نظم المكتب المغربي للملكية الصناعية والتجارية يوم الخميس الأخير 22 يناير 2025، ندوة افتراضية بمعية شركائه، خصصت لتقديم المنصة الإلكترونية الجديدة لإحداث المقاولات في المغرب.
وقد عرفت الندوة تقديم عروض في الموضوع من قبَل ممثلي المكتب وشركائه المتمثلين في وزارة العدل والمديرية العامة للضرائب التابعة لوزارة الاقتصاد والمالية ومديرية المطبعة الرسمية التابعة للأمانة العامة للحكومة والصندوق الوطني للضمان الاجتماعي.
ويكتسي هذا الحدث أهمية اقتصادية دالة، وخطوة طال انتظارها منذ زمن طويل. وسوف تتوقف هذه المقالة عند أهم المرجعيات الحاكمة لهذا المشروع الهيكلي وأهم الخدمات التي يوفرها لزبائنه، والأهمية الحيوية التي يكتسيها، وقبل ذلك يتعين التذكير بالمسار التاريخي الذي سلكه المشروع قبل أن يرى النور.
1. المسار التاريخي:
يمكن التأريخ لانطلاق ورش رقمنة تأسيس المقاولات، بالرسالة الملكية الموجهة للوزير الأول الأسبق عبد الرحمان يوسفي يوم 9 يناير 2002، المتعلقة بالتدبير اللامتمركز للاستثمار. وقد أثارت الرسالة الملكية الانتباه إلى « ما تواجهه فئات المقاولين من مصاعب بسبب الإجراءات المتعددة والمعقدة التي يستوجبها إحداث الشركات أو المقاولات الفردية ويتطلبها استكمال المساطر الإدارية التي تستلزمها عملية الاستثمار ». ولوضع حد لتلك المعاناة، قرر الملك إحداث « مراكز جهوية للاستثمار تتولى نوعين من المهام الرئيسية، أحدهما للمساعدة على إنشاء المقاولات والآخر لمساعدة المستثمرين ».
بعد ذلك وفي حدود سنة 2006، هيأت وزارة الشؤون الاقتصادية والعامة دفاتر تحملات لإطلاق صفقات، من أجل تصميم وإنجاز حل على الخط لإحداث المقاولات. وقام التصور على أن تتلقى المراكز الجهوية للاستثمار طلبات إحداث المقاولات، وتعمل على معالجتها مع شركائها المتمثلين في كل من وزارة التجارة والصناعة(في شخص المكتب المغربي للملكية الصناعية والتجارية) ووزارة العدل(من خلال المحاكم التجارية) ووزارة الاقتصاد والمالية(من خلال المديرية العامة للضرائب) والصندوق الوطني للضمان الاجتماعي.
غير أن هذا المسار توقف لسنوات ليشهد انطلاقة جديدة ومتجددة سنة 2019، بنشر القانون 88.17 المتعلق بإحداث المقاولات بطريقة إلكترونية ومواكبتها، وذلك بتاريخ 21 يناير 2019. ولم يكن من الممكن تفعيل القانون الذي دخل حيز التنفيذ بعد سنة من إصداره، بسبب تأخر نشر النص التنظيمي الذي أحال عليه. فقد مرت سنتان قبل أن يقدِّم وزير الصناعة والتجارة مشروع المرسوم رقم 2.22.92 بتحديد كيفيات وإجراءات إحداث المقاولات بطريقة إلكترونية ومواكبتها، في المجلس الحكومي المنعقد يوم 03 مارس 2022، حيث تقرر تأجيل البت فيه إلى اجتماع لاحق. وفي 7 شتنبر 2023(سنة ونصف بعد ذلك) سيقدم ذات الوزير للمجلس الحكومي تقريرا حول مشروع المرسوم ليتقرر عقد اجتماع موسع برئاسة رئيس الحكومة مع مختلف المتدخلين المعنيين. وقد أفضى هذا المسار القانوني المتعثر إلى إقرار المرسوم ونشره في الجريدة الرسمية بتاريخ 15 يوليوز 2024.
2. التأطير القانوني للمنصة الإلكترونية لإحداث المقاولات:
نصت المادة الأولى من القانون 88.17 المتعلق بإحداث المقاولات بطريقة إلكترونية ومواكبتها، على إحداث »المنصة الإلكترونية لإحداث المقاولات بطريقة إلكترونية ومواكبتها »، يتولى المكتب المغربي للملكية الصناعية والتجارية تدبيرها واستغلالها. وألزم القانون بأن تُبَاشر عبر المنصة المذكورة جميع الإجراءات القانونية المطلوبة لإحداث المقاولات، على أن تسلِّم الإدارات والهيئات المختصة الشهادات والمستخرجات المتعلقة بإحداث المقاولات عبر ذات المنصة، وتؤدى عبرها أيضا ووجوبا جميع الرسوم والأجور عن الخدمات ذات الصلة.
وفيما يخص المرسوم2.22 .92 بتحديد كيفيات وإجراءات إحداث المقاولات بطريقة إلكترونية ومواكبتها، فقد ألزم بأن تعتمد المنصة الإلكترونية منظومةً للتبادل الإلكتروني للمعلومات والمعطيات والوثائق المتوفرة لدى الإدارات والهيئات المعنية بعملها، وتبعا لذلك أَعْفَى المعني بالأمر(مُحْدِث المقاولة) من الإدلاء بالوثائق التي يمكن أن تكون موضوعا للتبادل الإلكتروني بين الإدارات والهيئات المذكورة.
من جهة أخرى، نص المرسوم على رقمنة الإجراءات التي يتطلبها إحداث المقاولة، بتمكين مُنْشِئ المقاولة من الحصول على نسخ إلكترونية من الشهادة السلبية(التي تسلمها مصالح المكتب المغربي للملكية الصناعية والتجارية)، وتسجيل النظام الأساسي للشركة، والتسجيل في جدول الرسم المهني، والتقييد في السجل التجاري، والتصريح الجبائي بالتأسيس، والنشر في الجريدة الرسمية، والانخراط في الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي.
وتتيح المنصة الإلكترونية لمحْدِث المقاولة تتبع مسار الإحداث وتلقي الإشعارات، بما في ذلك إشعاره بقبول طلبه، أو عند الاقتضاء بالوثائق المتعينة لاستكمال إجراءات البت في الطلب، أو برفض طلبه بشكل معلل.
3. رافعات المنصة الإلكترونية: تدرجٌ في التنزيل وتطورٌ في الولوجية وتكريسٌ لتوافقية الخدمة
قبل أن تستوي منصة الإحداث الإلكتروني للمقاولات على صيغها المعلنة في الندوة الافتراضية يوم 22 يناير الجاري، ارتأى شركاء هذا المشروع التنزيل المتدرج للمنصة، بحيث تم إطلاقها في نسخة تجريبية على مستوى المحكمة التجارية بالرباط في فبراير 2023، ثم على مستوى المحاكم التجارية لكل من مراكش وأكادير وفاس وطنجة ووجدة والدار البيضاء خلال يناير 2024، وبعد ذلك على مستوى محاكم الداخلة والعيون وبني ملال خلال شهر شتنبر 2024، لينتهي مسار التعميم في فبراير 2025 بتعميم المنصة على الصعيد الوطني، ليشمل 79 محكمة موزعة على الجهات الاثنتي عشرة للمملكة.
وتفيد البيانات المقدمة خلال الندوة الافتراضية المشار إليها، إلى أن المنصة الإلكترونية لإحداث المقالات، ومنذ فبراير 2021، أصدرت أكثر من 627.449 شهادة سلبية بمعدل معالجة زمنية لم يتجاوز 24 ساعة، وتم عبرها إحداث أكثر من 38100 مقاولة بأجَلٍ لم يتجاوز في المعدل 3 أيام.
وفيا يخص لجوء المقاولين لإحداث مقاولاتهم عبر المنصة الإلكترونية بدل الإحداث بالطريقة التقليدية المألوفة، فقد عرف مسارا من التحسن، حيث لجأ 27.2% من مجموع المقاولين المعنيين إلى إحداث مقاولاتهم إلكترونيا خلال الفصل الأول من سنة 2025، و35.2% خلال الفصل الثاني و39% خلال الفصل الثالث من نفس السنة.
وفيما يتعلق بأداء المنصة الإلكترونية لإحداث المقاولات حسب المحاكم، فقد تصدرت المحكمة التجارية لفاس نسب الإنجاز بتحقيقها 55.16% متبوعة بمحكمة مراكش(45.80%) ثم محكمة الداخلة(45.50%) ثم محكمة الدار البيضاء(42.93%) ثم محكمة بني ملال(35.06%).
إلا أن مما يحسب أكثر للمنصة الإلكترونية لإحداث المقاولات، هو طابعها التشاركي في التصميم وفي تدبير العلاقة مع المرتفق. ففيما يخص التصميم، فقد عملت الإدارات العمومية المعنية بإحداث المقاولات على تنسيق عملها، مما أفضى إلى منجز التحول الرقمي لمنظومة إحداث المقاولات بالطريقة التقليدية الذي نشهده اليوم، بحيث يمكن لكل إدارة من الإدارات المتدخلة في ملف إحداث المقاولات تدبير ما يخصها من خلال نفس الواجهة.
والوجه الثاني لتميز المنصة هو أنها تتيح شباكا وحيدا للمُقبِلين على إحداث مقاولاتهم، بحيث يتعاملون مع جهة واحدة هي المنصة، بدل الوضع الحالي الذي يضطرون فيه للتنقل بين الإدارات المعنية أو تحمل التبعات المالية إذا ناولوا الإجراءات لغيرهم. وهنا وجب التذكير بتنصيص المرسوم 2.22 .92 بتحديد كيفيات وإجراءات إحداث المقاولات بطريقة إلكترونية ومواكبتها، على اعتماد المنصة الإلكترونية لمنظومةٍ للتبادل الإلكتروني للمعلومات والمعطيات والوثائق المتوفرة لدى الإدارات والهيئات المعنية بعملها، وإعفاء مُحْدِث المقاولة من الإدلاء بالوثائق التي يمكن أن تكون موضوعا للتبادل الإلكتروني بين الإدارات والهيئات المذكورة. لكن الأهم هو الترجمة الوفية لهذا المقتضى القانوني في صلب البناء التقني للمنصة الإلكترونية لإحداث المقاولات. وهنا تجدر الإشارة إلى أن ورش التبادل البيني بين الإدارات العمومية للوثائق التي في حوزتها بما يُمَكِّن المرتفق من التعامل مع جهة إدارية واحدة ولو تعددت الإدارات المعنية بطلبه، هو ورش يعتريه البطء مما يكرس معاناة المرتفقين في علاقتهم بالإدارات العمومية.
خاتمة:
إن تصميم وإطلاق المنصة الإلكترونية لإحداث المقاولات، لهو منجز هام بلا شك يكتسي أبعادا متعددة، وهو ما يقتضي التنويه ويستلزم من شركاء هذا المشروع تسويقه على أوسع نطاق وتوسيع الولوج إلى منصته في أفق أن تتحول قناةً وحيدة لإحداث المقاولات. وإلى جانب ذلك يتعين تعبئة شروط استدامة هذا المشروع الهيكلي ودرء كل ما يمكن أن يشوش على وظيفته أو يحد من فعاليته.
غير أن التأخر المزمن الذي اعترى إخراج هذا الورش إلى حيز الوجود وهو 24 سنة بالتمام والكمال، منذ الرسالة الملكية بشأن التدبير اللامتمركز للاستثمار، ليدعو الفاعلين العموميين إلى إعادة النظر في المقاربات المعتمدة لإنجاز الإصلاحات المتطلبة، توخيا للنجاعة ودرءً لهدر الزمن الإصلاحي.