ثورة الشك

05 سبتمبر 2013 - 20:05

 

 يأخذ في الترنم على مقام «النَّهوَند» الشجي بما جادت به قريحة أمير سعودي اسمه عبد الله الفيصلآه من أمراء السعودية! يُداوي غُصّته بشربة ماء، ثم يصيخ السمع إلى القوافي التي نسجها الفيصل، من معدن خيانة مُفتَرضة لابن له، وصاغها رياض السنباطي جملا موسيقية خالدة، وصدحت بها كوكب الشرق أم كلثوم، وبقي صوتها يتردد في الآفاق، تحملها إلهة اليونان «إيكو» بين جوانحها عبر الأزمان… «أَكاد أشكّ في نفسي لأني.. أكاد أشك فيك وأنت مني.. يقول الناس إنك خنت عهدي.. ولم تحفظ هواي ولم تصني»… إذا كان يقصد الجنرال عبد الفتاح السيسي، فحُق له، هو الذي ظلت جماعته تردد أن هذا العسكري مُتدين ولا يكاد لسانه يفتر من ذكر الله! «يُكذِّب فيك كلَّ الناس قلبي.. وتسمع فيك كل الناس أذني.. وكم طافت علي ظلال شك.. أقضّت مضجعي واستعبدتني».. إلى أن يصل الصوت الهاتف إلى «تعذب في لهيب الشك روحي.. وتشقي بالظنون وبالتمني.. أجبني إذ سألتك هل صحيح.. حديث الناس.. خنت؟ ألم تخني؟».. هي «ثورة شك» مُتخيَّلة تلوح في عقل رجل، كان قبل شهرين كاملين رئيس جمهورية مصر العربية، وكان قبل أشهر معدودات قد عيَّن السيسي قائدا للجيش، وها هو الآن يتجرع مرارة الخيانةمن  الجنرال والثوار وأمراء السعودية وكل من يدور في فلكهم! لكن ألا تسير ثورة الشك إلى مداها، ويتساءل الرئيس، هل كان بإمكانه أن يستبق كل هذه الخيانة، ليس بقطف الرؤوس التي كانت قد أينعت وحان قُطافها، ولكن بالعودة إلى الصناديق العجيبة التي استمد منها شرعيته؟ ماذا كان يضيره لو استفتى المصريين مرة أخرى وسحب البساط من تحت أقدام العسكر الذين تكشّفت خططهم منذ مدة، لكن الرئيس أخذته سكرة السلطة ولم تظهر أمامه الطلائع الغازية

ولتمض ثورة الشك وتجتاح هؤلاء الذين باركوا الانقلاب وأثّث بهم الجنرال «القعدة»، التي أعلن فيها عزل أول رئيس منتخب في بلاد الفراعنة.. ألم يتساءل هؤلاء عن آفاق وضع أيديهم في يد العسكري الذي لا يفهم إلا لغة الحرب، وحتى هذه قال عنها العقلاء إنها أكثر جدية من أن توضع بين يدي العسكر، فكيف بالسياسة التي لم تُخلق لهم ولم يُخلقوا لها؟

ولتمض ثورة الشك إلى أبعد مدى، ولتصل إلى كل فئات شعب أرض الكنانة، أليس بإمكانهم أن يفكوا طلاسم «سحرة فرعون»، الذين يزيّنون، على الفضائيات الوجه البشع للجاني ويشيطنون الضحية! لا يرف لهم جفن وهم يبجلون القاتل الذي يحاكم القتيل بتهمة «التحريض على القتل»!! ومهما يكن من أمر فـ«كل ما تمسّه القوة ينحطّ قدره أياً كان التّماس.. فاللطخة هي نفسُها سواء اعتدى المرءُ أم تعرّض للاعتداء»، كما قالت الفيلسوفة الفرنسية الراحلة سيمون ڤايل

كل مرة يقول المصريون إنهم قاموا بثورة، فلِم لا يُتوجون كل هذا بثورة للشك؟ للأسف ديكارت ليس مصريا.. ولا حتى مغربيالهذا يبقى الدرس المصري بليغا، لأننا لم نفطن بعد إلى أن الديمقراطية هي المسلك الوحيد الذي أبدعه العقل البشري لضمان العيش المشترك. قد نتدرج في ذلك من تدبير «توافق تاريخي»، عبر الحوار ولا شيء غيره، قبل الانتقال إلى تدبير الاختلاف الذي لم نعهده، في الحقيقة، في ثقافتنا، وقد يستعصي علينا لأنه لم يدخل في تنشئتنا الاجتماعية، قبل السياسية.

 

 

 

 

 

شارك المقال

شارك برأيك