أثار امتناع الحزب الاشتراكي البرتغالي عن التصويت على قرار برلماني يشيد بقرار مجلس الأمن رقم 2797 (2025) الخاص بالصحراء المغربية جدلا سياسيا بشأن مدى اتساق هذا الموقف مع التحول الذي عرفته الدبلوماسية البرتغالية خلال السنوات الأخيرة، ومع الخط العام الذي رسخته مؤسسات هذا البلد في التعاطي مع الملف.
فقد صادقت الجمعية الوطنية للجمهورية البرتغالية، خلال جلسة عامة عقدت الثلاثاء 6 يناير 2026، على مشروع قرار يثمن اعتماد مجلس الأمن للقرار 2797 (2025)، ويؤكد أولوية مبادرة الحكم الذاتي التي تقدم بها المغرب باعتبارها الإطار الواقعي الوحيد للتفاوض من أجل حل سياسي نهائي ومقبول من جميع الأطراف.
ونصّ المشروع، المقدم باسم لجنة الشؤون الخارجية، على أن القرار الأممي يشكل محطة مفصلية في اتجاه سلام دائم وعادل بشمال إفريقيا، داعيًا إلى مقاربة براغماتية تنسجم مع روح قرارات الأمم المتحدة.
وقد قاد المبادرة حزب CHEGA، أول قوة معارضة في البرلمان بـ60 نائبًا، وحظيت بدعم أحزاب الأغلبية الحكومية ضمن “التحالف الديمقراطي” (الحزب الاجتماعي الديمقراطي والحزب الشعبي)، إضافة إلى حزب المبادرة الليبرالية المعروف بمواقفه النقدية من الحكومة، خصوصًا في السياسة الخارجية.
لكن قوى اليسار الراديكالي، وعلى رأسها الحزب الشيوعي وكتلة اليسار، اختاروا عدم المشاركة في التصويت.
وقد تركزت الأنظار، حسب مصادر مطلعة، على قرار الحزب الاشتراكي الامتناع عن التصويت، وهو موقف وُصف بـ »المفاجئ » قياسًا إلى المسار الذي قادته حكوماته السابقة، خاصة في عهد رئيس الوزراء الأسبق أنطونيو كوستا، حيث انتقلت البرتغال من حياد سلبي قائم على أطروحات استفتائية أصبحت متجاوزة، إلى دعم حل سياسي واقعي تحت مظلة الأمم المتحدة. وقد تُوّج هذا التحول خلال الاجتماع رفيع المستوى المغربي–البرتغالي في ماي 2023، وتعزز لاحقًا خلال زيارة وزير الخارجية المغربي ناصر بوريطة إلى لشبونة في يوليوز 2024.
ويرى مراقبون أن امتناع الحزب الاشتراكي يطرح إشكال “الشرعية الانتقائية”، إذ يصعب التوفيق بين رفع شعار احترام الشرعية الدولية، وبين التحفظ على قرار برلماني يستند صراحة إلى قرار صادر عن مجلس الأمن. كما يثير هذا الموقف تساؤلات حول انعكاساته على صورة الحزب داخليًا وخارجيًا، خصوصًا في سياق ترشيح البرتغال لعضوية مجلس الأمن للفترة 2027–2028، حيث يُفترض أن يشكل الانسجام مع القرارات الأممية عنصرًا أساسيًا في المصداقية الدبلوماسية.
وعلى المستوى الثنائي، يكتسي الامتناع دلالات رمزية يصعب تجاهلها، في ظل عمق العلاقات المغربية–البرتغالية، التي احتُفل سنة 2025 بالذكرى الـ250 لمعاهدة السلام بين البلدين. كما يستحضر هذا الجدل حسب المصادر الإرث السياسي لشخصيات برتغالية وازنة، من قبيل ماريو سواريس، الصديق التاريخي للمغرب، وأنطونيو غوتيريش، الأمين العام للأمم المتحدة، وما يمثله ذلك من التزام أخلاقي وقانوني بالحلول الأممية الواقعية.
ويشكّل هذا الامتناع الصادر عن الحزب الاشتراكي البرتغالي بمثابة نداءً إلى حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية الذي تربطه علاقة مع الحزب الاشتراكي البرتغالي من أجل تكثيف قنوات التواصل والحوار ليس من باب المجاملة الحزبية، بل في إطار مسؤولية سياسية وتاريخية مشتركة تروم الدفاع عن عمق العلاقات المغربية البرتغالية. وتشير مصادر إلى أن الفراغ التواصلي لا يخدم سوى القراءات المترددة داخل اليسار الأوربي، بينما يفرض الظرف الحالي تفعيل الدبلوماسية الحزبية كرافعة مكمّلة للدبلوماسية الرسمية.
وبرغم هذا الجدل، تشير المصادر إلى أن تصويت البرلمان البرتغالي لصالح القرار يُسجَّل كخطوة سياسية واضحة تعزز الزخم الدولي الداعم لمبادرة الحكم الذاتي المغربية، وتؤكد أن الموقف المؤسساتي للدولة البرتغالية يسير في اتجاه الانخراط العملي في منطق الحل السياسي، بعيدًا عن الحسابات الحزبية الضيقة.