مصطفى بن الرضي يكتب: وكأنه ائتلاف حكومي – اليوم 24

مصطفى بن الرضي يكتب: وكأنه ائتلاف حكومي

  • مصطفى بن الرضي  يكتب: أصبع الاتهام من السبابة إلى الإبهام

  • مصطفى بن الرضي يكتب: وكأنه ائتلاف حكومي

 

تستميت في الدفاع عن السياسة وجدوى السياسة، وتُساجِل ضد من يريد القفز على مواد مُلزمة في الدستور، ويُرافِع كل مرة بشعار طارِحا مقدمات مُغرية ذات صلة بالنجاعة في مواجهة آثار كورونا، لكنها ستنتهي إلى مآلات طريقها مفروش بكثير من “سوء النية”.

لكن، وعلى الوجه الآخر من الصورة، يفعل السياسيون، بخفّة يُحسدون عليها، كل ما من شأنه أن يشعرك بالحرج.

ففي الوقت الذي تغرق البلد في التحديات من مخلفات كورونا وما قبل كورونا، والتي ستتحول لمشكلات مزمنة بعضها طبقات فوق بعض، يقدم سياسيونا كل “وسائل الإيضاح” للإثبات أنهم لربما يعيشون في “عالم موازٍ”، بحيث يعانون “حالة إنكار” متقدمة و”فصاما” يؤثر على الإدراك والوعي بالواقع لديهم.

بل يكاد المرء يغارُ من الفاعلين السياسيين، من داخل الائتلاف الحكومي تحديدا، على فائض الوقت لديهم للمكايدة والضرب تحت الحزام، فيما يفترض أنهم شركاء في “حكومة طوارئ” مسؤولة عن القرارات التي تتخذ كل يوم للعبور بالوطن من هذا النفق الذي يبدو أن الضوء لن يظهر في آخره قريبا.

الاتحاد الاشتراكي تصرّف مع رئيس الحكومة بمنطق الحزب المعارض، وبلغة كتبت من مِحْبرة بالغة الكيدية، وهو يطرح موقفا سياسيا القول به يفترض، كنتيجة منطقية، أن يقرّر من يصدر عنه الانسحاب من حكومة يقْتعِد فيها كرسيا يتيما، وبلا لفّ ولا دوران. لكن الجميع في هذا البلد “يريد الزبدة وثمن الزبدة”.

ومع ذلك، وللحق، الاتحاد، في بلاغه الذي كان يتنفّس انتخابات، وضع الأُصبع على واحدة من أعطاب هذه الحكومة التي تعاني “خطيئة النشأة” التي أنتجت مشاركة “بزّز” للاتحاد، وهو يصرّح مهاجما العثماني بأنه يعمد لـ”تسويغ القرارات التقنوية ومنحها التغطية السياسية المؤسساتية، من خلال استبعاد السند السياسي للحكومة”.

هذه الحكومة كانت أمام وضعية بالغة التعقيد، وبقدر سوء اللحظة باعتبار مستوى المخاطر، فإنها مما يُمكن أن يقال عنه “نقمةٌ في طيّها نعمة”: محنةُ كورونا كانت فرصة لا تعوّض لرفع أسهم السياسة، والإثبات أن الفاعل السياسي، على غير ما يدّعي البعض، قادرٌ على تقديم الجواب، وفوق ذلك قادر على تحمل مسؤوليته، والمواجهة بقراراته، ثم تقديم جرد حساب بما جرى، وتحصيل العائد انتخابيا، قبولا أو رفضا.

لكن السياسيين، بنظر كثيرين، كانوا سببا مضافا لمزيد من “الكُفر” بالسياسة، والتقوّل بعجزها، بل والذهاب أبعد بالترويج أنها سبب الفشل، مع ما يستتبع هذا الحكم من آثار.

العدالة والتنمية، في المقابل، لم يتأخّر في “الهبوط”، وهو يشير (على حقّ أيضا)، أنه يسجّل “انخراط بعض أطراف الأغلبية الحكومية في حملات انتخابوية سابقة لأوانها بأساليب مغرضة”، وأن “شغل الأطراف الشاغل أصبح هو استهداف الحزب (..) مع توظيف مغرض لظروف الجائحة”.

هذه اللغة، الصادرة عن مكونين ضمن ائتلاف حكومي واحد يُتوقعُ ترفّع أطرافه بالنظر لحجم التحديات، لا تليق باعتبار السياق، ولا يمكن قراءتها إلا كونها انصرافا خطيرا عن الاهتمام بشؤون المغاربة إلى المكايدة، بل والاستغراق في الزمن الانتخابي على حساب المشاكل الآنية.

بحقّ، العثماني لم يشغل كل المساحات المتاحة له، ولم يعد سوى “مُحلّل” لـ”تسويغ القرارات التقنوية ومنحها التغطية السياسية المؤسساتية”، وأنه يكاد يكون “شاهد مشفش حاجة”، اللهم وضعه في صورة ما يجري بمقدار ما يُشعره أنه يُستشار، وأنه يعرف أكثر بقليل من أي مواطن. هكذا يشعر المتابعُ للأسف، فيما رئيس الحكومة لا يجتهد نهائيا لدفع هذا الشعور عن الناس.

ما يجري داخل الائتلاف الحكومي حساباتُ من يتصاغرون بمواقعهم. بل إن هؤلاء أعرف، بحكم اطلاعهم على المعلومة، أن الوضع أصعب إلى درجة تصيب بالفزع على المستقبل، لكنهم لا يرقون للاجتماع على “كلمة سواء”، بل ويقدمون كل المبررات لاستبعادهم، ويطرحون بين يدي “أعداء السياسة” كل الإثباتات اللازمة على أنهم “بلا لزْمة”.

خُذ عندك واحدة لو لم تكن إلا هي لكفتهم ليطووا كل “صبيانياتهم”: الوزير أمزازي يقرّر لمصائر جيل كامل ولا أحد يراجعه. لا أحد فكّر ونَظَر، وقدّر وقرّر، أن ما يجري عبثٌ بلا حدود. هذا المنتشي بـ”نجاح التعليم عن بعد” لم يتوقف مثلا ليسأل الأساتذة، قطب الرحى في العملية، هل يحصّل تلاميذهم، وفق هذا النموذج بصيغته المغربية العجائبية، التعلُّمات التي يفترض أن يكتسبوها؟ وقس على ذلك.

قطعا لم يفعل، واكتفى بالتقارير المكتبية المُضللة، وقطعا لم يسأله أحد، والنتيجة أننا سنكون بإزاء “فراغات مهولة” في تحصيل المكتسبات، لأن التلميذ يجري تصعيده من مستوى دراسي إلى آخر أعلى دون أن يكون قد اكتسب ما يؤهله لتحصيل تعلّمات جديدة. وبعد 15 سنة، لا تسألني عن مستوى الجامعة ومكتسبات الطلبة (تلاميذ الابتدائي الآن)، لأن حصاد تلك اللحظة المستقبلية لن يكون إلا ما زرعناه الآن. والحكومة لم تزرع إلا الرغبة في الشعور بالانتشاء، والوزير أمزازي قادر على منحها هذا الشعور. وكفى.

سياسيو هذا البلد لا وقت لديهم لهذا “الكلام الفارغ” عن زمن مدرسي مهدور لجيل كامل، وكل اهتمامهم ينصبّ على قوانين انتخابية تكون مفصّلة على المقاس لحماية من يُفترض أن “ينقرضوا”، ولتحجيم من يتوقع أن ينجحوا حتى لا ينالوا مقاعد “زيادة عن اللزوم”، فيما العملية برمتها لن تصعّد غير “المنخنِقَة والمُتردِّية وَالنطِيحَة وما عافَ السَّبُع”، إلا بقيةُ سياسيين جديّين لا يُسمع لهم، بل يُلفظون لفظا و”لا يحبّهم التنظيم” لأنهم جديون “أكثر مما ينبغي”. ولحسن الحظ، ولأجلهم فقط، سنبقى نستميت في الدفاع عن السياسة وجدوى السياسة.

شارك برأيك