يفضلون الكذبة المطمئنة المخدرة. آخر الأخبار تفيد بأن هناك نشاطا متزايدا لحالات الإصابة بأوربا و سيكون كاذبا من يدعي أنه يعرف كيف ستتطور الأوضاع في الأسابيع و الشهور القادمة. العاقل الذي ليس له ارتباط شغل أو ما شابه في المدينة عليه استغلال الفرصة و الهجرة للبادية حتى لو كان في أماكن شبه معزولة معتمدا على نفسه لمواجهة كل الاحتمالات. ظهور فيروس جديد أو حدوث كوارث أمور غير مستبعدة و انتظار أن تقوم الدولة بشيء يفوق قدرتها يعتبر جنونا. هذا ما استخلصته مما وقع.

إضافة رد
مبارك شوكت

على الأقل ياأخي منير – أخاطبك بدون تكلف وكأنك صديقي، وأنت كذلك بكثرة قراءة مقالاتك القيمة – نقلت إلينا كما عودتنا تعليقاتك وتحاليلك النيرة المنورة التي تطور الوعي وتثير الإنتباه إلى مواضيع تكشف عن مقالات الصحافة الصفراء المائعة.

إضافة رد