إسماعيل حمودي يكتب: الترامبية ثورة أم تهديد؟ – اليوم 24
اسماعيل الحمودي
  • اسماعيل الحمودي

    إسماعيل حمودي يكتب: ديمقراطية البنتاغون

  • اسماعيل الحمودي

    إسماعيل حمودي يكتب: الترامبية ثورة أم تهديد؟

  • اسماعيل الحمودي

    إسماعيل حمودي يكتب: «البيجيدي» بين إسرائيل وإسبانيا

الرأي

إسماعيل حمودي يكتب: الترامبية ثورة أم تهديد؟

ما حدث في أمريكا، قبل يومين، من فوضى وعنف وبلطجة حول وداخل مقر الكونغرس، يحتاج إلى قراءة هادئة، ذلك أنه من السهل إدانة ما حصل، ونعت ترامب بالرجل المجنون المحب للسلطة، والذي يريد أن ينقلب على الدستور والقانون والمؤسسات، لكن، إن نحن فعلنا ذلك سنعيد فقط ترويج منظور معين للأحداث، كما جرت في مساراتها المعقدة منذ أربع سنوات على الأقل، فيما تقتضي الموضوعية تقليب النظر حول أكثر من وجه.

صحيح أن ما حصل قد لطخ كثيرا سُمعة الديمقراطية الأمريكية، وربما أصابها في مقتل، لكن الصحيح، أيضا، أن المؤسسات الأمنية والعسكرية والسياسية قد تصدت لما وُصف بـ«محاولة انقلاب» على نتائج الانتخابات من لدن ترامب وأنصاره. أخذا بعين الاعتبار تلطيخ السمعة، فقد أتى أنصار ترامب على اعتقادات فرانسيس فوكوياما قبل ثلاثين عاما بأن الديمقراطية الليبرالية تبقى الخيار الأخير للبشر، لكن صمود المؤسسات الأمريكية في وجه الانحراف، يؤكد أن الديمقراطية الليبرالية قادرة على تصحيح الانحرافات، حتى لو كانت في شكل الترامبية.

لذلك، يبدو من الأفضل العودة إلى الوراء قليلا، ووضع ما جرى في سياقه العام، حينها سنلاحظ أن المعركة بدأت قبل أربع سنوات، وكان لا بد أن تنفجر قبل مغادرة ترامب البيت الأبيض. بالعودة إلى الوراء، يمكننا أن نلاحظ كيف أصر ترامب على تعرية مساوئ الديمقراطية الأمريكية، فأظهرها طيلة السنوات الأربع من حكمه كأي ديمقراطية شكلية في دول العالم الثالث، خصوصا انتقاداته، بشكل منهجي، لما اعتبره اصطفافات بين قوى المال والإعلام والإدارة والسياسة التي تكتلت ضده من أجل تنحيته، وحين أطلّ موعد الانتخابات الرئاسية، صعّد ترامب من اتهاماته ضد تلك القوى، وتابع العالم كيف قاوم بشراسة نتائج الانتخابات في أكثر من ولاية أمريكية، وكيف وجّه اتهامات قاسية إلى منافسيه بالتزوير والاحتيال، بل اعتبر، في النهاية، أن الفوز قد سُرق منه، وعندما عجز عن عرقلة المسار الطبيعي للأمور، لجأ إلى البلطجة، فأوعز لأنصاره، صبيحة أول أمس الأربعاء، بالهجوم على رمز الديمقراطية الأمريكية، أي مقر الكونغرس، حيث عاثوا فسادا وترهيبا.

في المقابل، لا يمكن تجاهل ردود الفعل الرافضة لما حصل. لقد تابع الجميع كيف أن مايك بنس، وهو نائب الرئيس ترامب، رفض الانسياق ضد الدستور والقانون، مثلما رفض ذلك زعيم الأغلبية في مجلس الشيوخ عن الحزب الجمهوري، وهو الموقف الذي أكدته مؤسسات أخرى مثل عمدة واشنطن التي أعلنت حالة الطوارئ من أجل السيطرة على الأمور، وكذلك مؤسسة الشرطة ومؤسسة الحرس الوطني، ناهيك عن وزارة الدفاع والجيش الأمريكي. لقد أظهرت النخب الأمريكية انحيازا إلى الدولة، والدستور، والمؤسسات، بما في ذلك الحزب الجمهوري الذي ترشح ترامب باسمه في الانتخابات الأخيرة، رغم أن بعض أعضائه في مجلس الشيوخ حاولوا مجاراة ترامب بمساندته، لشعورهم بالضيم مما جرى في الانتخابات الرئاسية.

نحن إزاء قوتين؛ قوة الترامبية بوصفها تيارا عريضا من الساخطين والمتمردين والرافضين، وقوة المؤسسات الأمريكية التي تعلي من قيم الدستور والقانون، لكن ما لا يمكن نكرانه هو أن شرخا قد حدث طيلة السنوات الأربع الماضية بين القوتين، وهو شرخ مافتئ يتعمق، ولم تفلح آلية الانتخابات التي أبدعها الغرب لتسوية الصراعات الحادة بطرق سلمية في ردم الشرخ بين القوتين، فتحول الصراع إلى مواجهة وصلت إلى احتلال الكونغرس من لدن الترامبيين، وقد يرد أنصار الدستور والمؤسسات باستعمال القضاء في حق «المتمردين»، خصوصا أن ترامب برّر أعمال البلطجة تلك بقوله: «هذه أمور ووقائع تحدث عندما يُسرق انتصار ساحق مقدس بطريقة غير رسمية ووحشية».

وعليه، إذا كانت أحداث «الأربعاء الأسود»، كما وصفها البعض، أظهرت أن الترامبية يمكن أن تكون ضد الدستور والقانون والمؤسسات، فإن تلك الأحداث أظهرت، في المقابل، أن الترامبية تحولت بالفعل إلى حركة سياسية رافضة للنموذج المهيمن داخل أمريكا، وهو النموذج النيوليبرالي الذي يسمح للرأسمال والتقنوقراط بالتحكم في مصير الأمريكيين والعالم.

الخلاصة أن الترامبية قد تبدو، وفق منظور معين، تهديدا للديمقراطية والمؤسسات، لكن وفق منظور آخر قد تبدو الترامبية ثورة في وجه النيوليبرالية المتوحشة. المنظور الأول يروّجه أنصار الديمقراطية الليبرالية، ممن يرون أن الترامبية أساءت إلى أمريكا وإلى قيمها وإلى النموذج الذي تمثله، لكن المنظور الثاني يؤكد أن الترامبية تعبير عن حالة رفض وتمرد، بل ثورة، ضد النموذج الأمريكي وقد آل مصيره إلى يد سلطة المال والتقنوقراط الذين حوّلوا أمريكا والعالم من حولها إلى مجرد أرقام خالية من كل القيم الإنسانية.

شارك برأيك