الأذن والعين – اليوم 24

الأذن والعين

  • ابتسامة “إيديا”

  • فرصة ضائعة

تذكرت مرة أخرى، وأنا أطالع ما يُنشر حول التقرير الذي خصصه المجلس الأعلى للتعليم لتدهور القيم في المدرسة المغربية، تلك الشخصية، التي ستجد نفسها فجأة أمام التلاميذ في قصة “الرجل الذي وجد البرتقالة” لأحمد بوزفور، فيكون أول درس تلقيه عليهم هو أن أوجب الواجبات هي “حب الله وحب الشرطة”!

وفي تقديري، فإن أزمة القيم الحديثة والكونية نابعة:

أولا، من كون المدرسة المغربية أصرت دوما، وبطرق مختلفة منها الظاهر ومنها الخفي، على تكريس هاتين القيمتين اللتين وردتا على لسان ذلك الرجل الذي وجد البرتقالة بعدما تعرض لتعسف الأمن، أي: الانصياع لتصور معين للدين والتدين تفرضه السلطة، والخضوع لضوابطها المتعسفة.

ثانيا، من كون هذه المدرسة لم تفلح – عن عجز أو عن قصد- فيما يسميه علماء الاجتماع “ترسيخ المعارف” (anchrage des connaissances)، أي تحويلها من مجرد حروف وأصوات إلى كائنات حية تسير مع التلميذ في الشارع وتجلس معه في البيت وتنام في حضنه، ومن بين هذه المعارف طبعا كل تلك القيم الأخرى التي كان من شأنها أن تساهم في نقل التلميذ المغربي من مجرد كائن غير فاعل في جماعة إلى فرد نشيط في مجتمع، مثل: الاعتزاز بالنفس والثقة فيها، احترام الآخر، النزاهة، الحوار … إلخ.

كانت دوما المدرسة – وهي الآلية الأساسية في عملية زرع القيم وتكريس أو تغيير النظام الاجتماعي، وبالتالي السياسي والثقافي- تقوم في تقديري على ما سمّاه المفكر عبدالسلام بنعبدالعالي مرة “ثقافة الأذن” مقابل “ثقافة العين”. والأذن في ثقافتنا مرتبطة بالسمع والطاعة والانصياع، بينما العين مرتبطة بالعقل والتفكير والبصيرة.

فمنذ الاستقلال، بل وحتى قبله بكثير، كان التعليم المغربي يتبنى في عمومه “ثقافة الأذن”، التي تقوم على الحفظ، وتعمل على تكريس الانصياع لقيم معينة، ويأتي في مقدمتها، في تقديري، التصور الذي ترسخ حول “العملية التعليمية” في حد ذاتها. إذ ارتبطت دائما بما أسميه “ظل السلطان”. فالكائن المغربي لم يكن يقصد مقعد الدراسة سوى لأنه يفضي فيما بعد إلى “عمل” في سلك الإدارة (تعليم، صحية، داخلية، مالية.. إلخ) المعروف بنمطيته الرتيبة وتراتبيته، وضوابطه التي قد تقتل أي حس إبداعي في الكائن إن استسلم لها بالكامل، وهذا ما يحدث في الغالب الأعم. ولما لم تعد هذه المدرسة العمومية تحقق هذا “الهدف”، أخذ هذا الكائن ينفر منها، بل ويناصبها العداء. ولعل ذلك العنف وعدم الانضباط والتحرش، وغيرها من الظواهر التي تحدث عنها تقرير المجلس الأعلى للتعليم، ليس سوى تمظهرات لهذا العداء.

والحال أن المواطنة والحرية والكرامة والديمقراطية وغيرها من القيم المرتبطة بالحداثة وبالفرد الفاعل في مجتمعه، ستجد صعوبة في التجذر في تربة التعليم المغربي ما لم ينتقل إلى تبني “ثقافة العين”، التي تقوم على التفكير والسؤال والسعي إلى الاختلاف وليس النمطية، وتعتمد تكوين الكائن المغربي ليصبح فردا فاعلا يسعى إلى اكتساب القيم الكونية، وليس الاكتفاء بتلقينه تلك العناصر التي تكرس وضعا كمجرد لبنة صماء في بناء الجماعة.. لبنة ستظل تكرر مع صاحب البرتقالة في قصة بوزفور بأن أوجب الواجبات هي “حب الله وحب الشرطة”.

شارك برأيك