دردشة سياسية مع تكنوقراطي

06 سبتمبر 2013 - 12:19

 رجل خرج من عقده الخامس، وهو على أبواب العقد السادس. قلبه يخفق إلى اليسار منذ أيام الحياة الطلابية في الستينات، لكن السنوات والتجارب والعيش قرب مصدر القرار أعطته «نظرة» هادئة وعميقة عما يجري ويدور. لم أستأذنه في ذكر اسمه ولا في نقل ما دار بيننا في مكتبه، لهذا لن أكشف عن اسمه ولا موقعه، لكني سأعرض فحوى ما دار من نقاش حول الحكومة والسياسة والمغرب اليوم، والغرض هو تقديم وجهة نظر «تقنوقراطي» من نوع خاص، مادام جل التقنوقراط لا يفتحون أفواههم عندنا…

بادر «صديقنا» هذا إلى الحديث في السياسية، وكان مدخله التعليق على بعض ما أكتبه عن حصيلة الحكومة، وعن سنتها البيضاء (2012)، فقال: «أنا أتابع ما تكتبه، وأجدك موضوعيا في جل الآراء التي تعبر عنها، لكن أنا أختلف معك في عنوان: 2012 سنة بيضاء». قلت له: «وهل تجد أنت في موقعك وتجربتك أن 2012 كانت فيها اختراقات كبيرة لمناخ الأزمة الاقتصادية والاجتماعية التي يحياها المغرب؟ كل الأوراش التي وعد بها بنكيران لم يتقدم فيها ولو مترا واحدا. ماذا تسمي هذا؟». رجع بكرسيه إلى الوراء وقال: «تقييم عمل الحكومة، أية حكومة، لا يكون هكذا، بالعناوين المثيرة. تقييم عمل الحكومة يجب أن يتم بالنظر إلى الظرفية السياسية والاقتصادية الوطنية والدولية… أنا أجازف وأقول لك إن حكومة بنكيران حققت هدفها منذ السنة الأولى». فوجئت بهذا الرد وقلت له: «هذا كلام لا يقوله حتى رئيس الحكومة نفسه. يبدو أن لك معايير خاصة في التقييم». ضحك ورد علي: «لا تتسرع في الحكم علي. أنا أعني ما أقوله. لو لم يكن لهذه الحكومة من هدف سوى أن تساعد الدولة على عبور مطبات ما يسمى بالربيع العربي، لكان هذا شيئا عظيما… حكومة بنكيران، مع الإجراءات والمبادرات التي اتخذها صاحب الجلالة منذ الأيام الأولى لخروج الشباب إلى الشوارع، ساهمت في تخفيف ما نزل. إن دعوة الإسلاميين إلى تشكيل الحكومة كان هدفها سياسيا أولا، ولم يكن الهدف اقتصاديا ولا استراتيجيا. يجب أن نفهم جيدا دعوة بنكيران إلى قيادة حكومة شبه ملتحية في مناخ عربي ودولي خاص. الآن رجع الهدوء إلى الشارع، ورجعت الاحتجاجات الاجتماعية الخالية من النفس السياسي إلى استئناف دورتها، وهذا لا يزعج أحدا. هذه أمور موجودة في كل الدول»…

اعترضت على هذا التقييم «السياسي» لعمل الحكومة دون الالتفات إلى البرامج وإلى أهداف الإصلاح، فقلت لصاحبنا: «أنت إذن مع مقولة إن الإسلاميين جاؤوا إلى الحكومة لتأمين خروج النظام بأقل أضرار، وأن القوس الذي فتح سنة 2011 سيغلق بعد مدة. إذن، الإسلاميون سيكونون أكبر الخاسرين في هذه العملية». ابتسم وعدل نظارته الطبية وقال: «لا، الأمور ليست بهذه البساطة. الكل سيخرج رابحا من هذه التجربة. الدولة ستربح الاستقرار، وستعيد التفكير في أمور كثيرة لكن بدون ضغط الشارع، والإسلاميون، بقوا في الحكومة أم خرجوا، سيستفيدون أولا من تطبيع وجودهم في السلطة كما طبعوا وجودهم في السياسة عندما وضعوا أيديهم في يد الخطيب، وهو رجل القصر الأمين. ثانيا: سيخرجون من الحكومة بتجربة مهمة في الإدارة والتسيير، وهذا مكسب لا يقدر بثمن في بلاد لا تتاح فيها للإسلاميين إدارة شؤون الحكم بسهولة»…

قلت له: «لكن، ألا ترى أن القوس الذي يغلق اليوم دون إنجاز إصلاحات عميقة غدا سينفجر، ولن يعرف أحد كيف يتعامل معه؟». رد بهدوء: «لا أعتقد ذلك. المغاربة شعب محافظ وليس شعبا ثوريا، وهم يفضلون أن ينتظروا لسنوات إصلاحات بالجرعات على أن يغامروا بالاستقرار بحثا عن تغيير جذري. ثم إن هذا النظام جزء من هذا الشعب بحسناته وسيئاته»… ثم استطرد لم رآني أحاول أن أفهم منطقه لا مجادلته: «تطلبون من بنكيران أن ينجز المستحيل. هذا غير ممكن. ماذا حقق عباس الفاسي وإدريس جطو وعبد الرحمان اليوسفي وغيرهم؟ كل واحد من هؤلاء كانت له بصمة صغيرة في الحكومة. لا أحد من هؤلاء حول المغرب إلى كوريا… البلاد إمكاناتها صغيرة، وضاعت منها فرص كثيرة في سنوات الرخاء. نخبها في كل المستويات على قد الحال».

في الختام، طلب مني عدم نقل هذا الكلام على لسانه على الأقل، وقال: «هذا رأيي، وأنا في النهاية موظف ولست سياسيا، لكني أرى وأتابع بدون نظارات إيديولوجية أو حزبية، ولهذا ربما أرى ما لا يلتفت إليه آخرون».

ودعته وأنا أفكر في ما قاله، الذي احترمته حتى وإن لم أوافق عليه.

 
شارك المقال

شارك برأيك