“كان” و”نتفليكس” ومستقبلنا – اليوم 24

“كان” و”نتفليكس” ومستقبلنا

  • أنتم.. أبناؤكم والعالم

  • سبعة دروس

إنها سابقة: مهرجان “كان” يعترف للإبداعات السمعية البصرية، الموجهة إلى شبكات توزيع أخرى غير الشاشة الكبرى، بقيمتها الحقة ومكانتها. وهو يركز بالأساس على السلسلات التلفزيونية التي تسمح بتجنب إكراه الحضور في القاعات المظلمة، لحكي قصة طويلة ومنح حياة طويلة لشخصيات وأوضاع وعوالم، تماما مثل القصص المسلسلة للقرن التاسع عشر والنصف الأول من القرن العشرين.

بتصرفه هذا، يقر المهرجان بالدور الاجتماعي والاقتصادي لمنصات، من قبيل”نتفليكس” وشبيهاتها، التي تقترح على المشتركين فيها مخزونا مافتئ يتضخم من الأفلام والسلسلات من كل الأصناف، وتتكلف أكثر فأكثر بإنتاجها. والحال أن هذه المنصات كانت، وإلى وقت قريب جدا، تحارب بشراسة من طرف عالم السينما، الذي كان مقتنعا بأن السبيل الوحيد لمشاهدة فيلم هو شراء تذكرة في القاعة المظلمة، والذي كان يعارض بشدة استهلاك الأفلام على الإنترنيت، مجانا أو بالاشتراك، معتبرا ذلك سرقة صُراحا.

والمفارقة أن الاعتراف بهذه المنصات فرض نفسه في الوقت الذي صار فيه متجاوزا. إذ قريبا جدا، سيقل أكثر فأكثر عدد الناس الذين يقصدونها للبحث في كاتالوغات أفلامها، ولن يهتم المتفرجون سوى بالجديد الذي تنتجه: كل منصة ستتحول تقريبا إلى قناة تلفزيونية، حيث لن يهتم المتفرج سوى بما لم يسبق بثه، وحيث ستضمحل شيئا فشيئا الحاجة إلى كاتالوغ.

هذا الوضع لا يقتصر على المنصات المتخصصة في السينما. فقد سبقت إليه، منذ مدة، تلك المهتمة بالموسيقى التي تؤشر كما العادة على التحولات الاجتماعية الكبيرة. سيكون هذا وضع كل المنصات الأخرى، ما سيفرض على المجتمع قاعدة مجنونة: المخزون لا قيمة له، تدفق الجديد وحده يستحق الاهتمام.

صحيح أن المخزون أضخم بكثير من التدفق، لأنه يتشكل من مجموع كل التدفقات الماضية. ولكن لن تكون له أي قيمة قريبا لأن الشيء الوحيد الذي سيكتسي الأهمية هو ما سيوصف بـ”الجديد”.

والواقع أن هذا ما يعتمل في العديد من المجالات: في الأدب، في الفلسفة، في السياسة وفي الاقتصاد. الجديد هو وحده الذي سيحظى بالأهمية. وسننسى الماضي الذي لن يكتسي الأهمية إلا إذا تنكر في زي الجديد: عازفون جدد لروائع موسيقية، تناول مختلف لقضية قديمة من طرف كاتب جديد، إيديولوجيا قديمة جدا، بل نتنة، يعرضها خطيب مفوه جديد.

وكرد فعل على كل هذا، سنرى (نتابع من الآن) عودة النوستالجيا، ورفض التدفق لصالح المخزون: القديم سيتم تبجيله وتقديسه، والجديد ستتم مطاردته والعمل على حظره.

هذان السلوكان مجنونان، وسيدمران رفاهيتنا. فهذه الأخيرة تفترض الانفتاح على الجديد والغرف من الماضي، دون الحاجة إلى الاختيار بين هذا وذاك، وذلك بخلق حوار بينهما.. بالتعلم من الثاني لإبداع الأول.. بقراءة الأعمال الكلاسيكية الكبيرة والاستماع إليها ومشاهدتها، لنتعلم كيف نختار الأفضل من هذا التدفق المتكاثر للأعمال الجديدة التي تكون غالبا زائلة.

 

ترجمة مبارك مرابط

عن “ليكسبريس”

شارك برأيك