صرخة الألم – اليوم 24

صرخة الألم

  • الأيام البطيئة والسنوات السريعة

  • الصورة والواقع

شخصيا ارتبط عندي الريف، لما كنت طفلا ثم يافعا، بالقسوة. في المدرسة (الإعدادية بالخصوص)، علّمنا مدرس التاريخ والجغرافيا أن الريف منطقة وعرة ذات تضاريس قاسية. في الدرب وصلت إلى مسامعي الصغيرة والساذجة كل تلك الكليشهات العنيدة التي تقول إن “ريافة” أناس قساة، سريعو الغضب، و”الروح عندهم ساهلة بحال شربة الما”، ولا يخافون “المخزن”! هذا الكائن الهلامي الذي كانت رنة اسمه تبث الرعب في أوصالنا الصغيرة.

كل هذه الصفات الحادة هي التي خولتهم “احتكار” زراعة الكيف والحشيش والاتجار فيهما.

كبرت قليلا أو كثيرا وانتبهت إلى أن رفاقي في الدراسة ذوي الأصل الريفي لا يقلون لطفا عن أقراني الآخرين، وإن كانوا مثلي قد أخذوا جرعاتهم من تلك الكليشهات. وبفضل الحظ، وهو ساعي بريد السماء كما يقول محمود دوريش، قرأت “الخبز الحافي” وعرفت أن محمد شكري ريفي. وصفعتني الخلاصة: القسوة ابنة شرعية للتهميش. والاحتجاج صرخة المتألم.

واكتشفت أن الريف، الممتد من الجبل إلى الجبل ومن الجبل إلى البحر، واحد من تلك الجهات المغربية التي لم تعرف، منذ استقلال المغرب وحتى قبله، سوى الهامش، الهامش الذي يتيه عن البال سريعا، يسقط من خارطة الاهتمام بسهولة. وكلما صرخ هذا الريف لإثارة انتباه الأعين والأذان الغافلة إلا وكان نصيبه التنكيل ومزيدا من التهميش (أحداث 1958/59 و1984). وكلما صدرت عن مسؤولين ينحدرون منه تصرفات اعتبرها النظام “غير لائقة”، إلا ونال كل سكان المنطقة نصيبهم من “العقاب الجماعي”، المتمثل في إسقاطها من كل برامج التنمية وتطوير البنيات التحتية على قلتها.

إن التوتر الشديد اليوم في الريف وحدة الخطاب الذي يتداوله سكانه، ليسا في العمق سوى إفرازات عقدة طويلة من التهميش والعزلة السياسية والاقتصادية والاجتماعية وحتى الثقافية، حتى كاد حبل الصرة ينقطع مع شريحة من الريفيين الذين لم يعودوا يشعرون بالانتماء إلى الجغرافيا المسماة المغرب، ويرفع بعضهم أصواتا تنادي بجغرافيا بديلة، وتحن إلى ماض كان له سياقه الخاص (إعلان جمهورية الريف في العشرينيات)، بدل التطلع إلى المستقبل.

ونزع فتيل هذا التوتر وقص أجنحة الخطابات الجامحة، لا يتم بحشد طبقة سياسية لا يحظى جلها بثقة الكائن المغربي ــ سواء في الريف أو في أي جهة أخرى من المغرب ــ وتحويلها إلى مظلة لتجريب تلك الوصفة الأمنية التي لم تعالج المرض في الماضي، بل فقط غطته بمرهم أمني وأخفته عن الأنظار وتركته يستشري في الجسد ويتعمق في أوصاله.

أخشى حقا أن يفضي التعامل الخاطئ للسلطة مع مرض الريف إلى تحقق بعض من تلك الكليشهات، التي كانت أصوات سرية تبثها بخبث في أسماعنا ومازالت…

شارك برأيك