بند موليير – اليوم 24

بند موليير

  • أنتم.. أبناؤكم والعالم

  • سبعة دروس

في كل مناطق العالم تقريبا، تظهر قواعد تفرض التعامل على أساس “الأفضلية القومية”. والواقع أنه كلما حدث مثل هذا التطور، كان إشارة منذرة بالعودة إلى العنف.

وفقا لتعليمات غير مكتوبة، صار من اللازم في كل أنحاء أوروبا، في ثمانينيات القرن الثامن عشر (حوالي 1780)، تحرير “الأوبرات” باللغات الوطنية وليس بالإيطالية كما كان معمولا به، إلى غاية تلك الفترة. هكذا، وبطلب من إمبراطور النمسا، اعتمد “موزار” على النسخة المحررة بالألمانية لتأليف أوبرا “اختطاف في حرم القصر” سنة 1782، و”الناي المسحور” في 1791، وذلك بعد روائع أخرى بالإيطالية مثل “زواج فيغارو”.

بعد هذه الفترة بقليل دخلت أوروبا عصرا دام 25 سنة، تميز بالحروب وإذكاء القومية الضيقة. صحيح أن هذه ليست نتيجة مباشرة لتلك، ولكن مع ذلك، فقد تبين أن القومية الضيقة تنكشف أول ما تنكشف، في الثقافة قبل أن تعبر عن نفسها في المجال الجيوــ سياسي. واليوم، هناك عدد كبير من المؤشرات الشاحبة المماثلة. و”بند موليير” (الذي يروم فرض الحديث بالفرنسية فقط، في أماكن العمل على أي عامل ومنذ اليوم الأول في عمله بورش ما)، واحد منها.

ليس هذا مجال للحديث عن أهمية اللغة الفرنسية والدفاع عنها. ولكن “عدم الحديث بالفرنسية” لا يمكن أن يكون معيارا للإقصاء مبدئيا، بل إن إتقان اللغة يجب أن يكون نتيجة من نتائج الإدماج.

هل يمكن أن نتصور بفرنسا منع الطلاب الأجانب أو الفرنسيين من حضور دروس في الإنجليزية أو الصينية؟ ومنع المقاولات الفرنسية أن تعتمد في اجتماعاتها لغات مستخدميها والمتعاملين معها المتواصلين معها من بلدان أخرى بالعالم؟ كيف يمكن أن نقنع الطلاب الأجانب بالدراسة والعمل بفرنسا إذا أخذنا نفرض عليهم اللغة الفرنسية حتى قبل مجيئهم؟

إذا تصرفنا بهذه الطريقة، يتعين علينا أن نتوقع صدور “بند سيرفانتيس”، و”بند بيسوا”، و” بند ابن رشد”، أو “بند جلال الدين الرومي” أو “بند غوته”. بهذه الطريقة كم عدد الفرنسيين بالخارج المهددين بفقدان مناصب شغلهم؟ وكم عدد المقاولات الفرنسية التي ستفقد أسواقها؟ إن “بند موليير” سيتسبب لفرنسا في ركود اقتصادي كبير.

لما نتخذ إجراءات لحماية أنفسنا من الآخرين، فلا يجب علينا الاستغراب من ردهم بالمثل وحماية أنفسهم منا. إذا انخرطنا في اتخاذ التدابير الحمائية، يجب علينا أن نتوقع الرد. ومن رد إلى رد سيتحول الأمر إلى حرب. وإذا أردنا تجنبها يجب أن نتحلى بالثقة في النفس. إذا كنا نرغب في أن يتحدث مزيد منا الناس لغتنا – وهي مفتاح قوتنا في المستقبل- ويأتوا إلى بلادنا بقوة عملهم وإبداعهم، فيتعين أن نخصص لهم استقبالا حسنا بفرنسا، ويجب أن نفرض على المشغلين الفرنسيين أن يمتعوا عمالهم الأجانب بالأجور نفسها والخدمات الاجتماعية نفسها المخصصة لزملائهم الفرنسيين. إذاك سنراهم يقبلون على تعلم الفرنسية بشكل تلقائي. الشيء ذاته بالنسبة إلى الطلاب: حتى لو كانوا يدرسون جزئيا بالصينية أو الإنجليزية بفرنسا، فإنهم سيتعلمون الفرنسية بشكل تلقائي لتقاسم شؤون الحياة اليومية والترفيه مع رفاقهم الفرنكوفونيين.

إن فرنسا، أسوة بالبلدان الكبرى الأخرى، تعيش في عالم تتشابك فيه المصالح ويتسم بالتعاون المتعدد الأقطاب. بإمكاننا أن نعيد النظر فيه لتأكيد سيادة وهمية: هذا تصرف انتحاري.

إن الاستقلال الحق والسيادة الحقيقية ليس في الانعزال والانغلاق، بل هما يتحققان في مواجهة الآخرين سلميا وبشكل متحرر من العقد.. مواجهة قوتهم.. مواجهة مواهبهم. وهذا كله ليس لمحاربتهم، بل لتقاسم المشاريع معهم.

ترجمة مبارك مرابط عن “ليكسبريس”

شارك برأيك