يونس الخراشي يكتب: مدرستي مرة.. – اليوم 24
الخراشي
  • الحسن-الثاني-يستقبل-المنتخب-الوطني-لألعاب-القوى-504x362

    بكير بنعيسى: هكذا استعددت والراضي لماراثون روما 1960 -حوار

  • من سباق اليوم

    سباقات أسطورية.. الخلف يصون الأمانة

  • سباقات أسطورية

    سباقات أسطورية.. تاريخ بطولي: الأسماء المغربية ستبرز منذ الحماية عبر القميص الفرنسي

الرأي

يونس الخراشي يكتب: مدرستي مرة..

التعليم منتج للأبطال الرياضيين. هذه مسلمة لم تعد تناقش. ولكن ليس أي تعليم يمكنه ذلك. فالضرورة تقتضي أن يكون التعليم ملهما للعقول قبل الأجسام. ألم يقولوا إن العقل السليم في الجسم السليم؟ ثم ماذا عن رياضات الأشخاص من ذوي الاحتياجات الخاصة؟

اقترنت الرياضة، منذ زمن بعيد، بالتعليم. ليس لأن المدارس تضمنت، وما تزال، مساحات تمكن المتعلمين من الحركة، وبالتالي من النشاط البدني، المفضي إلى اختيار المواهب الرياضية، وتكوينها، في أفق تحويلها إلى كفاءات ذات مهارات عالية، ومن ثم إلى طاقات تكسب الألقاب، وتسحر الألباب. ولكن، وهذا الأهم، لأن الرياضة في حد ذاتها مادة يتعلمها الإنسان؛ أي أنها لا تكون بلا أبجديات، وسيرورة تعليمية، وتراتبية في التلقين، وصولا إلى درجات من التعلم، أقصاها ليس هو الحصول على بطولات. وهكذا، فلا يُتصور عقلا ومنطقا بأن يتسنى لك إنتاج أبطال رياضيين، من أنواع رياضية متعددة، دون اعتماد التعليم. فلا يعقل مثلا إنتاج بطل في رياضة الجمباز، دون تعليمه؛ من قبل معلم، أبجديات الحركات الأرضية، وعلى المتوازيين، وفوق الحصان، وغيرها، باستعمال التلقين، والأدوات، وتصحيح الأخطاء، ثم اعتماد الاختبارات للصعود من درجة إلى درجة أخرى.

ويصح ذلك على كل الرياضات، وبلا استثناء. فالموهبة وحدها لا تكفي. ولو كانت كافية لوحدها، لصح أن يحصل أي لاعب برازيلي، من الشارع، على القميص الأصفر لـ”الصامبا”، ثم يدخل إلى الملعب، ليضرب الكرة، ويسجل الأهداف. كلا. فرغم تمتع اللاعبين البرازيليين بالكثير من الموهبة، عبر اللعب في الشارع، وشواطئ البحر، إلا أنهم، مثل غيرهم، يحتاجون إلى تعلم، وتصحيح للأخطاء، واختبارات، عبر الفئات السنية في الفرق والمنتخبات، للوصول إلى درجة الاحتراف.

وما يجعل مدرسة تعليمية ما منتجة للأبطال الرياضيين، ومتفوقة على غيرها من المدارس شيء واحد لا غير؛ كونها تحترم العقل، وتهيء له حاضنة تتيح له أن يورق ويزهر، فيصبح ممهدا لاستقبال الأفكار، وقادرا على استيعابها، وتطبيقها، وحتى نقدها، وهو الأهم. ذلك أن رياضيا بلا ملكات عقلية نقدية سيصعب عليه أن ينتج أفكارا في الملعب والمضمار والحلبة، وسينتظر، في كل مرة، من معلمه/مدربه أن يمده بالفكرة تلو الفكرة، وكأنه بلا وجود.

عضلات الرياضي بدورها تحتاج عقلا نقديا متوقدا ومتوثبا، قادرا على الفهم والاستيعاب، والاستنباط والاستنتاج، لدفع الفكرة إلى حدها، واعتماد الأفضل في التطبيق، بما يجعل كل عضل ينمو، أو على أقل يستثمر أقصى ما يمكن من طاقته، في حدود المطلوب منه؛ سواء تعلق الأمر بالتمرين، أو عند اللعبة، أو أثناء التنافس، أو في الاختبارات. فالعضل يستفيد من طاقات العقل في نموه داخل دائرة محددة بدقة، وليس ينمو جزافا لأنه في راحة من مشاغل العقل.

وحين يتعلق الأمر بالرياضي من ذوي الاحتياجات الخاصة، فإن العملية التعليمية تصبح أهم وأكثر ملحاحية. وكلما سارت وفق المطلوب منها، في تدبير الطاقات الملهمة التي توجد بين يديها، تكون النتيجة مذهلة للغاية. ولعل الأمر لم يعد يحتاج إلى أي دليل، فبالرجوع إلى ما يقدمه الأبطال الرياضيون في الألعاب البارالمبية، وفي غيرها من الدورات لذوي الاحتياجات الخاصة، يصيب الجماهير بالدهشة، ويجعلها تطلب المزيد من الإبهار من رياضيين يثبتون كل يوم أن مقولة “العقل السليم في الجسم السليم” تعني من بين ما تعنيه أن العقل هو ما يُتاح للمتعلم في تعليم متفاعل، وأن الجسم يذهلك حيث تظن عكس ذلك.

لنتساءل الآن. هل لدينا تعليم يمكنه أن ينتج لنا أبطالا رياضيين وفق ما سلف؟

دعونا نبدأ بذوي الاحتياجات الخاصة، لأن لديهم احتياجات خاصة للغاية. فحين تفتقد المدارس؛ بعموميها وخاصها، إلى ولوجيات، وهو أقل ما يمكنها توفيره لبعض هؤلاء، فلا يصح انتظار إنتاج أبطال رياضيين من هاته المواهب الوقادة. وبالنتيجة، فنحن إزاء تعليم لا يفكر في جزء من أبنائه وبناته؛ سواء تعلق الأمر بعملية تعليم الكفايات الأدبية والعلمية وغيرها، أو بتعليم فنون الرياضة، بشتى أنواعها. والحال أن ما أدركه أبطالنا من ذوي الاحتياجات الخاصة في الألعاب البارالمبية أكبر بكثير مما أدركه زملاؤهم الآخرون في الألعاب الأولمبية. ومع ذلك، فلم يحرك هذا الإنجاز العظيم ساكن المسؤولين عن التعليم.

ولنكن صرحاء في ما يخص الأبطال الآخرين. فإن التعليم لا ينتج ما يمكنه بالفعل إنتاجه منهم. أولا لأنه مازال تقليديا للغاية، فضلا عن أن المعلم الخاص بالرياضة غالبا ما ينظر إليه على أنه “من ضمن”، ليس إلا. ويمكن الرجوع إلى أغلبية المدارس الخصوصية، التي تحصل من الوزارة الوصية على الترخيص، للبحث عن مساحات التريض المفقودة. وهذا وحده يكفي جوابا على سؤالنا السابق.

من أين يأتي أبطالنا الرياضيون إذن؟

من بعض فلتات الطبيعة. من بعض فلتات التعليم. ومن بعض فلتات التعلم. ومن بعض فلتات محيط الخاص. ومن بعض البطولات الشخصية المترعة بالتضحيات الذاتية. واسألوا أبطالنا من ذوي الاحتياجات الخاصة كم عانوا ويعانون، كل دقيقة من عمرهم ومسارهم الرياضي، لتعرفوا بأن ما بالإمكان أكثر بكثير جدا مما هو كائن.

لهذا يتفوق غيرنا علينا. أما حين يبرز بعض الأبطال الرياضيين من جلدتنا، فذلك استثناء يؤكد القاعدة. والقاعدة هنا هي أن تعليمنا يستطيع إنتاج النجوم، لكنه لا ينتجهم. يمنعه تكلسه. فهو تعليم يحتاج إلى التعلم من تلامذته، بالإنصات إليهم. فلطالما تكلم لوحده، فيما كانوا هم “ينقلون” ما “يفتيه عليهم”، بلا فهم، وبلا تذوق، وبلا رغبة، وبالتالي بلا أفق.

شارك برأيك