.قصة انسحاب الاستقلال من الحكومة باختصار

22 يوليو 2013 - 13:19

 

ما الذي تغير في حزب الاستقلال، منذ دخوله إلى حكومة عبد الإله بنكيران قبل سنة ونصف إلى الآن؟ هل غير الحزب إيديولوجيته، حيث صار أقرب إلى اليسار منه إلى اليمين؟ هل غير نهجه السياسي، وأصبح أميل إلى مقاطعة المؤسسات عوض المشاركة؟ هل أصبح الحزب يرى في شركائه داخل الأغلبية خصوما سياسيين أو إيديولوجيين؟ أبدا، شيء من هذا لم يقع. حزب علال الفاسي مازال حزبا محافظا سياسيا واجتماعيا، مكانه التقليدي في اليمين. اختياره الاقتصادي رأسمالي مع بعض التوابل الاجتماعية. ثقافته إسلامية وطنية، وقاعدته خليط من البرجوازية والطبقة الوسطى والكادر الإداري. يرى مكانه الطبيعي في الحكومات وليس في المعارضة، وهو حزب براغماتي يتكيف مع كل الأوضاع، ويسعى دائماً إلى الوفاق مع القصر، إلا في ما ندر. 

الذي تغير ظاهريا في الحزب هو قيادته فقط، حيث انتقلت الزعامة فيه من يد العائلة الفاسية، التي كانت تتناوب مع العائلة المراكشية على إدارة الحزب وفق أعراف وتقاليد مرعية، إلى قيادة جديدة قادمة من النقابة ومن الأوساط الشعبية التي كانت مهمشة في أجهزة الحزب. 

هذه القيادة، وبعد أن أحرزت نصرا كبيرا على حكم العائلات التي ترهلت بفعل الزمن وبفعل ممارساتها الزبونية، تصورت أنها قادرة على لعب أدوار كبيرة على المستوى الاستراتيجي في لعبة السياسة في البلد. شباط لا يختلف عن حزب بنكيران في أمور جوهرية، وجل القرارات التي خرج ينتقدها في عمل الحكومة اتخذها الوزير الاستقلالي في المالية (إصلاح صندوق المقاصة ليس مشروعا جديدا، بل هو ملف قديم حاول اليوسفي الاقتراب منه، ثم عباس الفاسي والآن بنكيران)… إذن أين المشكلة بين شباط وبنكيران؟ 

المشكلة موجودة في مكان آخر، وهي مشكلة قادمة من عجز نظامنا السياسي ونخبه عن التأقلم مع نتائج صناديق الاقتراع، ومع وثيقة دستورية متقدمة نسبيا على ثقافة الفاعلين وسلوكهم الاعتيادي. كيف ذلك؟ 

شباط، بحسه النقابي ونهجه البراغماتي، شعر بأن مشاركة حزب الاستقلال في حكومة بنكيران، كما وضع أسسها عباس الفاسي، لن يستفيد منها الحزب ولا زعيمه الجديد، وأن هناك فرصة ذهبية للعب دور أكبر قد يفتح الباب لرجوع حزب الاستقلال إلى المرتبة الأولى في الانتخابات القادمة وإلى قمة قيادة الحكومة. ما هو هذا الدور؟ الدور هو: عوض أن تشارك في حفلة لن ينالك منها إلا الفتات، قم بهدم الحفل من أجل إعادة توزيع الكعكة من جديد، والعب في صف الكبار المنزعجين من صعود حزب بنكيران، الذي إن استمر على هذه الوتيرة فإنه سيحصد الأغلبية في الانتخابات القادمة، وآنذاك لا يستطيع أحد الوصول معه إلى اتفاق أو تفاهم. 

شباط، وبعد أن وصل إلى عمادة المدينة العلمية فاس، وبعد سيطرته على قيادة نقابة الحزب، ثم جلوسه على كرسي اللجنة التنفيذية، ثم وصوله إلى قيادة أعرق حزب في البلاد، لم تعد شهيته تعرف الممكن من المستحيل، ولهذا كان مدفوعا بطموح جامح نحو التسلق إلى أهداف أبعد. هذا هو الجانب الشخصي في الصراع بين شباط وبنكيران. هذا الأخير لم يبذل مجهودا، تحت تأثير النفور من شخصية شباط، للتوصل معه إلى حل. واعتبر منذ اليوم الأول لوصول شباط إلى قيادة حزب الاستقلال أن الوافد الجديد له أجندة أخرى وحسابات أخرى، ولهذا فضل تجاهله حتى يفصح عن نواياه. 

هذه مغامرة كبيرة من شباط، أن يُخرج الحزب من الحكومة بعد 15 سنة من الجلوس على كراسي الوزارات بدون انقطاع. لا أتصور أن الحزب يستطيع أن يجلس طويلا في صقيع المعارضة لأنه يعرف أن بنية الحزب لا تسمح، والوشائج التي تجمع بين مقر باب الحد وأعيانه ونخبه وإدارييه وأتباعه ومناضليه لا تسمح ولا تقوى على عبور الصحراء طويلا. 

حزب الاستقلال، عندما استعمل ورقة الفصل 42 من الدستور قبل مغادرة الحكومة، لم يكن يجهل أن هذا الفصل معمول للتحكيم بين مؤسسات الدولة في أزمنة الأزمة. إنه يعرف هذا لكنه كان ينوي أن يؤمّن قفزة في الظلام بغطاء ملكي، ومحاولة التلويح بالانسحاب من الحكومة لدفع بنكيران إلى الجلوس إلى طاولة المفاوضات من أجل اقتسام غنيمة الحكومة بما يرضي شهية القيادة الجديدة، وإلا فإن الذي لا يلعب يمكن أن يفسد اللعب. هذه هي القصة باختصار.

 
شارك المقال

شارك برأيك
التالي