بركة.. رجل دولة صنعته الدراسة والأسرة

23 أغسطس 2013 - 21:33

 

 

يجمع بركة بين ثلاثة مسارات متكاملة صنعت منه رجل دولة واقتصاديا بارزا في مجال التخطيط والتدبير الاقتصادي والاستراتيجي: الأول مساره الدراسي الذي بدأ بمدارس البعثة الفرنسية ثم الإجازة في الاقتصاد من جامعة محمد الخامس بالرباط، إلى الدكتوراه في العلوم الاقتصادية من فرنسا سنة 1992.

أما المسار الثاني وهو المسار الحزبي/السياسي فبدأ سنة 1981 في صفوف حزب الاستقلال، وارتباطه بهذا به دون غيره ربما تحكمت فيه بشكل حاسم الاعتبارات العائلية، فمؤسس الحزب علال الفاسي هو جدّ نزار بركة من جهة الأم، فضلا عن علاقات مصاهرة متداخلة بينه وبين عباس الفاسي كذلك.

في حين كان المسار الثالث داخل دواليب وزارة المالية والاقتصاد، التي التحق بها بركة بعد سنوات من التدريس الجامعي، كإطار عال سرعان ما بدأ يشق طريقه نحو الارتقاء المهني الذي بدأ برئيس مصلحة ثم رئيس قسم إلى أن عُيّن سنة 2006 مديرا مساعدا بمديرية الدراسات والتوقعات الاقتصادية، دون أن يصل إلى منصب مدير مركزي.

محمد كرين، الاقتصادي المعروف، يتذكر مسار بركة قائلا: «إنه حفر مساره بهدوء ودون ضجيج»، ولفت كرين الانتباه إلى أن المسار المهني لبركة داخل وزارة المالية كان طبيعيا جدا، ولا يبدو أن الأصول العائلية أو الحزبية قد لعبت فيه دورا معينا.

تمرس بركة داخل وزارة المالية على التحليل الاقتصادي، والتدبير الاستراتيجي، لكن ابتداء من سنة 2007 بدأ العامل الحزبي يلعب لصالح بركة، فبعدما كُلّف داخل حزب الاستقلال بإعداد البرنامج الانتخابي للحزب، وخاصة الشق الاقتصادي والمالي فيه، ولأنه في تلك الانتخابات فاز حزب الاستقلال وعين أمينه العام السابق عباس الفاسي وزيرا أولا، فقد رشح نزار بركة الذي تربطه به علاقة عائلية وزيرا منتدبا لدى الوزير الأول مكلفا بالشؤون الاقتصادية والعامة، ليبدأ مسارا وزاريا استمر مع حكومة عبد الإله بنكيران في موقع وزير المالية والاقتصاد.

خلال تجربته الحكومية الأولى، كان بركة هو محور الوزارة الأولى، أي الذراع الأيمن لعباس الفاسي، الذي لم تكن السنّ ولا الظروف العامة الصعبة اقتصاديا واجتماعيا تسعفه في قيادة الحكومة. لقد كّرر نزار بركة في علاقته بعباس الفاسي ما سبق أن فعله أحمد الحليمي مع عبد الرحمان اليوسفي ومن الموقع نفسه، أي وزير منتدب لدى الوزير الأول المكلف بالشؤون العامة والاقتصاد.

خلالها تمرّس بركة على الملفات ذات الحساسية الاجتماعية والاقتصادية، مرتبطة أساسا بمعيش الناس اليومي مثل القدرة الشرائية وسياسة الأسعار، وكذا ملفات الاقتصاد الاجتماعي. ولكونه كان الرجل الثاني في حكومة عباس الفاسي، فقد تمرس على إعداد المخططات والبرامح الحكومية، والسهر على تتبع تنفيذها. وهي مواقع جعلته أيضا على احتكاك مباشر بالفاعلين الاجتماعيين والاقتصاديين، من نقابات ورجال أعمال.

 

شخصية توافقية

لكن خبرات الرجل المتعددة وكفأته ليست هي التي حسمت في تعيينه على رأس المجلس الاقتصادي والاجتماعي فقط، «ولكن هناك القدرة على الحوار والانصات والنقاش» يقول سعيد خيرون، رئيس لجنة المالية والتنمية الاقتصادية بمجلس النواب. خيرون يرى أن بركة «رجل جاد ويمتلك القدرة على الاستماع والحوار»، وتلك قيم وخصائص تؤهله تماما ليكون على رأس مؤسسة تحوي داخلها فرقاء ذوي آراء مختلفة تحتاج إلى «شخصية توافقية» وهي أبرز سمة يتميز بها وزير المالية المستقيل، حسب خيرون.

الحاجة إلى الشخصيات التوافقية مثل نزار بركة، رأى فيها كرين رسالة من الملك إلى الطبقة السياسية التي باتت تلجأ إلى «الجدل المقيت» على حد ما ورد في الخطاب الملكي. ذلك أن المرحلة الحالية تقتضي التوافق الذي تصنعه الشخصيات التوافقية، وليس تلك التي تَهْوَى الصراعات.

ميل بركة إلى الجدية والحوار، والابتعاد عن مواطن الجدل والمشاكسة، برز أيضا في مواقفه مما جرى حتى داخل حزب الاستقلال منذ وصول حميد شباط إلى الأمانة العامة. فالجميع اليوم يعرف أن نزار بركة كان ضمن الرافضين لأسلوب شباط في التدبير الحزبي، ومساندا لعبد الواحد الفاسي الذي تربطه به علاقات عائلية. هذا، وفي صراعه مع شباط  لن يجد الملاحظ أي تصريح جارح أو موقف فض تبناه بركة ضد أمين الحزب، بل حين أدرك أن الأخير  قادم لا محالة على رأس الحزب تراجع بركة إلى الوراء بدون ضجيج، ذهب ووضع رأسه على صدر لطيفة بناني اسميرس وبكى، دون أن يقول شيئا علانية. وذلك على خلاف شباط مثلا الذي لم يترك الفرص تمر دون أن يؤنبه علانية بكلمات جارحة أحيانا.

 

مع بنكيران ضد شباط

الخلاف مع شباط ظهر منذ اليوم الأول الذي جاء فيه الأخير على رأس حزب الاستقلال وهو ما تجلى في الكثير من المواقف المتناقضة بين الطرفين. كما حدث أيضا حين قررت الحكومة حذف 15 مليار سنتيم من ميزانية الاستثمار فوجدها شباط فرصة سانحة لتصفية حساباته مع بنكيران قصد إضعافه. لكن بركة، الذي أعدت وزارته قرار الحذف ومبرراته، تصدى علانية لشباط، ولم يتورع عن دعوته للابتعاد عن الخلط والتشويش، حيث كان مبرره الدفاع عن «مصلحة الدولة» و»المسؤولية» التي كررها أكثر من مرة.

صمود بركة في وجه شباط تكرر أيضا حين عبّر عن رفضه الانسحاب من حكومة بنكيران، لكنه لما أصبح قرارا نافذا، جاء إلى بنكيران يشرح ويقول: «موقفي من الانسحاب التزام حزبي وليس موقفا سياسيا». 

خلال تلك الفترة التي شهدت جدلا قويا وخلافا عاصفا انتهى بخروج حزب شباط من الحكومة، وفي الوقت الذي كانت المعارضة تهاجم فيه أداء الحكومة الاقتصادي، كان نزار بركة بمثابة المنقذ، وذلك حين حصل على تنويه دولي مرتين: الأولى حين اختارته مجلة «ذي بانكر» الأمريكية 

التابعة لمجموعة «فاينانشال تايمز» الإعلامية العالمية، أفضل وزير للمالية في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا. أما الثانية فجاءته من إفريقيا حيث اختاره البنك الإفريقي للتنمية كأحسن وزير للمالية في إفريقيا. وهي جوائز شككت في كل الانتقادات التي كانت توجهها المعارضة لحكومة بنكيران، ومنها الانتقادات الحادة لزعيم حزب الاستقلال الذي يقوده شباط أيضا.

لكن هل يُقوِّي التعيين الأخير لبركة على رأس المجلس الاقتصادي والاجتماعي من موقعه الحزبي وبالتالي العائلة الفاسية أمام شباط؟ كرين يستبعد ذلك، لأن بركة رجل تكنوقراطي في الأساس، عيْنُهُ على الدولة وليس الحزب، واختياره ليكون على رأس المجلس جاء في إطار الاستفادة من كفاءته وخبراته وعلاقاته كذلك، بدل أن يخرج إلى الهامش بعد استقالته من الحكومة، كما حصل مع كفاءات أخرى كثيرة، تحتاج الدولة تجاهها إلى سياسة لتدبير الكفاءات.

شارك المقال

شارك برأيك