وماذا عن الثقافة؟ – اليوم 24

وماذا عن الثقافة؟

  • أنتم.. أبناؤكم والعالم

  • سبعة دروس

إن هذه الحملة الانتخابية هي، بلا شك، الأولى منذ بدايات الجمهورية الخامسة التي تنتهي دون أن يتم التطرق خلالها للقضايا الثقافية بجدية.. تنتهي دون أن تقوم لجان الدعم بجمع الفنانين، والكُتاب، والموسيقيين البارعين، الذين يدعون إلى التصويت لهذا المرشح أو ذاك.. تنتهي دون أن يقوم كل ساع إلى احتلال هذا الموقع الرفيع (الرئاسة)، بالكشف عن الأهمية التي يوليها لهذا الرهان الثقافي.

لم تحدث أي مواجهة مباشرة بين المرشحين حول أي من هذه القضايا: ولّى ذلك الزمن حين كان المرشحون يتصارعون حول هندسة متحف ما أو مضمون مكتبة ما.. ولّى ذلك الزمن حين كان الناس يتبادلون الأغاني المعدة على شرف مختلف المرشحين.. حين كانوا ينخرطون في نقاشات حادة حول مكانة الفن المعاصر الطلبيات العمومية، أو حول الاستفادة من الموسيقى أو السينما على الإنترنيت.

صحيح أن كل المرشحين تقريبا انضبطوا للتمرين المفروض والمتمثل في تقديم برنامج ثقافي، تناولوا فيه، كلهم تقريبا وبدرجات متفاوتة، قضية التعليم الفني، ووضع العاملين في المجال الفني، ومواقيت افتتاح المكتبات. بل إن بعضهم تحدثوا، بدون حماس كبير، عن الفرانكوفونية. لكن ولا واحد منهم جعل الشأن الثقافي واسطة عقد برنامجه، ولا أحد منهم تعارك صراحة من أجل إصلاح أساسي في هذا المجال، وكأنه صار قطاعا ثانويا بشكل نهائي. كأن الثقافة وُضِعت جانبا بشكل نهائي وحل محلها الترفيه.

إن الفنانين، في كل المجالات، لم يخطِئوا حين قرروا عدم دعم أي من المرشحين. وهؤلاء لم يسعوا إلى الحصول على أصواتهم، لأنهم انتبهوا إلى أن الرأي العام لم يعد يعتبر الفنانين موجهين شرعيين، بل يضعونهم في خانة المحظوظين غير الشرعيين الذين يستحسن التخلص منهم، أو على الأقل الاحتراز منهم بشكل أو بآخر.

والحال أن هناك العديد من القضايا الأساسية كان يجب أن تُحيلنا على المجال الثقافي! مثلا: ما السبيل إلى جعل كل سكان هذه البلاد يتحدثون كلهم اللغة نفسها، وبإتقان؟ هذا يفترض بالخصوص توفير مزيدا من الوسائل لتعليم الفرنسية، التي صارت لغة أجنبية بفرنسا.

أو مثلا: ما السبيل إلى جعل ثقافتنا تواصل الاغتناء من الثقافات المقبلة من الخارج، ولكن دون أن تصبح مجاورة لثقافات مختلفة، بل ومعادية؟ هذا يفترض وجود التسامح وحب الاستطلاع والاكتشاف، والانجذاب إلى الآخر، وفي الوقت ذاته يفترض وجود فكرة واضحة عن فرنسا، وماذا يجب عليها أن تواصل إضافته إلى العالم.

أو أخيرا: ما السبيل إلى جعل كل واحد من سكان هذه البلاد، حيثما كان، ومهما كان أصله، يمتلك (ويحافظ طوال حياته) على الرغبة والوسائل للتعلم، إذكاء حب الاستطلاع والاكتشاف، والإبداع والأصالة؟ هذا يفترض أن يتعلم المرء كيف يحقق ذاته، الشغف بالمحاولة، وبذل المجهود، والمخاطرة، وتقاسم التجارب، وقدرة على تقبل الفشل، وحتى التعرض للسخرية.

عن كل هذا، الذي يبني الأمم العظيمة، لم يتحدث أحد.. لحد الآن على الأقل، وهذا مؤشر سيئ حقا.

إن الأمم تتغذى على الجدالات الثقافية الكبيرة التي تندلع فيها. وتموت لما تنتفي فيها هذه الجدالات، لما يقبل كل واحد فيها التحول إلى مجرد مستهلك لأنواع الترفيه المعزولة والمتجاورة. هذا ما يهددنا.. هذا ما يهدد كل الأمم المتقدمة المثقلة بوزن إرثها.

فقط، باستعادة حِسّنا الإبداعي الجماعي، سنفلح في إعادة فتح السبيل المُفضي إلى ازدهار كل واحد وسعادته.

ترجمة مبارك مرابط عن “ليكسبريس”

شارك برأيك

سمير التدلاوي

لأن الفنانين لم يعودوا فنانين

“كأن الثقافة وُضِعت جانبا بشكل نهائي وحل محلها الترفيه”. هذه الجملة وحدها تفسر لماذا “ولّى ذلك الزمن.. حين كانوا ينخرطون في نقاشات حادة حول مكانة الفن المعاصر … أو حول الاستفادة من الموسيقى أو السينما … أو المسرح”. لأن الفنانين في زمن السهولة والإنترنيت لم يعودوا فنانين؛ أصبحوا مُرَفِّهَين، أو مسلِّيِّين للجمهور.
إذا كان الأمر في فرنسا قد أصبح على هذه الحال؛ فرنسا التي كان الفن والثقافة فيها دائما رافعة للتربية والتثقيف، وقطاعا اقتصاديا مربحا في نفس الوقت للمستثمرين فيه وناشرا للثقافة واللغة الفرنسية عبر العالم؛ إذا كانت فرنسا هذه مع كل ما راكمته من إبداع ثقافي وفني؛ قد أصبح الرأي العام فيها “لم يعد يعتبر الفنانين موجهين شرعيين، بل يضعهم في خانة المحظوظين غير الشرعيين الذين يستحسن التخلص منهم، أو على الأقل الاحتراز منهم بشكل أو بآخر”. إذا كان الأمر قد بلغ هناك هذا المبلغ فما الذي يجب قوله عن حتالاتنا الذين احتلوا مكان فنانين كابدوا زمنا في غياب أي اهتمام بالثقافة والفن؛ في زمن الإبداع الحقيقي، وأضطروهم للاعتزال أو الركون إلى زوايا النسيان؟ ما الذي يجب قوله عن ترفيه باهت وضحل يسمى فنا يمارسه أناس يكتبون كلاما زنقاويا يسمونه كلمات؛ بل شعرا، ويلحنه ويغينه لهم متطفلون كل زادهم يتمثل في “سانتتيتيزور” وعلبة إيقاعات، و القدرة على التعاطي مع شبكات التواصل وشراء (les vues)؛ لدرجة أصبحت معها الأغنية تصل إلى مئات الملايين من (les vues) قبل حتى أن يسمعها أحد؟ في وقت لا يجد الفنانون الحقيقيون مجالا لإيصال إنتاجاتهم إلى جمهورهم.

إضافة رد