أطفال السيدا.. هذا ما جناه علي أبي

25 يوليو 2013 - 07:19

الزمان: الساعة التاسعة صباحا ، المكان: مدخل مستشفى الأطفال التابع لابن سينا بالرباط، التوقيت والمكان يوافق موعدنا مع المساعدة الاجتماعية بجمعية «شمس» لدعم ومساندة الأطفال المصابين بداء فقدان المناعة المكتسبة «السيدا». إنه اليوم الذي تحضر فيه العائلات من مختلف أنحاء المغرب مرفقة بأطفالها المتراوحة أعمارهم بين بضعة أشهر وخمس عشرة سنة لإجراء التحاليل والحصول على الأدوية اللازمة.

هناك في المستشفى في إحدى الغرف المخصصة للأرشيف ننتظر وصول العائلات بعدما أعدت المساعدة الاجتماعية الملفات الطبية للمرضى المرتقب حضورهم في ذلك اليوم. بعد حوالي ربع ساعة تبدأ العائلات المكونة أساسا من أمهات وأطفالهن بالوصول، يعرفون وجهتهم، ليس عليهم البقاء في ممرات المستشفى أو أمام غرفة الفحص حتى لا يلفتوا الانتباه، الوجهة مباشرة نحو غرفة الأرشيف، حيث ينادى من حين لآخر عليهم تباعا للتوجه إلى غرفة الفحص، حيث تجري الطبيبة الفحص الاعتيادي للأطفال قبل أن تطلب إجراء التحاليل لهم لاكتشاف مستوى مناعتهم ومعدل الكريات البيضاء في الدم. تبدأ العائلات في الوصول تباعا، أغلبهم بل جميعهم يبدون عاديين، مثلنا ومثل الجميع، سواء الأولياء أو الأطفال، أطفال في عمر الزهور، أبرياء ووديعون، يوزعون الابتسامات على الممرضين والنزلاء، يبدون من النوع الذي تراه في الشارع وتستسلم لبراءته فتدنو منه لتقبيله بالرغم من أنك لا تعرفه.

تظن للوهلة الأولى أنهم لا يجب أن يكونوا في ذلك المكان، فهم لا يبدون مرضى. هم مختلفون في الأعمار وفي المستوى الاجتماعي والثقافي، كما تختلف الوجهات التي أتوا منها، فمنهم من جاء من الشمال وآخرون من الجنوب ومن الشرق ومن الغرب، قاسمهم المشترك ذلك المرض الذي لطالما ارتبط في أذهان الناس بالجرائم الأخلاقية، مرض يخشى البعض حتى ذكر اسمه، داء فقدان المناعة المكتسبة، الإيدز أو السيدا.

 

نسرين.. طفلة  تعاني اليتم والمرض

أول الواصلين امرأة كبيرة في السن، تبدو في الستينات من العمر، تمسك بيد طفلة في العاشرة. الثنائي القادم من الخميسات كان يبدو متعبا، خصوصا الجدة التي ارتسمت على محياها علامات الأسى الذي حفر قصته على وجهها في شكل تجاعيد كل واحدة منها تبوح بقصص تحمل الكثير من الحزن والمعاناة. بمجرد سؤالها عن حالها، تبدأ الجدة في سرد قصتها وهي تتأوه وتئن محاولة تخفيف حملها الثقيل بإشراك آخرين في معرفة تفاصيل قصتها. «الراجل اللي فيه كثرة الهضرة ما تيقيش فيه أبنتي.. داكشي اللي خرج على بنتي». كانت تقصد ابنتها المتوفاة أواخر سنة 2002 في عمر لا يتجاوز الثانية والعشرين، بعد أيام قليلة من وضع طفلتها الوحيدة نسرين. بدافع الحب تزوجت والدة نسرين.. أغواها الرجل بالكلام المعسول والوعود الرنانة، على حد تعبير الجدة، كانت له علاقات كثيرة قبل الزواج. بعد الزواج فارقت أم نسرين لأول مرة والدتها، وتركت مسقط رأسها بالخميسات لتتوجه رفقة زوجها إلى إحدى مدن الجنوب حيث كان يعمل في أحد الفنادق.

بعد أشهر قليلة ستحمل العروس الجديدة، وبعد تسعة أشهر ستضع مولودتها، ستتصل بأمها لتخبرها بالنبأ السعيد، وتؤكد لها أنها ستعود قريبا رفقة حفيدتها إلى الخميسات. «كانت تتقول ليا قريبة نجي أمي قريبة نجي.. وجات ولكن فلامبلانس»، بعد أيام من وضع نسرين ستصاب والدتها بطفح جلدي سيتطور بسرعة لتتوفى بعد أقل من شهر، سيُحمل جثمان الأم جثة هامدة إلى مسقط رأسها، حيث ستدفنها أمها، وتأخذ حفيدتها بين ذراعيها متعهدة بتربيتها وحمايتها لتكون لها خير عوض عن الأم المفقودة، خصوصا بعدما تخلى عنها والدها ليعود إلى مدينته غير سائل عن مصيرها، أو مدى قدرة جدتها على رعايتها وتلبية جميع حاجاتها. عاشت الجدة الأشهر الأولى رفقة حفيدتها الصغيرة في ظل سماء لا يعكر صفوها شيء، غير أن الطفلة ستصاب بالمرض، وبعد التوجه إلى أكثر من طبيب وإجراء عدد من الفحوصات، سيؤكد الجميع أن الطفلة لا تعاني شيئا، بعد ذلك ستزداد حالة الطفلة سوءا، وستصيبها الحمى، لينصح طبيب آخر الجدة بأخذها إلى مدينة الرباط وعرضها على أطباء ابن سينا، هناك ستقرر الطبيبة التي فحصت نسرين إجراء تحليل «السيدا» لها. النتيجة كانت إيجابية، وتأكدت إصابة الطفلة بالمرض. كانت صدمة جدتها كبيرة غير أنها ستتمالك نفسها، وستعود إلى مدينتها لتجمع حاجياتها وتخبر أبناءها بأن نسرين مريضة وتحتاج إلى البقاء معها لبعض الوقت في المستشفى، حيث ستقضيان بضعة أسابيع في المستشفى ستتلقى خلالها نسرين الرعاية الطبية اللازمة، بعدها ستعودان إلى مدينتهما، لتبدأ رحلة الجدة لتربية حفيدتها وتعليمها بالرغم من كل الصعوبات.

نسرين اليوم تدرس بالمستوى الخامس ابتدائي، متفوقة في دراستها، وتتمنى أن تصبح يوما ما طبيبة أطفال. تعلم أنها مريضة ولكنها لا تعرف طبيعة المرض، وتعرف أن عليها تناول الدواء في وقته، ولذلك تذكر جدتها به في كل حين، وتعرف أيضا أن مرضها يتطلب التكتم، ولذلك لم تخبر قط زملاءها في الصف أو أحد أفراد العائلة بمصابها. من حين لآخر تأتي الجدة والحفيدة إلى مدينة الرباط لإجراء التحاليل والاستفادة من مساعدة الجمعية، غير أن الجدة تعجز في بعض الأحيان عن تلبية جميع حاجات الطفلة من ملبس ومأكل ولوازم مدرسية، وبالرغم من ذلك تحاول قدر المستطاع عدم حرمانها مما يلزمها، «تنستخسر الماكلة على راسي وتنخليها ليها، وايلا عطاني شي واحد فولادي عشرة الدراهم باش نمشي للحمام تنخبيها باش نشري بيها لنسرين ما تاكل، عزيز عليها الفرماج»، تقول الجدة وهي تنظر إلى حفيدتها مبتسمة «ياك؟»، قبل أن تضيف: «أنا ماشي مهم، هي اللي مهمة وتنطلب الله يعطيني العمر حتى نكبرها باش تعتمد على راسها».

 

خديجة.. رضيعة خرجت  إلى الدنيا بوصمة «عار»

ثمانية أشهر فقط هو عمر خديجة، طفلة بقسمات جميلة تشبه والديها المنحدرين من شمال المملكة، تبتسم وأحيانا تصرخ، تنظر إلى الفضاء حيث جيء بها، وتتطلع إلى وجوه الأطفال المحيطين بها، قبل أن يصل دورها لتدخل غرفة الفحص لتخرج بعدها وتتوجه بالقرب من غرفة الأرشيف. تصرخ الرضيعة بمجرد رؤية الممرض بردائه الأبيض، إنها تعرف جيدا ما ينتظرها، فقد خبرته مرات عديدة، تتوقع أن يمددها الممرض على السرير وأن تشعر بألم الحقنة، تصرخ بينما يسحب الممرض بضع مليمترات من دمها. تنتهي العملية وتستمر الرضيعة في البكاء. يحملها والدها ويلف بها في الممر حتى يهدئها، في تلك الأثناء يبدأ الحديث بين أم خديجة وباقي الأمهات.

شابة في بداية العشرينات من العمر، محجبة ويبدو من خلال كلامها كثير من الالتزام، مما يدفع عنها شبهة الإصابة بالمرض بإحدى تلك الطرق التي أسقطت على الداء صفة المرض اللاأخلاقي. زوجها بدوره يبدو ملتزما ومتدينا، مما يدفع بعض السيدات إلى النظر إليها بإمعان لعلهن يصلن إلى السبب الذي أوقعها بينهن، تختصر الشابة الطنجاوية الطريق على جميع من كن مترددات في طرح السؤال، فتحكي قصتها: «أنا ما جانيش المرض حيت تنفسد ولا حيت راجلي تيفسد، الحمد لله أنا وهو متمسكين بالطريق المستقيم ولكن المكتاب تصرف فينا وهذا نصيبنا».

تحاليل الأم الشابة التي أجرتها في نهاية مرحلة الحمل تؤكد خلوها من أي مرض، كانت الأمور تسير على أحسن ما يرام، قبل ذلك اليوم الذي كانت تنتظره بفارغ الصبر منذ تسعة أشهر خلت. بعدما اشتد عليها ألم المخاض، سيأخذها زوجها إلى مستشفى محمد السادس بمدينة طنجة، هناك ستطلب المولدة من سناء التمدد على سرير مليء بالدماء وبقايا ولادة أخرى، «كانت الناموسية تتزلق بالدم والخلاص، ولكن من كثرة الوجع ما عفتش وصبرت ونعست فوق منها». ستمر الولادة على خير ما يرام، وسيرزق الزوجان بخديجة، بعد أسابيع قليلة ستشعر الزوجة بالتوعك، وسترتفع درجة حرارتها، كما أن طفلتها ستمرض، ستتوجه الأم والطفلة إلى عدد كبير من الأطباء لن يكتشف أي منهم ما أصابهما باستثناء واحد سيطلب من الزوجة إجراء فحص للإيدز، لن تفهم سناء وزوجها سبب طلب الطبيب، ولكنهما سيخضعان لما طلب منهما، وستجري الفحص لتفاجأ بالنتيجة إيجابية، سيؤكد الطبيب للأم أن ابنتها أصيبت عن طريق الرضاعة.

كانت الصدمة قوية على الزوجين، إلا أنهما سيتقبلان ما أصابهما بإيمان كبير وبقناعة بقضاء الله، لتبدأ رحلة البحث عن طريقة لتتعايش طفلتهما مع المرض ولتكون صحتها بخير، «الحمد لله على كل حال»، تقول وتكرر سناء بابتسامة شاحبة لا تكاد تخفي حسرتها ليس على نفسها بل على طفلتها التي لن يرحمها مجتمع يرى في الداء وصمة عار، و«دليل» عدم عفة حامله. الزوج، من جانبه، أظهر إخلاصا منقطع النظير تجاه زوجته، إذ لم يكن حاملا للمرض عندما اكتشف إصابتها بالداء، وحينما طلبت منه الطبيبة استعمال العازل الطبي لحماية نفسه ثار عليها وهو يصرخ: «مراتي ما دارت والو، وانا ما غاديش نعيفها، وايلا مرضات حتى أنا نمرض ماشي مشكل»، الزوج مصاب بدوره اليوم، ولكن عن طواعية وعن سبق اختيار وإصرار.

قصص مأساوية كثيرة يطلع عليها كل من يزور جمعية «شمس»، قصص أطفال في عمر الزهور يعيشون ويتعايشون مع داء لا يعرفون ما هو، ولكن وإلى جانب تلك القصص الحزينة هناك قصص أخرى تزرع الأمل، وتعكس الدور الكبير الذي تقوم به الجمعية لتكوين جيل سليم ولا يحمل المرض وإن كان ينحدر من أمهات وآباء حاملين له.

 

التوأم المعجزة

نادية، شابة سمراء في التاسعة والعشرين من العمر، تعكس ملامحها قوة شخصيتها وصلابتها وصبرها في تحمل ما مرت وتمر به، كانت هي الأخرى ممن توافدوا على المستشفى في ذلك اليوم، مصحوبة بتوأمها الصغير، علي الذي كانت تحمله على ظهرها، وناهد التي كانت تدفعها في عربة أطفال. بسبب ظروف عائلية قاهرة فوتت نادية موعدا سابقا لها وجاءت في ذلك اليوم من دون موعد، هنا ستضطر المساعدة الاجتماعية إلى مواجهة غضب الطبيبة التي ترفض رؤية مريض غير مسجل في أجندتها.

تؤكد لها المساعدة أن الخطأ خطؤها، وأنها من أبلغت نادية بالمجيء في ذلك اليوم. وبعدما نفست عن غضبها في وجه المساعدة الاجتماعية، ترضى الطبيبة برؤية نادية وفحص توأمها البالغ سنة. بعد دقائق قليلة تخرج الأم وطفلاها من غرفة الفحص، وتخبر المساعدة الاجتماعية بضرورة إجراء فحص أشعة خاص بالصدر لعلي، تتوجه المساعدة الاجتماعية رفقتها لكي تضمن لها مجانية الفحص، وتبقى معها إلى حين إجرائه، بعد ذلك يعود الجميع إلى غرفة الأرشيف، حيث تجلس نادية منتظرة حقن الطفلين.

علي وناهد غير مصابين بالداء لأن والدتهما كانت تتناول الدواء خلال فترة الحمل، وبالرغم من ذلك لا يمكن تأكيد خلوهما من الفيروس قبل بلوغهما سنة ونصفا، ففي تلك السن فقط يكون التحليل أكيدا وخاليا من أية بصمات لمرض الأم لدى الطفلين. لنادية طفلان آخران، فتاة في السابعة وطفل في الخامسة، وقد مر حملها بالطفلة من دون مشاكل لأنها لم تكن مصابة حينها بالداء، وبعد ولادة طفلتها الأولى بحوالي سنة، ستكتشف حملها للمرة الثانية، الأمر الذي سيرفضه الزوج بشدة حيث سيطلب منها إجهاض حملها لعدم قدرته على تحمل مسؤولية طفل آخر بسبب فقره. سترفض نادية في بادئ الأمر، إلا أنها ستخضع أخيرا وهي ترى أن حملها قد يؤدي إلى انفصال زوجها عنها. ستتوجه إلى عيادة أحد الأطباء في حي يعقوب المنصور بالرباط، وستجهض طفلها من دون أن تنتبه إلى أن الآلات التي تم استعمالها لإسقاط حملها غير معقمة ومازالت ملوثة من عملية أخرى. ستنجح العملية، وستعود المياه إلى مجاريها بين الزوجين، وستُستأنف حياتهما الزوجية، وستمر أشهر قبل أن يظهر طفح جلدي يسمى بالعامية «زونا» على بطنها، وستجرب مختلف أنواع العلاجات الطبية والشعبية، قبل أن تتوجه إلى طبيبة جلد نصحها الجميع برؤيتها، وبعد فحصها ستطلب منها الطبيبة القيام بتحليل دم لمرضي «النوار» و«السيدا». قامت بإجراء التحليلين بالمعهد الوطني للصحة بالرباط، لتتم طمأنتها إلى خلوها من «النوار»، في حين تم إخبارها بأن التحليل الآخر غير مؤكد، لتقوم بإعادتهم حيث سيتم إبلاغها بإصابتها، «الأرض دارت بيا، وما عرفت ما ندير»، تقول نادية وهي تكفكف دموعا حارقة انهمرت على خديها.

عادت إلى بيتها وتحدثت لزوجها وأخبرته بما اكتشفته، سيصاب الزوج بالصدمة، وسينقطع عن الكلام لبعض الوقت، قبل أن يقرر المضي قدما في حياته، ودعم زوجته وتناول الدواء ليعيش مرضه بشكل أفضل. بعد سنتين ستكتشف نادية حملها مرة أخرى عن طريق الخطأ، سيطلب منها زوجها إجهاضه إلا أنها سترفض خصوصا أنها تعتبر أن إصابتها بالمرض عقاب إلهي لإقدامها على إسقاط طفلها الثاني. ستتوجه إلى الجمعية، وستخبر المساعدة الاجتماعية بحملها، ليبدأ التتبع الطبي لها حتى تنجب طفلا سليما. 

ستلد طفلها الثاني بعملية قيصرية تفاديا لانتقال المرض، وستمتنع عن إرضاعه من ثديها، وبعد سنة ونصف من المتابعة والتحاليل ستجري له آخر تحليل لتتأكد من خلوه من المرض. بعد أربع سنوات ستحمل نادية مرة أخرى عن طريق الخطأ، وهذه المرة ستبادر بنفسها إلى إجهاض حملها، ولذلك ستعطيها طبيبتها رسالة موجهة إلى أحد أطباء ابن سينا لإجراء الإجهاض بدعوى أن الدواء الثلاثي الذي تتناوله قد يؤدي إلى تشوه الجنين. تضحك نادية وهي تحكي كيف قفزت من فوق السرير بينما كان الطبيب يخضعها للفحص بالأشعة فوق الصوتية وأخبرها بأنها حامل بتوأم، «ما كنتش قادرة نقتل روح وحدة عاد غادا نقدر على جوج!»، تعلق نادية وهي تؤكد عجزها عن وصف مدى السعادة التي شعرت بها في تلك اللحظة، «رجعت للدار وقلت لراجلي: ما كنتيش قابل واحد ها هو الله رزقنا بجوج». أصرت نادية على الاحتفاظ بتوأمها، وتناولت الدواء اللازم خلال فترة الحمل، وبعدها امتنعت مجددا عن إرضاع طفليها، واليوم، وبعد أربعة تحاليل تؤكد خلوهما من الداء، ما عليها سوى انتظار آخر تحليل بعد بلوغهما سنة ونصفا من عمريهما لتطمئن كليا على سلامتهما.

 

كريم… وجه آخر للأمل

صادف وجودنا في المستشفى الزيارة الأخيرة لفاطمة المنحدرة من مدينة القنيطرة رفقة ابنها كريم الذي أتم سنة ونصف السنة من عمره. 

كانت الأم، التي أنجبت سابقا طفلة خالية من المرض بالرغم من إصابتها هي والزوج به، تجلس على أعصابها وهي تفرك يديها قبل أن تقف لتسير وتجيء وعلامات التوتر واضحة على محياها. إنه اليوم الذي تنتظره منذ وقت طويل، إنه اليوم المنشود الذي ستطمئن فيه على ابنها. أخيرا وصل دورها لتدخل إلى غرفة الفحص، حيث ستفحص الطبيبة طول كريم ووزنه، لتخبر الأم بأن وزنه أقل مما يجب، وتنصحها بالاهتمام أكثر بتغذيته، وستطلعها الأم على أنه أتم عاما ونصفا، وأنها على موعد مع آخر تحليل له، وستعطيها الطبيبة ورقة التحليل التي ستناولها للممرض، حيث سيقوم بأخذ عينة من دم الطفل في الحين قبل أن يتم القيام بالتحليل الفوري له عن طريق لصاقات شبيهة بجهاز اختبار الحمل.

هناك في إحدى زوايا غرفة الأرشيف كانت الأم جالسة تنتظر الخبر السعيد أو الحزين بفارغ الصبر، وبعد حوالي خمس دقائق ستظهر النتيجة، لتخرج المساعدة الاجتماعية وتبشر الأم بأن ابنها سليم معافى. ستنهار الأم وهي تبكي بحرقة سعيدة بالنبأ الذي لطالما انتظرته، لحظة مؤثرة سيؤخذ بها جميع من كانوا في تلك الغرفة وهم يرون فاطمة تقبل ابنها وتعانقه، قبل أن تنهض وتسارع بالخروج،  لتستوقفها المساعدة الاجتماعية وتطلب منها الجلوس إلى أن يخف أثر المفاجأة السعيدة عليها، لتجلس فاطمة لدقائق معدودة قبل أن تقوم مجددا وتودع الجميع، وتغادر لتطمئن زوجها وعائلتها بسلامة ابنها. 

اثنتا عشرة حالة مختلفة رأيناها في ذلك اليوم في المستشفى من التاسعة صباحا إلى غاية الواحدة بعد الزوال، قبل أن نتوجه إلى المعهد الوطني للصحة لأخذ نتائج بعض التحاليل، هناك وبمجرد دخولي رفقة المساعدة الاجتماعية بدعوى أنني أعمل مع الجمعية ستعدل الموظفة من جلستها، وستمسك يدها مبدية اعتذارها عن عدم مصافحتنا. إنه واحد من أشكال الإهانة التي يتعرض لها العاملون في الجمعية بدعوى اختلاطهم مع حاملين للفيروس. ستبدأ الموظفة في العطس وهي تردد أننا ربما أدخلنا معنا فيروسا هيج حساسيتها، وبينما ستحاول المساعدة الاجتماعية مساعدتها في إيجاد نتائج التحاليل، ستطلب منها الجلوس في مقعدها حتى تبقي على مسافة معينة بينهما. 

ولكي تستعجل مغادرتنا، ستطلب موظفة المعهد ترك معطيات تلك التحاليل على أن تعود المساعدة الاجتماعية لأخذها لاحقا. «هادشي عادي ولفناه»، تقول المساعدة الاجتماعية متأسفة على صدور تصرفات مماثلة عن أناس يعملون في قطاع الصحة، ويفترض أنهم يعلمون جيدا طرق انتقال المرض. بعد مغادرة المعهد الوطني للصحة بحي أكدال، سنتوجه إلى الجمعية، حيث سنجد في الانتظار أسرا أخرى بعضها كان على موعد مع القفة الشهرية التي توفرها الجمعية لأكثر الأسر فقرا، تحتوي على المواد الغذائية الأساسية، على رأسها الحليب، بالإضافة إلى الحفاظات. هناك سألتقي ربيعة، وهي سيدة مثقفة في بداية الأربعينات من العمر، كانت ترتدي جلبابا وشالا أسود تخفي به جزءا من وجهها. «كنت نص مرا والـــــــــــــــــــــيوم أنا مرا ونص»

ربيعة الأم لأربعة أبناء أكبرهم يبلغ 26 سنة، اكتشفت إصابتها بالمرض قبل ثلاث سنوات بعد وضعها لطفلها الأخير ببضعة أشهر، حيث ارتفعت درجة حرارتها بشكل غير معتاد، كما تدهورت صحتها بشكل ملحوظ، ونقص وزنها قبل أن تكتشف أنها مصابة بالسل، وقبل أن تُصدم لاحقا بالخبر الذي كان بمثابة الصاعقة بالنسبة إليها.

المرحلة الأولى، التي تلت اكتشاف المرض، كانت صعبة على ربيعة التي لم تتقبل الأمر، حيث انعزلت في غرفتها، وجلست تنتظر الموت، على حد تعبيرها. ستمر بضعة أشهر قبل أن تستفيق من صدمتها وتعيد حساباتها وتقرر العيش والتعايش مع المرض، «قلت مع راسي إيلا مت أنا شكون غادي يقوم بولادي، شكون غادي يديها فولدي الصغير؟ إيلا مت أنا حتى هو غيموت، شكون غادي يفهم حالت، ويتفهم أن ما عندو حتى شي ذنب؟»، تقول ربيعة وقد اغرورقت عيناها بالدموع. أبناء ربيعة الأكبر سنا، الذين أنجبتهم من زوجها الأول، لا يعلمون بالأمر، ولكن ابنها ما قبل الأخير، البالغ ثماني سنوات، يعلم أن أخاه الأصغر مريض وإن كان لا يعرف طبيعة المرض تحديدا، ولكنه يساعد الأم بتذكيرها بموعد الدواء، ويساعد شقيقه على التعايش مع وضعه مع العلم بأنه هو بدوره يخضع للمساعدة النفسية حتى يكون لاحقا قادرا على التعايش مع فكرة إصابة أخيه بالفيروس.

لا تعرف ربيعة إلى غاية اليوم كيف انتقل إليها المرض، وبالرغم من أن زوجها كان يتعاطى الخمر ويقيم علاقات كثيرة بحكم إقامته لثلاثة عقود في الخارج، فإنها لا تريد أن تظلمه، على حد تعبيرها، ولا تريد تحميله مسؤولية ما أصابها وابنها الصغير، وبالرغم من المعاناة والألم فإن ربيعة اليوم لا ترى سوى إيجابيات الأزمة التي مرت منها، «الحمد لله وليت قريبة من الله، وليت تنصلي بزاف وتنقرا القرآن، والإيمان خلاني نستسهل كلشي»، تقول ربيعة وهي تحاول حبس دموعها، مضيفة أن زوجها هو الآخر استفاد من الأزمة ليقلع عن الشرب، وليصبح هو الآخر أكثر تقربا من الله، «ربيعة ديال اليوم ماشي هي ربيعة ديال شحال هادي، نقدر نقول أنني كنت نص مرا، أما اليوم أنا مرا ونص».

 

فاطمة عابد رئيسة «شمس»

ساهمنا في ولادة 75 طفلا  خاليا من الفيروس 

 

 ما هي ظروف إنشاء جمعية شمس؟

جمعية شمس لرعاية الأطفال ضحايا فيروس ضعف المناعة المكتسبة هي أول جمعية عربية ومغربية غير حكومية تهتم بالأطفال المصابين بالسيدا. هدفنا الأساس هو حماية الأطفال من المرض، ومحاولة وقايتهم من الإصابة به، وتسهيل حصول المصابين على الخدمات الطبية والدواء. أنشئت الجمعية يوم سابع يوليوز من سنة 2006، وما دفعنا إلى تأسيس هذه الجمعية هو افتقارنا إلى جهة تهتم بالأطفال الحاملين للفيروس، في ظل وجود جمعيات تهتم بالبالغين المصابين بالمرض.

كم عدد الأطفال المنخرطين مع الجمعية؟ وما هي طبيعة الدعم الذي تقدمونه لهم؟

< عدد المنخرطين معنا إلى غاية يوم الخميس الأخير هو 169 أسرة و275 طفلا، وعدد الأطفال هذا يشمل المصابين بالفيروس وأيضا المتعايشين معهم، أي أننا ندعم المصابين وأيضا أشقاءهم من غير المصابين ليتعايشوا فيما بينهم، لأن حتى الطفل غير المصاب الذي يعيش مع شقيق مصاب يعاني نفسيا، ونحن نحاول حمايته من تلك المعاناة النفسية، بالرغم من ذلك فإن الرقم الذي قدمته لا يعني أن ذلك هو عدد جميع الأطفال المصابين بالمرض في المغرب، لأن هناك عددا كبيرا من الأطفال والرضع لا يصلون إلينا، وللأسف لا نتوفر على إحصائيات تكشف عدد الأطفال المصابين بالداء في بلادنا.

أما بالنسبة إلى طبيعة الدعم فهو نفسي بالدرجة الأولى، حيث تحرص المساعدة الاجتماعية على الاستماع إلى الأطفال وعائلاتهم، كما ترافقهم إلى إدارة المستشفى لتسهيل ولوجهم للخدمات الطبية. وإلى جانب الدعم النفسي هناك أيضا الدعم المادي من خلال توفير الإمكانيات لتلك الأسر للتنقل، إذ لدينا منخرطون من مدن العيون والداخلة وطنجة والناظور وآسفي وغيرها من المدن والقرى البعيدة، ونحن نحرص على توفير الإمكانيات لهم ليصلوا إلينا، كما نساعد القاطنين في الرباط على الوصول إلينا من خلال سيارة الجمعية.

إلى جانب ذلك نحرص على مساعدة الأطفال المصابين على التمدرس، وشراء أضحية العيد لعشرين عائلة من بين المنخرطين الأكثر فقرا، كما نوفر قفة لبعض العائلات بمعدل خمس عشرة قفة في كل شهر، وبمعدل قفة لكل عائلة كل ثلاثة أشهر، وهي القفة التي تحوي مجموعة من الأساسيات الغذائية، وللأسف نفتقر مؤخرا إلى الحليب الذي يعتبر مهما للغاية حتى لا تضطر الأم إلى إرضاع طفلها، وبالتالي نقل المرض إليه، ونتمنى أن تتطوع جهة ما بتوفير تلك المادة الحيوية التي تعني إنقاذ العديد من الأطفال من الإصابة بالفيروس.

أيضا تقوم الجمعية بعمل استباقي يتمثل في حماية الأطفال من الإصابة بالمرض، وذلك أثناء حمل الأم، بتوفير التتبع الطبي لها ولجنينها أثناء الحمل وبعد الوضع، وقد ساهمنا عن طريق هذه العملية في إنقاذ 78 طفلا من المرض بالرغم من انحدارهم من والدين مصابين، وهذا نعتبره نجاحا كبيرا، بل كنزا نسعى إلى توسيعه لضمان جيل سليم خال من المرض.

 كيف تتقبل الأسر إصابة أحد أو جميع أبنائها بالإيدز؟

طبعا الأمر لا يكون سهلا، ولكننا نحرص من خلال الجمعية على تتبع طريقة معينة في إطلاع الأسر على الخبر، كما نتبع تقنية أخرى لإطلاع الطفل، أحيانا للأسف لا تتقبل الأسر الأمر، وتحتاج إلى مرحلة وقتية طويلة قبل الخضوع وطلب الدواء، حيث عايننا حالة سيدة كانت حاملا، وبمجرد علم أسرتها بإصابتها بالسيدا حبسوها في غرفة وكانوا يناولونها الطعام من فجوة تحت الباب، حيث لم يسمح لها بمغادرة تلك الغرفة رغم وضعها الصحي المتردي، كما عايننا حالة طبيبة تسببت في أزمة لطفل صغير لأنها أخبرته بحمله لفيروس السيدا بطريقة صادمة أفزعت الطفل وسببت له عقدة كبيرة.

 ما هي المعيقات التي تواجهونها خصوصا مع الجهات التي تضطرون إلى التعامل معها؟

 أظن أنك كنت شاهدة على أحد المواقف في المعهد الوطني للصحة، فذلك يمثل أحد أشكال الإهانة التي نتعرض لها لمجرد انتمائنا إلى جمعية تعنى بحاملي الفيروس. هناك كثير من الأطباء الذين يقدمون لنا الدعم، كما أن وزارة الصحة تدعمنا بشكل كبير، إذ توفر الدواء مجانا، وتساعدنا على تتبع أولئك الأطفال وأسرهم، ولكن في المقابل هناك أطباء يعيقون عملنا ويتسببون أحيانا في مشاكل نفسية للأطفال إلى درجة أنهم قد يكونون وراء انقطاع أولئك الأطفال وأسرهم عن طلب الاستشفاء. بالنسبة إلينا في الجمعية، نحن مستعدون لتلك الإهانات ونصبر عليها، ولكن ما لا نقبله أن يحتقر طفل صغير ويهمش ويحرم من حقه في الصحة والمعاملة الطيبة..

.

شارك المقال

شارك برأيك