1année 2cons

04 يناير 2019 - 14:40

اختتمت السنة التي مضت غير مأسوف عليها بقرار قضائي ابتدائي، قضى بحل جمعية «جذور» بسبب حلقات من برنامج «عشاء المعتوهين» تحت عنوان: «ملحمة العدميين» صُوّرت بمقر الجمعية. وبحسب محامي الجمعية، فإن النيابة العامة التي التمست الحل تغاضت في مرافعاتها عن كون الجمعية لا علاقة لها بالبرنامج، وأنها فقط، مكّنت المسؤولين عنه من فضاء تصويره، والحال أن البرنامج صُورت حلقات منه في حانات معروفة بالبيضاء، قبل أن تمتنع جميعها عن ذلك، لسبب يعلمه الراسخون في المنع، ولم يطل أيا منها إغلاق قياسا على حل الجمعية، مما يجعلنا نخمن (وليس كل الظن إثما) أن هذا التشدد في إعمال «القانون»، المقرون بازدواجية المعايير، هو رسالة لباقي الجمعيات التي تضع مقراتها رهن المجموعات والديناميات الممنوعة من حق التنظيم، كما هو رسالة إلى المبادرات الثقافية والحقوقية والإعلامية والتدوينية التي تتجاوز السقف المحدد «مخزنيا»، فالسلطوية لا تفرق في هذا بين رشيد غلام الإسلامي، ولا عادل السعداني العلماني .

وقد ذكرني توقيت صدور الحكم الابتدائي بحل جمعية معروفة بانحيازها ثقافيا للعلمانية والتحرر، أياما قليلة بعد مجزرة إمليل الوحشية، بما وقع بعد أحداث 16 ماي الإرهابية، فسنتئذ وبعد موجة الاعتقالات في صفوف السلفيين، تم اعتقال مجموعة من الموسيقيين الشباب على أساس أنهم من «عبدة الشيطان»، وكأن الدولة تحاول أن تقدم نفسها حامية للحداثة من التطرف الديني، وحامية للدين من التطرف العلماني، قد يكون الأمر مصادفة، ولكن للتاريخ مكره كما قال «هيغل»، وهو نفسه التاريخ الذي، حسب «ماركس»، يعيد نفسه في المرة الأولى على شكل مأساة، وفي المرة الثانية على شكل مهزلة، وهي ما نعيشه.

إلى حدود سنوات قليلة كانت بعض حانات البيضاء، وفي مقدمتها «لو بوتي بوسي» تحتضن كل جمعة أخيرة من الشهر أمسية ثقافية تنظمها حلقة أصدقاء «ديونيسوس»، كان الشاعران الممتلئان حبا للحياة ودماثة أخلاق: بوجمعة أشفري وعنيبة الحمري يسهران بأخلاق «العناية» على التفاصيل الصغيرة لسمر أدبي وفني باذخين، يؤثثه الشعر والموسيقى والزجل والنبيذ، في مدينة إسمنتية تقتل شعراءها وعشاقها، وتتجه بسرعة مجنونة نحو التطرف والقبح والكراهية والعنف، وبعدما تنتهي الأمسية كان أغلب الحاضرين يتوجهون نحو حانة «سينترا»، حيث يرتوون ثانية بخالدات الموسيقار محمد عبدالوهاب، بأداء وعزف متفردين للفنان حسن السقاط،، كانوا مسالمين ووديعين، كانوا حراسا للجمال ورفاقا «لمنيرفا» ومنتظرين عودة «بروميثيوس».. اليوم، هجر عود السقاط  ليل «سينترا» التي تم «ترميمها» بما يقطع أي علاقة لها بهندستها المعمارية والفنية، التي جعلت حسن أوريد يؤرخ لذاذاتها وجماليتها في رواية تحمل اسمها.. لكن المفارقة أن بعض المنابر التي تهاجم اليوم، أمين بلغازي ويوسف المودن، اللذين أحييا تقليد حلقة «ديونيسوس» عبر برنامج «عشاء المعتوهين»، وأضافا له تحويل السمر المغلق لبرنامج يبث على «اليوتيوب»، هي نفسها المنابر التي كانت تشيد بأماسي «عشاء ديونيسوس»، العشاء الذي بدوره تم وأده في صمت ودون تضامن ممن كانوا يملؤون صفحات ملحقهم الثقافي بكلمة بوجمعة أشفري في افتتاحيات تلك الأماسي.. انصرف بوجمعة والحمري وخلانهم لعزلتهم في/ ورفقة «الشاطو بريان» مخلصين لهاتف: هل رأى الحب سكارى مثلنا..

يخطئ من يراهن على السلطوية في حسم الصراع الإيديولوجي، فالسلطوية كالماء لا طعم ولا لون ولا رائحة لها، السلطوية نقيض الحرية والحداثة والتحرر، سكت الإسلاميون ومنهم من انتشى بمصادرة كتاب رشيد أيلال حول البخاري، وتغاضوا عن منع فنانة تشكيلية من عرض بعض اللوحات في معرض بتطوان بدعوى أنها خادشة للحياء، وتلكأ بعض الحداثيين حول المنع الذي يطال فن رشيد غلام، لم يتحركوا بما يقتضيه المقام حين منعت ندوة حول كتاب ترجمه محمد جليد حول جذور الوهابية، الكتاب الذي منع من العرض حتى في المعرض الدولي للكتاب بالبيضاء..

حين يؤمن الإسلاميون أن الحرية سابقة على المعتقد، وحين يؤمن الحداثيون أن من شروط الحداثة الحق في التعبير والوجود لنقيضها، سنستفيق من وهم المراهنة على السلطوية، السلطوية التي احتضنت جزءا من الإسلاميين في المجالس العلمية، وجزءا من اليساريين في المجلس الوطني لحقوق الإنسان، وجزءا من الأمازيغيين في المعهد الملكي للثقافة الأمازيغية، كما منعت العدل والإحسان من الحق في التنظيم، ومستمرة في حصار ومضايقة الجمعية المغربية لحقوق الإنسان، وقضت بسنوات من السجن طويلة في حق مناضلي الحركة الثقافية الأمازيغية الذين انخرطوا في حَراك الريف.

شارك المقال

شارك برأيك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.