محاربة الدعاية والأخبار المضللة في الحرب... الحاجة لصحافة وثقافة الحقائق

24 مارس 2022 - 06:00

كما هو الحال في العديد من النزاعات، تشكل المعلومة سلاحا قويا في الحرب الروسية الأوكرانية، خاصة في وقت أصبحت القدرة على تشويه الحقائق أسهل من أي وقت مضى بفضل التقنيات الرقمية.

فبمجرد بدء الغزو الروسي لأوكرانيا، انطلق هجوم المعلومات المضللة على قدم وساق، حيث نشرت الحسابات الموالية لروسيا على تطبيق المراسلة المغلقة “تيليغرام” Telegram تقارير كاذبة عن فرار الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي من البلاد. بل إن التضليل بدأ قبل أسابيع من سقوط أولى الصواريخ الروسية على المدن الأوكرانية.

وقد أدلى الكرملين بسلسلة من الادعاءات بحق الحكومة في كييف. وأذاع التلفزيون الروسي الحكومي أن القوات الأوكرانية ترتكب إبادة جماعية في منطقتي دونيتسك ولوهانسك الانفصاليتين على طول الحدود الروسية. ولدعم هذه الادعاءات، تم تصوير أوكرانيا على أنها هي المعتدية، ونشرت المقاطع على وسائل التواصل الاجتماعي، تبيّن لاحقا أنها مزيفة، لضحايا مزعومين من الجانب الروسي.

لكن بعد عشرة أيام من الغزو، وافق المشرعون الروس على قانون تجريم “الأخبار المزيفة” الذي وضع وسائل الإعلام المستقلة والصحفيين الأجانب في روسيا تحت طائلة تعليق أعمالهم، في حال عدم الأخذ ببيانات وروايات الكرملين المتعلقة بالحرب الدائرة.

الجانب الأوكراني، هو الآخر، ساهم في استعار الحرب الإعلامية عبر حملته الدعائية الخاصة به، حيث زعم المسؤولون في أوكرانيا، على سبيل المثال، أن أعداد القتلى بين صفوف الجنود الروس كانت أعلى بكثير من الأرقام التي جرى تقديرها من قِبٍل المخابرات الأمريكية أو الأرقام الصادرة عن الكرملين. كما قام هؤلاء المسؤولون حتى بعرض أسرى حرب أمام الصحافة، زعموا أنهم من الطرف الروسي.

وتقول إيما باومهوفر، الخبيرة الرقمية في المؤسسة السويسرية للسلام “سويس بيس” swisspeace “هذه هي قواعد اللعبة – أن يتم تناول المسألة من زوايا مختلفة ويتم خلق جو من الفوضى والارتباك”.

ولطالما كانت الحرب الدعائية سمة من سمات الصراع بين الأطراف المتنازعة، حيث يحاول كل طرف كسب قلوب ومشاعر وعقول الرأي العام بالإضافة إلى كسب المعارك. ولكن مع وسائل التواصل الاجتماعي والإنترنت والهواتف الذكية، يمكن للأطراف المتحاربة الآن تسليح المعلومات بطرق سهلة نسبيّاً وسريعة وتضمن المدى المراد لإيصالها.

وبما أن الأخبار الكاذبة تنتشر عبر الإنترنت ثم تشق طريقها خارج الإنترنت، تترسخ “البيئة المعقدة للمعلومات”، كما تسمّيها باومهوفر، مما يجعل من الصعب التمييز بين ما هو حقيقي وما هو من نسج الخيال.

وتقول المتخصصة في البعد السيبراني للنزاع وعملية بناء السلام الرقمي، جوليا هوفستتر من المؤسسة الفكرية السويسرية “فورأوس” foraus “في العديد من النزاعات، يقوم كل طرف باستخدام الأخبار المضللة الرقمية لحشد الدعم بين صفوف السكان الذين ينتمون لمعسكره، أو لزعزعة معنويات وقدرات العدو أو لتقويض عملية السلام”.

صحافة الحقائق

مؤسسة “إيرونديل” غير الحكومية، ترى أن تداعيات بث المعلومات المضللة على الناس في البلاد كبيرة، وتتسبب في تفاقم الأزمة الأمنية. كما أنها “تزيد من إضعاف عمل الجهات الفاعلة المشاركة في عملية بناء السلام”.

وتعتقد المؤسسة -التي تدعم منذ 25 سنة وسائل الإعلام المستقلة وتدريب الصحفيين في البلدان التي تعاني من الأزمات- أن الصحافة القائمة على الحقائق، يمكن أن تسهم في إحلال السلام. خاصة عندما يتم شرح الحقائق بأبسط طريقة ممكنة، وبلغة مفهومة.

وقد احتل التحقق من المعلومات مكانة متميّزة في حرب أوكرانيا، فقبل بدء الغزو، استخدم الصحفيون ومنظمات المجتمع المدني مثل “بيلينغكات” Bellingcat أدوات استخبارات متاحة المصادر عبر الإنترنت (OSINT) لفضح الصور ومقاطع الفيديو التي تدّعي إظهار العدوان الأوكراني، مما يكشف عن ثغرات كبيرة في الذرائع المقدمة من روسيا لتبرير غزوها.

وقد عرض الرئيس الأوكراني زيلينسكي بنفسه مقاطع فيديو تم تصويرها على هاتف ذكي يدحض فيها المزاعم الروسية. لكن تقصّي الحقائق ودعم وسائل الإعلام المستقلة لا يشكلان السبيل الوحيد لمكافحة المعلومات المضلِلة. وفي هذا السياق تؤكد إيما باومهوفر أن “إبراز الحقائق لا يكفي لتغيير آراء الناس. علينا معالجة الأسباب الجذرية التي تغذي هذا الانسياق إلى المعلومات المضللة.”

وتشدد كل من هوفستتر وبوامهوفر على أهمية محو الأمية الرقمية، لما لها من فوائد على الأفراد العالقين في براثن التعتيم الإخباري بشكل خاص. في روسيا، حيث قيدت الحكومة إمكانية الوصول إلى “تويتر” و”فايسبوك”.

ومن الأسباب الجذرية للتضليل والتعتيم، وسائل التواصل الاجتماعي، نظرا للدور الكبيرالذي تحتله سواء في نشر “الأخبار المزيفة”. كما تبقى في الوقت نفسه وسائل لنشر المعلومات المتحقق منها. وتحتاج مواجهة خطاب الكراهية والمعلومات المضللة عبر وسائل التواصل الاجتماعي، لاستثمار الموارد في مراقبة المحتوى باللغات المحلية في البلدان التي لا تعتبرها أسواقا مستهدفة ذات أهمية كبيرة.

ويرى الخبراء في الأمن والسلام الرقمي، أن الحاجة ماسة للضغط على شركات التكنولوجيا لبذل المزيد في مواجهة المعلومات المضلّلة في جميع حالات الصراع والحرب.

شارك المقال

شارك برأيك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.