إطلالة على الحسن الثاني في قبره

28 يوليو 2013 - 13:28

 كان المغاربة يعرفون أن ملكهم مريض، وأن الصورة التي ظهر بها في باريس إلى جانب جاك شيراك، في احتفالات العيد الوطني الفرنسي يوم 14 يوليوز، تقول إنه رجل على حافة الغروب، لكن مع ذلك كانت «صدمة الشعب» كبيرة، عندما ظهر المذيع ينعى الملك الذي لم يعرف ثلاثة أرباع الشعب حينها ملكا سواه. أحس الناس البسطاء بما يشبه اليتم والخوف من المستقبل… كانوا يخافونه لكن في الوقت نفسه يحترمونه، ولم يتصوروا أنهم سيسمعون خبر موته في حياتهم، لهذا خرجوا بمئات الآلاف إلى الشوارع لوداعه، ولو تركت السلطة لهم الباب مشرعا لخرجوا بالملايين في جنازة صاحب أطول فترة حكم بعد جده المولى إسماعيل، الذي حكم الإيالة الشريفة لمدة نصف قرن…

اليوم، مع فارق 14 سنة، يمكن أن نرى «فيلم» الحسن الثاني بهدوء أكبر، وموضوعية أكثر… إنه ملك طموح وصل إلى العرش سنة 1961 بعد وفاة والده المفاجئة. لم يكن غريبا عن السلطة، ولا وافدا جديدا على الحكم. تعلم منه الكثير في حياة والده، كما راكم صداقات وعداوات كثيرة مع الوطنيين، قبل أن يستلم عصا الحكم.

بدأ مشواره عنيفا وجامحا، حتى إن كثيرين لم يتوقعوا له أن يستمر في حكم المغرب سوى بضع سنين، لكنه كذب التوقعات رغم أنه تعرض لمحاولتين انقلابيتين كادتا توديان بحياته. والمفارقة أن الخطر لم يأت من خصومه اليساريين، بل من أقرب صديقه له.. الجنرال الدموي محمد أوفقير. بعدها استمر الحسن الثاني في الصعود والنزول. قبضته الحديدية لم تترك له حلفاء سياسيين كبارا، فاضطر إلى اللعب مع «الصغار»، وفي مقدمتهم إدريس البصري وأحزاب «الكارطون»، التي قبضت من مال الشعب ثمن مشاركتها في مسرحية هزلية عنوانها: «الديمقراطية الحسنية». المسيرة الخضراء أنقذت الملك الراحل من مخاطر تآكل شرعيته، لكنه استثمر ملف الصحراء في مشاريع قصيرة المدى لدعم سلطته وليس لبناء مغرب جديد. فرط في التعليم لأنه كان يراه لا يفرخ إلا اليساريين أو الإسلاميين. نسي الاقتصاد وبناء البلاد لأنه كان مأخوذا بالسياسة الدولية التي كان بارعا فيها. ركز أسس حكم تقليدي حول إمارة المؤمنين، ونسي أنه ملك يعيش في القرن العشرين… 

بنى جيشا محترفا غير قبلي ولا طائفي، وأقام إدارة لم يعرفها تاريخ المغرب. اهتم بالماء في الوقت الذي كان العالم يهتم بالنفط، وجنب بلاده حربا مفتوحة مع الجزائر بعد حرب الرمال القصير. اختار اقتصاد السوق لمملكة بلا موارد كبيرة، ولم يقطع شعرة معاوية مع خصومه… وهذا ما جعله يدير دفة سياسته نحو الاتحاد الاشتراكي، الذي دعاه مرتين إلى التناوب على الحكومة. لو بقي على قيد الحياة، هل كانت مملكته ستكون أفضل من الآن؟ سؤال تصعب الإجابة عنه، لأن التاريخ مبني على ما كان لا ما قد يكون. لكن هذا لا يمنع من القول إن الحسن الثاني قام بسلسلة مراجعات سياسية مهمة قبل وفاته. فتح كتاب الانتهاكات الجسيمة لحقوق لإنسان، وطهر بعضا منها. دعا واحدا من أعدائه إلى القصر وسلمه الوزارة الأولى، وكان ينوي صرف البصري، وزير الداخلية آنذاك، من الخدمة. تسامح مع الصحافة، وتركها تعبر عن مغرب ابنه لا مملكته هو. كان يعرف أن مستقبل المغرب في الحكم الديمقراطي لا في الجلباب السلطوي، لكن بعد أن يتحقق الإجماع على أسلوب الحكم. حتى الصحراويين الذين حملوا السلاح في وجهه وانحازوا إلى أعدائه في الجارة الشرقية، قال لهم: «إن الوطن غفور رحيم»، ولم يطلب منهم أكثر من علم وطابع بريدي فوق رمال الصحراء، والباقي لهم…

بلا شك ابنه كان أكثر اهتماما بالاقتصاد والبنيات التحتية وأعطاب المجتمع، لكن الوالد كان يعرف أن مشاكل المغرب سياسية قبل كل شيء، ولو بدأ محمد السادس من حيث انتهى والده لكنا قطعنا مسافة أكبر في حلبة الإصلاحات السياسية، ولكان الربيع العربي فصلا لجني الثمار لا لزراعة بذور لم نرها تثمر إلى الآن.

 
شارك المقال

شارك برأيك