الدخان في رابعة

16 أغسطس 2013 - 14:47

 

 

والنار في سيناء!الدخان في رابعة العدوية لكن النار في سيناء، هذه هي المسألة التي يتجاهلها الجميع، نظرا لتعقيداتها. المجلس العسكري الذي تسلّم الحكم بعد سقوط مبارك، رسب في امتحان كامب دايفيد، أي في امتحان استعادة السيادة المصرية على سيناء. أما الإخوان فلم يكتفوا بتجاهل سؤال سيناء، بل إن رئيس مصر الإخواني بذل كل الجهود الممكنة من أجل تطمين الإسرائيليين والأمريكان، عبر تكريس قدسية كامب دايفيد وضرورة عدم المسّ به.

يُقال إن الإصرار على هذه القدسية هو دليل حكمة، فمصر الغارقة في أزماتها الاقتصادية لا تستطيع اليوم مواجهة اسرائيل عسكرياً، ثم إن الزمن تحوّل، ولم يعد هناك من مكان للخطاب «القومجي» الذي قاد العرب إلى الهاوية.

لاحظوا معي أن إضافة حرف الجيم إلى كلمة قومي، هدفها تحقير الكلمة، عبر جيم العثمانية التي يقصد بها النسبة إلى المهنة، لذلك لا نزال نستخدم في عامياتنا المشرقية هذه الجيم المهنية كأن نقول بوياجي ومكوجي وكندرجي وتمرجي إلى آخره…

الطريف ان المطالبة بالسيادة الوطنية المسلوبة في سيناء صارت خطابا «قومجيا» يجب التخلي عنه، في عرف بعض الأقلام «الليبرالية» العربية، التي ترى في المسألة الفلسطينية برمتها مسألة «قومجية» يجب التخلي عنها لمصلحة التنمية على طريقة البنك الدولي، أي عبر المزيد من إفقار المصريين!

الدخان في رابعة، لكن النار في سيناء. الحكم الانتقالي المصري، المؤلف من تحالف واسع بين الدولة المصرية العميقة (الجيش والقضاء والأزهر) وبين شرائح اجتماعية واسعة تضم أطيافا سياسية متنوعة: الليبراليين واليساريين والناصريين… من دون أن ننسى طبعا محاولة الفلول التسلل إلى هذا التحالف، مطالب بالنظر في هذه المسألة ورسم طريق حلها، كي تنتصر ثورته الإنقلابية ضد حكم الإخوان.

هناك ثلاثة مسائل كبرى تواجه هذا التحالف: الديموقراطية، العدالة الاجتماعية والسيادة الوطنية. ان تجاهل إحدى هذه المسائل لن يقود إلى الاستبداد فقط، بل سيقود أيضا إلى تهاوي سلطة هذا التحالف، عبر إغراق مصر في الفوضى والاستباحة(…)

معادلة الجيش- الإخوان انهارت في 30 يونيو، وبدا أن الصراع يتمحور بين طرفيها: الإخوان من جهة والجيش من جهة أخرى. من هنا جاء التدخل الأمريكي والأوروبي الكثيف بهدف رأب صدع صار عصيا على أية تسوية، ومن أجل إنقاذ المشروع الإخواني من التداعي.

وإذا كان الإخوان قد عزلوا أنفسهم في السلطة ثم انعزلوا في رابعة والنهضة، فإن الجيش نجح في أن يصبح جزءا من تحالف عريض يستطيع أن يدّعي أنه يمثل الأغلبية في المجتمع المصري.

هذه الصورة صحيحة، لكنها ليست دقيقة، فعلى الرغم من الشعبية «الناصرية» التي بات يتمتع بها قائد الجيش الجنرال السيسي، فإن المسألة أكثر تعقيدا. فالناصرية لا تختزل بديكتاتورية الجيش وسحق الإخوان. الناصرية كانت مشروعا وطنيا بدأ بالجلاء وتبلور في تأميم القناة.

الزمن لن يعود إلى الوراء، والجيش يعرف أنه بعد ثورة يناير لم تعد الديكتاتورية ممكنة بسهولة، ومسألة تقويض سلطة الإخوان وسلطنتهم، لا يمكن أن تتم بالعنف فقط، إذ قد يكون إغراق مصر بالدم هو الملجأ الإخواني الأخير من أجل تحطيم شرعية الثورة الانقلابية التي قادت إلى عزل محمد مرسي.

لقد نما التيار الإخواني نتيجة تضافر عاملين:

انهيار الخطاب الوطني، الذي أعقب اتفاقية كامب دايفيد، بحيث صارت سيناء «المحررة» أرضا شبه محرمة على الجيش المصري، وتم بعد ذلك إخراج مصر من المعادلة الإقليمية، ما أفقد الأمن القومي العربي ركيزته، ونزع عن الحكم الاستبدادي آخر ورقة توت يستر بها شرعيته.

وانهيار الدولة الراعية عبر نمو وحشي للرأسمالية الريعية والعقارية المرتبطة بجهاز الدولة، بحيث انهار التعليم العام، وانهارت الخدمات الأساسية التي تقدمها الدولة.

ضد استبداد شامل يرعى الإفقار والمهانة الوطنية قامت ثورة 25 يناير، جالبة معها قيما جديدة، أبرزها الديموقراطية، أي نزع هالة القدسية عن السلطة وإخضاعها للمحاسبة.

بهذا المعنى تستطيع الثورة الانقلابية في 30 يونيو أن تكسب شرعيتها الحقيقية عبر سياسة جديدة تقطع مع الزمن المباركي- السادتي، ولا تستعيد من الناصرية سوى خطابها الوطني والاجتماعي.

لا يستطيع الحكم الجديد في مصر أن يتجاهل سيناء، وضرورة فتح ملف كامب دايفيد، من ضمن ضرورة إعادة نظر جذرية في العلاقات المصرية الأمريكية.

قد يقال إن فتح هذه الملفات اليوم هو استعجال تنقصه الحكمة!

لكن من قال إن حكمة الثورة تشبه حكمة الخمول والاستسلام؟ 

شارك المقال

شارك برأيك