أعادت شكوى قضائية قُدمت أخيراً في إسبانيا فتح نقاش بالغ الحساسية يتجاوز حدود الوقائع القانونية الصرفة، ليطال صميم الذاكرة السياسية للديمقراطية الإسبانية. فقد تقدّمت امرأة بشكوى رسمية تتهم فيها أدولفو سواريث Adolfo Suárez ، أول رئيس حكومة بعد الانتقال الديمقراطي، بارتكاب اعتداءات جنسية خلال مطلع ثمانينيات القرن الماضي، حين كانت لا تزال قاصراً.
ورغم أن الوقائع المزعومة سقطت بالتقادم، وأن المتهم توفي سنة 2014، فإن القضية فجّرت جدلاً واسعاً حول العلاقة المعقدة بين السلطة، والذاكرة التاريخية، وحقوق الضحايا.
لا تكمن أهمية هذه القضية في إمكان ترتيب آثار قضائية عليها، وهو أمر مستبعد بحكم القانون، بل في بعدها الرمزي والسياسي. فهي تطرح سؤالاً مركزياً تواجهه اليوم ديمقراطيات عديدة :كيف ينبغي التعامل مع اتهامات خطيرة تطال شخصيات تحوّلت إلى أعمدة في السردية الوطنية؟ وهل يمكن مساءلة التاريخ دون تقويض الأسس التي بُنيت عليها الشرعية الديمقراطية؟
وفق رواية المشتكية، فإن الوقائع جرت في سياق علاقة غير متكافئة، اتسمت بإساءة استعمال النفوذ والهيبة الاجتماعية. وتصف الكيفية التي جعلت موقع المتهم، بوصفه شخصية عامة نافذة، حاجزاً نفسياً ومادياً حال دون التبليغ لسنوات طويلة. هذا النمط من العنف، القائم على اختلال ميزان القوة، لم يعد يُنظر إليه اليوم كحالة استثنائية، بل كظاهرة مرتبطة ببُنى السلطة ذاتها، حيث يُنتج النفوذ صمتاً، وتُنتج الهيبة حصانة غير معلنة.
غير أن خصوصية الحالة الإسبانية تعود إلى المكانة الرمزية التي يحتلها أدولفو سواريث في المخيال الجماعي. فهو يُقدَّم، منذ عقود، باعتباره مهندس الانتقال السلمي من الديكتاتورية إلى الديمقراطية. ومن هذا المنطلق، يرى البعض أن إعادة فتح ملفه الشخصي تمسّ برواية مؤسسة لا تزال تؤدي وظيفة سياسية وتوافقية في المجتمع الإسباني. في المقابل، يرى آخرون أن أي ديمقراطية ناضجة لا يمكنها الاستمرار في حماية رموزها من المساءلة الأخلاقية، حتى وإن تعلّق الأمر بتاريخها المؤسِّس.
الانقسام السياسي الذي رافق القضية يعكس هذا التوتر. فهناك من دعا إلى مراجعة التكريمات الرسمية الممنوحة للراحل، باعتبار أن الذاكرة الديمقراطية لا يمكن أن تكون انتقائية أو صمّاء تجاه معاناة الضحايا. وهناك من تبنّى موقفاً أكثر تحفظاً، مشدداً على ضرورة التمييز بين الحقيقة القضائية والحقيقة السردية، ومحذراً من إسقاط معايير الحاضر على وقائع الماضي.
لكن خارج هذا الاستقطاب، يبرز سؤال أعمق: هل الذاكرة الديمقراطية وثيقة مغلقة، أم نص مفتوح قابل لإعادة القراءة؟
بالنسبة لعدد من الباحثين في قضايا العنف الجنسي، فإن العدالة لا تختزل في الحكم القضائي وحده. حين يتعذر الإنصاف القانوني، تصبح العدالة الرمزية والاجتماعية ضرورة أخلاقية. الاعتراف، والإنصات، وإتاحة المجال للروايات المهمشة، كلها عناصر تدخل في صلب إعادة التوازن، لا سيما حين تكون المؤسسات قد ساهمت، بشكل مباشر أو غير مباشر، في إنتاج الصمت.
هذا النقاش لا يخص إسبانيا وحدها. فقد شهدت دول أوروبية وأمريكية، خلال السنوات الأخيرة، مراجعات مؤلمة لإرث شخصيات سياسية ودينية وثقافية بارزة، على ضوء شهادات ظهرت متأخرة. وفي كل مرة، يعود السؤال ذاته: كيف نحمي الذاكرة دون أن نحولها إلى أداة إنكار؟ وكيف نصون الديمقراطية دون أن نجعلها ملاذاً آمناً للتجاوزات؟
بالنسبة للقارئ المغربي والمغاربي عموماً، تكتسي هذه القضية بعداً تأملياً يتجاوز الجغرافيا. فهي تذكّر بأن الديمقراطية ليست مجرد مؤسسات وانتخابات، بل أيضاً قدرة مستمرة على مساءلة الذات، وعلى إعادة فحص المسلّمات، وعلى الاعتراف بأن التاريخ، مهما بدا منجزاً، يحمل داخله مناطق ظلّ لا تزول بالصمت.
العبارة التي تختم بها المشتكية شهادتها – «هو رحل، لكنني ما زلت على قيد الحياة» – تختزل جوهر القضية. فهي لا تطالب بمحاكمة مستحيلة، بل باعتراف ممكن. ومن هنا، لا تعود المسألة متعلقة بشخص بعينه، بل بمعنى الذاكرة الديمقراطية نفسها: هل هي تمجيد بلا مساءلة، أم سرد حيّ، قابل للتصحيح، ومفتوح على العدالة الرمزية؟