في سياق تأريخ من نوع خاص للمؤتمر السابع للكونفدرالية، سأحاول، ضمن هذه السردية المقتضبة، بسط بعض مجريات هذا المحفل الهام، والذي نحتاج بصدده الاستماع إلى شهادات متعددة من المركز ومن الهامش، لعلها تساعد في استكمال الصورة. أود التنبيه إلى أنني هنا أنطلق في هذا الحكي من زاوية نظري الخاصة، وهو اختيار واعي يحاول إثارة الانتباه إلى زوايا النظر الذاتية للمشاركين. كما لا أدعي الإحاطة بكافة الحيثيات والتفاصيل، مع الإدراك بأهمية الهوامش إلى جانب مركز الأحداث الرئيسية. وأود كذلك أن ألفت الانتباه إلى أن رؤيتي للفاعلين النقابيين، وبخاصة القياديين منهم، تستند إلى تصور يفترض أن « الفاعل الاستراتيجي » يتحرك وفقا لتدافع المصالح والتقديرات. في ظل الطبيعة المعقدة للعمل النقابي التطوعي، أدرك تماما أن الكونفدرالية ليست ملاذا للملائكة فقط، بل إلى جانب الفضلاء والنزهاء فيها، قد يتسلل بعض « الانتهازيين » الذين يسعون من خلال مواقعهم النقابية إلى نيل امتيازات أو مكاسب.
المؤتمر تجربة وجدانية ولحظات إنسانية استثنائية
رفقة ما يزيد عن 1000 مؤتمرة ومؤتمر حضرت المؤتمر السابع للكونفدرالية الديمقراطية للشغل، بمركب بوزنيقة من 28 إلى 30 نونبر 2025. ويشكل الالتقاء في مثل هذه المحافل تجربة وجدانية متميزة. وتتميز هذه اللحظات بطابع إنساني وعاطفي وانفعالي فريد، بالنظر إلى تنوع المدن واختلاف الأصول والمسارات والتجارب النقابية والخبرات الحياتية وتعدد قطاعات العمل، إضافة إلى التمايز في المشارب الفكرية والحساسيات السياسية الذي يتبناها كل منهم، وكذلك المواقع داخل التنظيم. كل هذا يولد ثروة من الأفكار والتحليلات والتجاذبات، دون أن نغفل التفاعلات العفوية الإنسانية التي تتخلل جلسات الإفطار أو مائدة الشاي أو غيرها من لحظات الاستراحة. وأتذكر خلال انتظارنا لوجبة العشاء رفقة أخوات وإخوان مع إحساس بالانتماء إلى القبيلة الكونفدرالية، لفت انتباهنا بمائدة مجاورة لنا اجتمع فيها نقابيون من مدينة فاس، حيث انطلق أحدهم في ترديد شعارات متتالية بصوته الشجي لمدة طويلة، وعند انتهائه اكتشفنا أنه زجال، وشرع يلقي أشعارا بالدارجة، ليلقى تصفيقات الحاضرين. أتذكر كذلك ابتسامة إحدى الأخوات من التنظيم بقبعة كونفدرالية وحجاب أنيق، تراقب الدخول إلى القاعة الرئيسية بشرط التوفر على بطاقة المؤتمر badge، كما كانت تدعو المتواجدين خارج القاعة للانضمام إلى الجلسات.
لحظتان بارزتان
في اعتقادي، هناك لحظتان بارزتان شكلتا ذروة المؤتمر: الأولى تتعلق بتوتر الجلسة العامة الأولى، ليلة الجمعة/السبت. والثانية تتمثل في انفراج انتخاب الكاتب العام. ترتبط هاتان اللحظتان ارتباطا وثيقا بينهما، إذ يمهد توتر الأولى للثانية ويؤسس لها، بينما تمثل هذه الأخيرة ردا عليها ومخرجا لها. على هذا الأساس، نفهم أجواء ما قبل المؤتمر المشحونة بالترقب والتوقعات المتضاربة حول خيارات التجديد في القيادة بين من يفضل هذا على هذا، ومن يريد الاستمرار في موقعه وامتيازاته. وهو ما يثير تساؤلات يهمس بها البعض دون تصديقها، ويعلنها آخرون بانفعال جريء، بخصوص التوجس من الاستمرار في الجمود والإبقاء على الوضع الراهن، أو التجديد وإعادة توزيع المواقع. ومن المؤشرات على احتمالية وقوع توترات، يمكن الرجوع لإحدى التدوينات الغاضبة التي تحدثت عن احتمال انتخاب الكونفدرالية « ديناصوراتها الأبديين في مؤتمرها الحالي »، مقترحة تغيير الاسم ليصبح « الكونفدرالية البيروقراطية للشغل ». وفي لحظة كان الكاتب العام عبد القادر الزاير يصعد بصعوبة من أجل الجلوس بالمنصة بمساعدة مرافقيه، توجه إلي أحد النقابيين البارزين بقوله « ها هوما جابوه عاوتاني ». وكان المنظر يوحي للبعض بالوفاء لجيل التأسيس، ولدى آخرين بالنكوص وتأبيد « الأمناء إلى الموت ».
لحظة التوتر والانفعال
شهدت الجلسة العامة الأولى، المخصصة لتقديم التقريرين الأدبي والمالي والمصادقة عليهما وانتخاب رئاسة المؤتمر، تدخلات حادة أكدت أن أصحابها لا يستسيغون أن يكونا مجرد إكسسوارات تؤثث المشهد، بل صوتا فاعلا. برزت في هذه التدخلات آراء تستنكر ضعف تمثيلية النساء والشباب داخل الهيئات القيادية للنقابة، لا سيما في المجلس الوطني الحالي الذي انتخب من المكاتب المحلية دون منح تمثيلية لائقة للكونفدراليات. وهو واقع يتكرر في المؤتمر نفسه وحتى في تشكيلة المكتب التنفيذي السابق الذي لا يضم سوى ثلاث نساء من بين 30 عضوا. وخلال هذه المناقشة الساخنة، ارتفعت الأصوات ربما بضغط تأخر ساعات الليل، فسقط من أحد القيادات لفظ فهم على نحو سيء، مما أثار اضطرابا واستياء لدى الحاضرين، وكادت الأجواء تنهار تماما. لكن تدخل الأخ خليد العلمي لهوير أنقذ الموقف، فالرهان أعظم من التشاجر حول الكلمات، وقد أوضح أن قصد المعني بالأمر بعيد عن الإساءة لأي مؤتمر، معقبا بتقديم الاعتذار بالنيابة عنه إلى الجميع. إثر هذا التدخل الذي أعاد المؤتمر إلى سكته، تلاشت التوترات، وهدأت الأجواء، واستمر اللقاء إلى ساعات متأخرة من الليل. ويمكن ملاحظة تشابه اللحظات التي تتكرر بين المؤتمر الحالي والسابق.
لحظة الانفراج
انطلاقا من هذه اللحظة، تعززت القناعة لدى مناصري لهوير بأنه فعلا « القوة الهادئة » التي ينعته بها البعض، وأن قدراته وخبرته وتجربته بالمواقع السابقة تجعله الخيار الأنسب لقيادة المرحلة القادمة. وينقلنا هذا إلى اللحظة الثانية التي وقعت خلال الجلسة العامة المكلفة بانتخاب الأجهزة. وكانت المداخلات تؤكد، الواحدة تلو الأخرى، على ضرورة انتخاب الكاتب العام من المؤتمر للاعتراض على انتخابه بالمجلس الوطني. كان الكل ينتظر بتشوق هذه المحطة وهي المعنية بمنح إحدى أهم مخرجات المؤتمر. وعند انتهاء المصادقة على تقارير اللجان، للانتقال إلى انتخاب الأجهزة، شرعت أصوات من المؤتمر بالهتاف باسم لهوير مع ترديد شعارات قوية تدعمه ككاتب عام. وهو الأمر الذي تجاوب معه البقية بشكل يشبه الإجماع. أمام هذا المشهد العاطفي والانفعالي، لم يتقدم أي مرشح للمنافسة ولو على سبيل التنافس الشكلي، ليصعد الكثيرون إلى المنصة ويحسم هذا الأمر بطريقة حماسية على هذه الشاكلة.
إعادة إنتاج التراتبية
ينبغي التذكير بأن المؤتمر السابق للكونفدرالية المنعقد في نونبر 2018 كان يلقي بظلاله على الحاضرين. فخلال المؤتمر السادس انتخب عبد القادر الزاير كاتبا عاما بأغلبية ساحقة خلفا لرفيق دربه، نوبير الأموي، الذي حالت أسباب صحية دون حضوره أشغال المؤتمر. في هذه المحطة، برز اتفاق يتزعمه الأخ علال بلعربي يقضي بانتخاب الكاتب العام من قبل المجلس الوطني. الأمر الذي اعترض عليه المؤتمرون، معلنين أن المؤتمر سيد نفسه، مما أدى إلى إيقاف أشغال المؤتمر إلى حين تدخل الزاير، بعد منتصف الليل، معلنا عن استئناف المؤتمر لأشغاله، ليقابل الأمر بالتصفيق والشعارات، ليدفع ذلك الأخ بلعربي ومجموعة من المكتب التنفيذي السابق إلى الانسحاب من المؤتمر.
من هذا المنطلق، يمكن مقارنة وضعية الزاير في السابق إلى جانب الأموي، بوضعية لهوير حاليا إلى جانب الزاير. فقد كان كلاهما يشغل منصب نائب يتم تكليفه بالتنظيم، مما يمنحهما السبق في القدرة على ضبط وتتبع تفاصيل الوضعية التنظيمية. هذه العلاقة بين الكاتب العام ونائبه الذي يخلفه بعد أن يصيب الأول العياء ويعيقه المرض، تمثل إعادة إنتاج لمنطق « الشيخ والمريد » الذي أبرزه الأنثروبولوجي عبد الله حمودي. فقد أوضح أن النسق الثقافي بكل تمظهراته، والذي يحكم بنيات الدولة والإدارة والأحزاب والنقابات والشركات في بلداننا، يندرج ضمن الخطاطة الثقافية للتصوف، حيث يخضع المريد لشيخه، ويكتسب المشروعية من هذه الملازمة وهذا الارتباط الوثيق. هنا، لا نناقش نوايا الأشخاص أو استقامتهم أو انفتاحهم أو حتى رسوخ إيمانهم بالحرية والديمقراطية، وإنما ننبه إلى أن البنيات القاهرة التي ينتظمون فيها تعيد إنتاج التراتبية والخضوع بشكل لا واعي.
هذا النسق، للأسف، لا يزال مسيطرا على مفاصل هيئات الكونفدرالية وتنظيماتها الترابية، ولم تستطع الانفكاك منه، وهي في ذلك ليست بدعا من واقع مؤسسات الدولة الذي تنتقده، ولا عن باقي الهيئات النقابية الأخرى. فقد تكون من أشد المناهضين للجمود والتحكم والاستبداد، لكن في الآن ذاته تعيد إنتاج نفس الممارسات. والواقع الذي تسعى النقابة إلى تغييره قد يعيد بدوره تشكيل عقليتها ومنظومتها.
انطلاقا من هذا الفهم، يمكن ربط كل القضايا التي أثيرت في المؤتمر حول التشبيب، والمساواة، والإنصاف، والاستحقاق، والكفاءة بمدى الوعي بالبنيات التي تنتج التسلط والتفاوتات والخضوع. ومن دون هذا الوعي، لن نتجاوز مستوى تجميل بنيات النقابة عبر حلول سطحية وعلاجات جانبية من قبيل لوائح ملحقة بالمجلس الوطني للنساء والشباب. بينما المطلوب هو القيام بثورة عميقة وهادئة لمراجعة البنيات الذهنية والمؤسساتية التي تصنع الإقصاء الخفي والتسلط الناعم، وجعل نقطة الانطلاق هي الوعي الجريء بمكامن الخلل.
شريط الأخبار
سناء مرحاتي، نبيلة معن ودنيا بطمة يحيين التراث الغيواني بمشاركة أزيد من 50 عازفًا
كلية علوم التربية تحتفي بالإبداع الطلابي وتؤكد أهمية الفن في التكوين الجامعي
« كان » الفتيان: المنتخب المغربي يخوض حصته التدريبية ما قبل الأخيرة تأهبا لمواجهة الكاميرون
برامج الترفيه تكتسح نسب المشاهدة… و »لالة العروسة » في المقدمة
يوسف كسو يطلق جديده الغنائي « هذا زمان عجب »
عملية أمنية بتزنيت تفشل تهريب طنين من « الحشيش »
وفاة الصحفي في القناة الأولى شهاب زريوح
فركوس يعود إلى القاعات السينمائية بفيلم “الخطّابة” تكريماً لفضيلة بنموسى
مراد أسمر يطرح جديده الغنائي « راجع لي تاني » بروح شعبية عصرية
نقابة العدول التابعة لحزب الاستقلال تُنوه بالمعارضة جراء إحالتها مشروع قانون المهنة على القضاء الدستوري
تأملات على هامش المؤتمر السابع للكونفدرالية الديمقراطية للشغل
11/12/2025 - 12:38