إسماعيل حمودي يكتب: من أجل نقاش حول فعلية الحقوق – اليوم 24
اسماعيل الحمودي
  • العثماني

    العثماني: هناك من يضع “لعصا في الرويضة” لعرقلة عمل منتخبي “العدالة والتنمية”

  • خضوع أئمة طنجة لفحص كورونا

    إجراء تحاليل كشف كورونا لقضاة وموظفي المحكمة الابتدائية لـ”كازا” الأسبوع المقبل

  • مقر الأمم المتحدة - أرشيف

    الأمم المتحدة تجدد الترحيب بالحوار الليبي في بوزنيقة و”تأخذ علما” بالبيان الختامي

الرأي

إسماعيل حمودي يكتب: من أجل نقاش حول فعلية الحقوق

قدّم المجلس الوطني لحقوق الإنسان مذكرة مهمة تتضمن تصوره للنموذج التنموي البديل، انطلاقا من مقاربة «فعلية الحقوق»، التي اعتمدها عنوانا لاستراتيجية عمله في شتنبر 2019. وهي مذكرة تستحق الوقوف عندها بالتحليل والنقد، كونها مدخلا مهما في السياق الحالي لإثارة النقاش الهادئ حول الارتباك الحاصل، ليس في الجانب الحقوقي فقط، بل كذلك في المجال السياسي والاقتصادي والثقافي كذلك.

تنطلق المذكرة من فكرة مركزية لا يمكن إلا الاتفاق معها، تدعي أن المغرب راكم مكتسبات قانونية مُعتبرة خلال العقدين الماضيين، ابتداء بالدستور ومرورا بالاتفاقيات الدولية التي انضم إليها، لكن الإشكال يكمن في محدودية تفعيل تلك القوانين في الواقع المعيش للمغاربة. بعبارة أخرى، يؤكد المجلس، وهو مؤسسة دستورية، أن القانون في بلادنا ليس كافيا، وحده، لحماية الحقوق والحريات، وهو نقد قوي لا يختلف كثيرا في عمقه عن أقوى الانتقادات التي توجه إلى واقع الحقوق والحريات في بلادنا.

لكن السؤال الملح هو: لماذا لا تستطيع القوانين تغيير واقع الناس؟ أوردت المذكرة عدة إجابات؛ منها اختزال الفعل الحقوقي في البعد القانوني المعياري، مع إهمال أهمية الأبعاد غير القانونية، خصوصا العوامل الاقتصادية والاجتماعية، والعوامل الثقافية والبيئية التي تجعل ثمار التنمية، مثلا، لا تعود بالنفع على جميع المواطنين على قدم المساواة والعدالة. يريد المجلس القول إن العطب أكبر من القانون نفسه، إذ يكمن في النموذج التنموي القائم الذي يحول دون التمكين للحقوق والحريات، وعليه، فالتحدي الأكبر الذي ينبغي مواجهته هو: كيف يمكن صياغة نموذج تنموي بديل قادر على تكريس فعلية حقوق الإنسان، حتى لا تكون التنمية وحقوق الإنسان قضيتين متجاورتين بل ملتحمتين في جواب واحد عن التحديات القائمة.

يعتقد المجلس أن ذلك ممكن من خلال بناء عقد اجتماعي جديد، يجري الاعتراف فيه بالمواطن ذاتا حقوقية أمام الدولة، كونه محور التنمية وهدفا مركزيا لها، ما يقتضي تخليص مفهوم التنمية من النزعة الاقتصادوية، وتخليص حقوق الإنسان من النزعة المعيارية، لصالح اعتماد مقاربة حقوقية وطنية للتنمية، تُصَرَّف على مستويين؛ مستوى الاختيارات الاستراتيجية التي وجب أن تكون قيم الحرية والمساواة والعدالة والتضامن من ثوابتها؛ ومستوى السياسات العمومية القائمة على قيم المشاركة والمحاسبة التمكين والشرعية وعدم التمييز، على أن تكون ذات طابع إجرائي ملموس، وذات أثر قابل للقياس.

ويرى المجلس أن جائحة كورونا تدعو إلى التوجه نحو تعزيز مقاربة التنمية المبنية على حقوق الإنسان، لأنها جائحة أعادت تأكيد محورية الإنسان في أية عملية تنموية، وكشفت أن كل إنجاز اقتصادي يبقى قاصرا ما لم يحرر الناس من الفقر والخوف، كما أبانت عن تفاوتات عميقة فئوية ومجالية، وقفت عائقا حقيقيا أمام جهود الدولة في مواجهة الجائحة، لذلك، يلح المجلس على الاستمرار في إصلاح الدولة بنفس استراتيجي، حيث تكون حامية وراعية للحقوق، ومنها الحق في التنمية.

هكذا، يبدو تصور المجلس متماسكا، فهو إذ يقر بالنقائص والاختلالات التي تحول دون فعلية الحقوق، حاول تقديم أفكار بديلة لما هو قائم، بيد أن الإشكال، مرة أخرى، ليس في التصورات المكتوبة التي باتت تبرع فيها مؤسسات دستورية مثل المجلس، أو في القوانين نفسها التي تعكس بدورها تصورات، بعضها جيد دون خلاف، لكنها لا تغيّر من واقع الناس الكثير. فضلا عن ذلك، صار انتقاد الممارسات جزءا من الخطاب الرسمي للدولة منذ سنوات، ما يعني أن الدولة طبّعت مع النقد، مهما كانت حدّته، إلا أن النقد لا يُغير شيئا كذلك، ما يستدعي البحث في جوانب أخرى، أزعم أنها تكمن في حالة اللاتوازن في دور الفاعلين في ما يخص الممارسة، بل وفي انصياع الفاعل السياسي والحقوقي للحالة المذكورة، باستثناء بعض المقاومات هنا أو هناك.

ذلك أن القوانين تعكس، في النهاية، موازين القوى القائمة، وهي الموازين التي تتميز في الظرفية الحالية بتراجع دور وتأثير الفاعل الحقوقي والسياسي، سواء الموجود داخل المؤسسات أو الموجود في المعارضة، ولا حاجة إلى التذكير بالطريقة التي جرى التعامل بها مع الفريق السابق على رأس المجلس الوطني لحقوق الإنسان، على خلفية ادعاءات التعذيب في حراك الريف، وكيف أن ما وقع حينها لم يثر أي رد فعل لدى جل الطبقة السياسية والحقوقية، لأنها منصاعة لحالة اللاتوازن، كما أشرت إليها آنفا.

أريد القول إنه مهما كانت قوة الخطابات وجذريتها، فقد أصبحت مقبولة من لدن الدولة، مادامت خالية من الشخصنة، لكن الإشكال أن استراتيجية الخطاب تبدو منفصلة عن استراتيجية الحركة لدى عدد من الفاعلين. ولكي أكون واضحا أقول إن إنتاج مؤسسة دستورية تقريرا أو دراسة أو مذكرة أو قانونا بات هو المفضل لديها، على حساب تفعيل اختصاص جوهري آخر، مثل تشكيل لجان للرصد والتقصي في وقائع مادية ملموسة، وتسبب عنتا وظلما للمواطنين، ذلك لأن التقرير قد يزعج يوما أو يومين قبل أن تتصدى له وسائل إعلام معينة بالتسفيه، فيما يعد تشكيل لجنة للرصد والتحري خطوة فعلية للبحث عن التوازن بين القوى في الميدان، وهو ما يزعج أكثر ذوي النفوذ والسلطة، ما يجعلهم يرفضونه، وقد يتصدون له بشتى الطرق، وذلك هو ما يفسر الهوة الشاسعة بين النصوص والواقع، والله أعلم..

شارك برأيك