الجندوبي: المغرب كان يمثل نموذجا للانتقال السلمي من الاستبداد إلى حال أقل استبدادا

25 يوليو 2013 - 15:05

 

{  كيف تتابع الإصلاحات في التجربة المغربية؟

< قبل الثورة كان ينظر للمغرب على أنه ساحة أمل في الانتقال الديموقراطي، في وقت كانت عدة دول عربية، منها تونس، الجزائر السعودية، ومصر، وغيرها تعرف انغلاقا. لقد مثل المغرب مدرسة في الانتقال السلمي من الاستبداد إلى حالة أقل استبدادا. وهناك تجربة مهمة للإنصاف والمصالحة باعتبارها آلية العدالة الانتقالية لبناء حركية للانتقال.

وبعد الربيع العربي، وثورة تونس، أصبح المغرب لا يمثل اهتماما كبيرا للملاحظين، وتوجهت الأنظار لبلدان الربيع العربي، وربما الآن، بعد الاستقرار الذي يعرفه المغرب والاضطراب في تونس ومصر، سيعود المغرب للواجهة من جديد. كان منتظرا أن يأخذ الربيع العربي شكلا آخر في المغرب، لكن السلطة استبقت ووضعت آلية لامتصاص الحراك وإعداد إصلاحات لتمكين المغرب من وضعه على السكة، لكن  هناك تساؤلات حول ما إذا كان هذا التغيير كافيا.

{ كيف تقارن الإسلاميين في المغرب مع نظرائهم في تونس؟

< في الحقيقة لا معرفة لي بالإسلاميين في المغرب، لكن عموما الوضع في المغرب يختلف لأن هناك مؤسسات وتواصل على مستوى النظام السياسي منذ قرون، حيث إن الملكية عمرها في المغرب 12 قرنا، في حين أن النظام الجمهوري في تونس عمره نصف قرن.

ثم هناك تقاليد في الحركة السياسية وثقافة مختلفة في الحوار عن تونس. مثلا، في تونس البعد النقابي له تأثير على الحركة السياسية والحراك الاجتماعي. كما أنه ليست لنا تقاليد في تنظيماتنا السياسية، سواء منها التي أسست لمعارضة بورقيبة أوبنعلي، حيث تم القضاء على عناصرها بمن فيهم الإسلاميون، عكس المغرب. أعتقد أن أحد أهم إنجازات الرئيس الراحل بورقيبة إضافة إلى بناء الدولة، هو أنه غرس في فكر جيلي من التونسيين الاعتقاد أن كل واحد هو بورقيبة صغير، وبالتالي ليس سهلا أن يتحاور تونسي بورقيبي مع نظيره. فكل شخص  تونسي «بورقيبي» يتخيل نفسه منقذ الأمة، وغير مستعد للتنازل. وهذه خاصية تنطبق على ثلاث شخصيات في تونس، هم الرئيس منصف المرزوقي، و نجيب شابي، ومصطفى بنجعفر. كلهم كانوا في المعارضة ولم يسبق أن اتفقوا. وهؤلاء هم جيل الفشل، حيث لم يحققوا مكسبا في حياتهم كقوة معارضة، ولا زال هذا الصراع بينهم مستمرا بعد الثورة.

{ إلى أين تسير تونس بعد الاضطرابات الأخيرة التي عرفتها؟

< أولا، هناك ثورة حقيقة من أجل الكرامة ضد النظام السابق فتحت الباب لمرحلة جديدة، لم يكن أحد يتوقعها، ولم تكن لهذه الثورة قيادة، بل جاءت بعد تراكمات عديدة، وفتحت باب مرحلة معقدة وجديدة، ومحاولات لبناء الجديد على القديم لأن القديم لازال يقاوم، ولم يتم استئصاله. وأنا أتوقع أن تستمر مرحلة التجاذب، وهذا أمر طبيعي.

{ كم تحتاج تونس من الوقت لتستقر؟

< تحتاج تونس لوقت كاف لبناء بنية جديدة، قانونية، وكذا بناء ثقافة جديدة تتعامل مع مقومات الديموقراطية. ما يجري في تونس هو أنه قد فتح المجال لقوى جديدة للدخول للعمل السياسي، سواء في الداخل أو في الخارج. وهناك قوى أخرى تريد توجيه الثورة إلى وجهة أخرى، في حين أن هناك قوى حقيقية تريد دولة ديموقراطية ودولة مدنية. ما حدث هو أن الانتخابات الحرة الأخيرة أوضحت أن شعب الثورة ليس هو شعب الانتخابات، ولهذا فإن القوى التي تريد توجيه الثورة إلى وجهة أخرى هي التي انتصرت في الانتخابات، وكما يقال تمشي الرياح بما لا تشتهيه السفن.

{ تعرف دول الربيع العربي اضطرابات بعد تنظيمها لانتخابات حرة، لكن يبدو أنه ليس هناك حس ديموقراطي كاف للقبول بنتائجها؟

< اللعبة الانتخابية والنتائج قبل بها الجميع في تونس، ولم يشكك فيها إلا القليل. 

{ لكن هناك رفض من النخب التونسية للإسلاميين؟

< هناك صراع، وهناك أسباب لهذا الصراع. في الواقع فإن الانتخابات كشفت عن وجه جديد للساحة السياسية، وفاعلين جدد ليس لهم تاريخ في العمل السياسي. كما أنها طرحت مسألة  وضع القوى السياسية القديمة التي كانت حاكمة، إذن هذا مسار متحرك، ويحتاج لوقت ليستقر. هناك انقسامات وتحركات في الكيانات السياسية التونسية نفسها. الانتخابات أفرزت حزبا منتصرا بـ37 في المائة، اضطر للتحالف مع أحزاب أخرى لتشكيل حكومة، وقيادة المرحلة الانتقالية. وهنا تطرح تساؤلات تفسر سبب الرفض الذي تساءلت عنه. أهمها أن هناك التزام من تلك القوة بأن المرحلة الانتقالية ستدوم سنة واحدة، وتكون نتيجتها وضع دستور جديد للقطع مع عهد الاستبداد، وبناء دولة مدنية، وهذا الالتزام لم يتم احترامه. ثانيا، هذه التركيبة السلطوية الجديدة لم يتم اختيارها على أساس برنامج، إنما على أساس منطق الغنيمة، من خلال الانتخابات، عبر تقاسم المناصب، لهذا لم يتم اختيار كفاءات، إنما مراعاة لتوازنات سياسية. ثم هناك تساؤلات: هل تملك القوى التي تقود البلاد مشروعا ديموقراطيا؟ وكيف لهذه القوة، وتحديدا حزب النهضة الذي ليس له مشروع ديموقراطي، أن يقود المرحلة الانتقالية. هناك حقيقة أزمة ثقة، لأن من تم انتخابهم لم يحققوا أي شيء مما وعدوا به. كما أن سلوكهم لا يختلف عن القوى السياسية القديمة، بالإضافة إلى استفحال مظاهر العنف، وظهور القوى المتشددة، وهذه الفئة التسامح معها مؤشر خطير. كما أن الناس يشعرون أن هدف النهضة هو تغيير طبيعة المجتمع التونسي من خلال ما يسمونه بإرجاع تونس للإسلام. وهذا يظهر من خلال النقاشات التي تجري حول المرأة. أيضا، يظهر من خلال سلوك أعضاء المجلس التأسيسي أنهم اهتموا بتقاعدهم وزيادة تعويضاتهم أكثر من أي شيء آخر، ثم هناك أزمة السلطة والحكامة، والتي أنتجت هذا المسلسل السيء الإخراج، والذي أدى إلى أن استمرت مدة تشكيل الحكومة ما يزيد عن 8 أشهر. 

{ لماذا لم يتفق المجلس التأسيسي على صيغة الدستور؟

< لأن هناك مشكلة في منهجية التعامل مع الدستور. هناك نية مبيتة، تقضي بصياغة دستور، انطلاقا من نقطة بيضاء وكأن تونس لم يسبق أن كانت لها تجربة دستورية، علما أن التجربة التونسية غنية. كلمة الدستور كانت موجودة لدى الحركة السياسية التونسية قبل الاستقلال، وبعد الاستقلال.  فالمطالب الدستورية، كانت في صلب الصراع السياسي، فكيف يتم اعتماد مقاربة الصفحة البيضاء؟ أظن أن الهدف هو مراجعة العديد من المكاسب في الدستور، ومن ذلك مكسب الدولة المدنية. مثلا رغم أن الدستور ينص على أن الدولة دينها الإسلام، إلا أن القراءة التي كرست هي الدولة المدنية، أي أن الدين يعود إلى تونس، وليس إلى الدولة. وفي المسودة الثانية للدستور، تم التنصيص على أن الإسلام دين الدولة، وهذا يطرح سؤال هل الدولة دينية، أم مدنية؟ كما أن هناك مراجعات تتعلق بحماية الدولة للدين، أي أن الدولة تحمي الدين ولا تحمي الديانات وكأن هناك رغبة في عدم الاعتراف بالتنوع الديني، كأن تونس كلها من المسلمين. وحتى لو افترضنا أنه لا توجد ديانات أخرى، فإن هذه قراءة لها انعكاسات خطيرة. في المسودة الثانية، أيضا، تغيب أي مرجعية دولية في مجال حقوق الإنسان في مجال حقوق المرأة. حيث اعتبرت المرأة في إحدى المسودات مكملا للرجل. ثم في صيغة ثانية، تم الإقرار بالمساواة بين المواطنين والمواطنات، وأن الدولة تحمي حقوق المرأة، وهذا يظهر «لفا ودورانا»، في حين كان يمكن ببساطة الاعتراف بالمساواة بين الرجال النساء. أيضا هناك نوع من الغموض اللغوي، لأن المجلس التأسيسي يريد أن يتحكم حتى في الصياغة، في حين يجب أن توكل الصياغة لذوي الاختصاص.

{ ما هي المدة التي تتوقعها لإخراج الدستور الجديد لتونس؟

< لو قدمنا المبادئ العامة للدستور لاختصاصيين، لصاغوا دستورا في وقت وجيز، ولمررنا إلى مرحلة أخرى. هذا لا ينفي وجود نقاش حول سلطات الدولة ووضع المرأة، وحول مكانة الأجهزة الأمنية في السلطة. هناك أمور خلافية، لكن أيضا هناك غياب إرادة حقيقية، من طرف الحزب المهيمن، أي حزب النهضة الذي يريد ربح الوقت للتموقع أكثر في الدولة، من خلال التعيينات في المناصب العليا في الدولة. والتمكن من الإدارة التونسية مركزيا ومحليا، وهذه رؤية سياسوية ضيقة.

{ لكن هناك رفض للإسلاميين من طرف النخب التونسية؟

< نعم هناك رفض سياسي، لأن هذه القوى حادت عن الاهداف التي على أساسها تم انتخابها كي تضع دستورا جديدا، وليس حكما جديدا. لأنه بدل الدستور سيتم فرز الخريطة السياسية هناك، رغبة في تحريف المسار السياسي. لقد أعطيت للحكومة مهمة واحدة هي صياغة الدستور، لكنها لم تلتزم.

 

{ نلاحظ أن الوضع في تونس تحفه منزلقات اللجوء إلى العنف مخاطر العنف بعد اغتيال شكري بلعيد، هل من جديد حول التحقيقات بخصوص واقعة الاغتيال؟

< هذا سؤال يطرحه مئات التونسيين ونعرف أنه في هذه الجرائم هناك المنفذ وهناك المخطط. وهناك فرضيات: الفرضية الأولى حول وجود مؤامرة خارجية تم تجاوزها، ولهذا فإن الأنظار تتوجه لأطراف داخلية نفذت العملية. وقد وقعت إشارة لجماعات متشددة، والباب مفتوح لفرضيات أخرى محيرة، تتعلق بوجود جهاز أمني مواز، له ارتباط ببعض القوى السياسية. وهناك شك في أسباب تباطؤ البحث وإيقاف المجرمين. مثلا التحليلي الباليستيكي غير موجود والمكالمات الهاتفية موجودة، ولم تقدم للدفاع كأن هناك رغبة في ربح الوقت. الغموض لازال قائما ولا توجد شفافية كافية في التحقيقات.

{ هل من المنطقي اتهام حزب النهضة بالوقوف وراء الجريمة؟

< هناك شعور لدى التونسيين أن الجو العام ساهم في التحضير  للجريمة، لأن الأجواء السياسية كانت محتقنة ومليئة بـ»هجومات» حزب النهضة والأئمة والعديد من مسؤولي الحكومة ضد بلعيد الذي اتهموه بالوقوف وراء التحركات الشعبية في عدد من المدن. هناك جو مليء بالعنف اللفظي والمادي للجن حماية الثورة التي يعتبرها الغنوشي قلب الثورة النابض، في حين أن دورها ضرب قوى المعارضة. هذه اللجن في الحقيقة ميليشيات وعصابات هي التي هاجمت الاتحاد العام التونسي للشغل، وعددا من قوى المعارضة. وهناك خطب من الأئمة دعت للقتل والتكفير ضد العلمانيين الذين يعتبرونهم خلفاء الاستعمار والأجانب. كل هذا هيأ أجواء اغتيال بلعيد. وأعتقد أن من الأسباب التي دعت للاغتيال أن لا وزن انتخابي وسياسي للراحل بلعيد، وأنه لن تكون هناك انعكاسات سياسية للاغتيال. لكن العكس هو الذي حصل. وقد وجهت سهام النقد للسلطة، وتعاملها

{ ما حقيقة ظاهرة السلفيين المتشددين في تونس?

< هذه ظاهرة ليست جديدة وليست قديمة. وفي الحقيقة فإن بن علي هو الذي أدخل السلفيين إلى تونس، وخاصة السلفية الوهابية باعتبارها خصما لحركة النهضة. لكن الحركة السلفية في تونس جديدة، وليست مثل تجربة التنظيمات السلفية في مصر، لأن الوهابية في تونس دخيلة، ذلك أن الشعب التونسي مالكي.

{ لكن كان هناك سلفيون في السجون؟

< هؤلاء السلفيون الجهاديون، وقد كانوا في السجون على أساس شبهات أن في نواياهم تخطيط لارتكاب جرائم، وخضعوا لمحاكمات غير عادلة. وعند العفو العام أخلي سبيلهم، وجزء منهم  كانوا في الخارج، وعادوا واستفادوا من العفو العام. ثم هناك ما يسمى السلفية العلمية التقليدية، وهم موجودون حتى في صفوف حركة النهضة. ثم هناك سلفية تسمى السلفية  الأمنية، وهم أشخاص تم تكوينهم للتجسس على الإسلاميين وأصبحوا سلفيين مهنيين، ونظموا منظمات وامتهنوا الخطابة، بعدما عملوا في الأمن للتجسس. وعلى العموم فإن السلفيين لا يمثلون قوة كبيرة رغم قدرتهم الكبيرة على التشويش والتعبئة.

{ في سوريا ظهرت أسماء جهاديين تونسيين، كما وردت أسماء تونسيين ضمن الجهاديين الذين نفذوا عملية عين أميناس في الجزائر؟

 < هذا تحدي فعلي، هناك مئات الجهاديين التونسين خارج الحدود، و30 جهاديا تونسيا  شاركوا في عين اميناس، وهؤلاء أصبحوا جنود ساحات خارج تونس، وعندما ستنتهي الحروب خارج تونس سيعودون.

 
شارك المقال

شارك برأيك