"اليوم24" تنفرد بنشر حلقات من سيرة الصحافي الراحل عمر سليم.. حب فاشل في باريس (حلقة1)

22 أغسطس 2023 - 14:00

محمد مستعد

تقدم  « اليوم 24 » أول مقتطف من ترجمة كتاب « طنجة – حبيبتي » للصحفي المغربي الكبير الراحل عمر سليم. الكتاب الذي سبق أن صدر بالفرنسية في 2006 هي سيرة ذاتية روائية كما كان يحلو للراحل تسميتها. ويمكن اعتبارها بمثابة رسالة حب وعشق كبيرين إلى طنجة التي عاش فيها لمدة طويلة قادما من باريس، وإلى مهنة الصحافة و »للكلمة الجميلة والمناسبة » le bon mot في اللغة الفرنسية التي عشقها حتى النخاع.

إلى جانب كون الكتاب تحية حب للحياة وللأمكنة (طنجة وباريس..) فإنه يسلط الضوء على صفحات من التاريخ الراهن للصحافة المغربية سواء في علاقتها بفرنسا مما سمح بإنشاء إذاعة « ميدي 1  » المغربية الفرنسية في 1980، أو في ما يتعلق بتاريخ انطلاقة القناة الثانية 2M بدعم من فرنسا وكندا، أو في ما يتعلق أيضا بمرحلة عاشها عمر سليم مع الصحافة الحزبية في جريدتي « البيان » (حزب التقدم والاشتراكية)، و »لوبينيون » (حزب الاستقلال).

عرفت عمر سليم عن قرب واشتغلت معه في إذاعة « ميدي1 » ثم في القناة الثانية. وبقينا على اتصال في غالب الأوقات حتى بعد أن فرقت بيننا سبل مهنة الصحافة: « أدب العصر الراهن » كما كان يعرفها جان بول سارتر. وقد قمت بترجمة هذا الكتاب بعد اتفاق مع الراحل لكن لم يكتب له النشر حتى اليوم. وهذه المقتطفات تنشر اليوم لأول مرة في جريدة مغربية.

« طنجة – حبيبتي »

إلى أمي

 إلى ذكرى جدتي

وإلى ذكرى محمد شكري

وجدت السماء زرقاء وصافية في الدار البيضاء … تركت باريس بسمائها المكفهرة وسحبها وتركت معها ميشيل، رفيقتي وحبيبتي التي رفضت أن تأتي معي من أجل زيارة بلدي ومدينتي، وزيارة مسقط رأسي ولقاء عائلتي.

 » لا حاجة لي ببلدك ..  »

بهذا الجواب الصادم ردت علي ميشيل عندما اقترحت عليها أن ترافقني إلى المغرب لأقدمها إلى والدي.

كنت أرغب في الزواج بها لجمالها وذكاءها وخصوصا للحب وللروابط التي كانت تجمعنا إلى درجة التواطىء. كان يجمعنا تفاهم تام واتحاد وثيق. لكن ميشيل تجرأت ومست ببلدي وبأعز ما أملك: بلدي المغرب. ولهذا لم تكن تستحق أن تكون أما لأولادي.

 » لا حاجة لي ببلدك..  »

بقي وقع هذه الجملة يعذبني طيلة تلك الليلة. وكان من حسن حظي أنني وجدت إلى جانبي صديقي « أزاك »، ذلك « السوسي » الباريزي الشاطر الذي لم يكن يفارقني لحظة واحدة. كان « أزاك » يعيش في باريس منذ حوالي عشر سنوات، وكان فنانا في شطارته وحسن تدبيره. كان رجل ثقة، ميسور الحال يستطيع أن يفتح أمامك جميع الأبواب المغلقة. وقد لجأت إليه عندما كشفت لي ميشيل عن وجهها الحقيقي. كان من الواضح أنها لم تحببني أبدا وإلا لما تغيرت بهذا الشكل المفاجئ وغير المنتظر. كنت أعتقد أنني سأسعدها بدعوتها لزيارة بلدي.

(…)

مرت الأعوام وأصبحت مشغولا طوال الوقت. مشغولا بميشيل وبالدراسة والمسرح. وكنت قد بدأت في تقديم عرض مسرحي فردي تحت عنوان: « لقاء ذو بعد آخر ». وكان صديقي جون كلود يلعب فيه دورا رئيسيا حيث كان مسؤولا عن كل ما يتعلق بالإدارة: من صوت وإضاءة وأكسسوار وغيرها. وكانت مسرحية « لقاء ذو بعد آخر » بمثابة ردة فعل على الفيلم الناجح « لقاء من البعد الثالث  » rencontre de troisième type  (فيلم أمريكي شهير من أخراج ستيفن سبيلبرغ في 1977 – هامش المترجم) الذي كان أبطاله رجال قادمون من خارج كوكب الأرض. وكانت ربما محاولة ساذجة مني اعتقدت من خلالها أنه من الأنسب أن ننكب على مآسي الإنسان أولا قبل أن نستكشف السماوات والمجرات. وكنت أجسد في العرض سبع شخصيات تبحث عن نفسها وعن الآخرين. وقد عرفت العروض الثلاثون الأولى كلها النجاح، لكنني اضطررت إلى التوقف عند هذا الحد، لأنني أثناء إعدادي للعرض الواحد والثلاثين، تلقيت مكالمة هاتفية من مستشفى سانت أنطوان الذي أدخل إليه جون كلود صباح نفس اليوم وهو فاقد الوعي.

( … )

فهمت لماذا قررت أن أغادر باريس بأقصى سرعة لأنني كنت أريد أن أبتعد عن تلك التي حطمت قلبي واحتقرتني وأهانتني. لم يكن من الممكن أن أجد العزاء في أي مكان آخر سوى بين أحضان عائلتي وفي مدينتي. كانت الدار البيضاء متميزة وفريدة بزرقة سماءها. وعلى طول الطريق الذي كان يفصلنا عن الفيلا التي يسكن بها الوالد، بقيت صامتا وعيناي مشدودتان إلى ذلك السقف الساحر لمدينتي، مدينة مسقط رأسي. عندما كنت في باريس لم أكن أنظر إلا نادرا إلى السماء، ذلك الغطاء « الخفيض والثقيل »، حسب وصف الشاعر الكبير شارل بودلير. في عاصمة الأنوار، ما يشد الأنظار أكثر هو ما يجري فوق الأرض وليس ما يجري في السماء. (عمر سليم.. ترجمة محمد مستعد). أنظر أيضا:

« طنجة – حبيبتي »: سيرة ذاتية روائية للصحفي الراحل عمر سليم

 

 

 

 

 

 

 

 

 

شارك المقال

شارك برأيك

Laisser un commentaire

Votre adresse e-mail ne sera pas publiée. Les champs obligatoires sont indiqués avec *

التالي