لا أعتقد أن أحداً قدّم تعريفاً دقيقاً وعميقاً لمفهوم العلمانية، مستوعباً للنسق الغربي في بعديه الفكري والحركي، كما فعل الدكتور عبد الوهاب المسيري، حين عرّفها بأنها: « نزعُ القداسة عن العالم ».
والنزع المقصود هنا يتسق تماما مع ما تنبّأ به المسيري حين أبدع مفهوم متواليات (أو متتاليات) العَلْمنة؛ الذي يفيد، عنده، أن انطلاق العلمنة من تعريفها المتداول والبسيط باعتبارها فصلا للدين عن الدولة، ومرورا باعتبارها تمييزا للمجال العام عن المجال الخاص، لا يعدو أن يكون مجرد مقدّمة لمسار أشمل، ينتهي بفصل العالم بكل مجالاته، عن القيم، بما ينزع القداسة عن كل شيء فيه.
من هذا المنطلق، لم تُفاجئني الصور والتسريبات المرتبطة بهذه الفضائح؛ لأنها ليست نهاية الانحراف، بل نتيجة طبيعية لمسار مجتمعي قادته توجّهات حُرَّانية ( بمفهوم طه عبد الرحمن) تقوم على النزعة الليبرتارية (Libertarian) التي منحت العقل المجرد سلطة مطلقة لقياس مصلحته الفردية ومصلحة جماعته التي ينتمي إليها، حتى وإن تم ذلك بتناسي طبيعة هذا العقل وبنية اشتغاله التي تجعله عقلاً خاضعاً لمنطق اللذة حين يفتقد للضوابط القيمية التي توجهه.
وهو أمر وإن أَهَّل الحرية لكي تصير هي « قيمة القيم » وغاية الوجود في النسق الغربي، فإنه لم يكتف بجعل اللذة هي الوسيلة الأداتية لتحقيق هذه القيمة. بل إنه غامر بخطورة رَمْي قيمة الحرية بين أحضان إشباع اللذة، في تغافل تام عما قد يحدثه الإعلاء من قيمة الحرية من استعباد لِلَّذة التي كلما بالغ الإنسان في ممارستها كلما فَقَدَ، على نقيض ما نبأ به فرويد، الإحساس بها، فيكون ذلك الفَقْدُ مَدْعَاةَ للبحث عنها في أشكال أخرى أكثر جرأة، وأكثر امتناعاً، وأكثر تحصّناً برقابة المجتمع، ليصبح اقتحام المقدسات و »الطابوهات » عنواناً لكسر القيود الاجتماعية، وتجسيداً لانتصار الحرية؛ وفي هذا يجسد الجنس أكبر مداخل التعبير عن الحرية، باعتباره المجال الأكثر ارتباطاً بأقصى درجات اللذة.
لهذا أستغرب دائما من أولئك الذين يُسقِطون مفهوم الحرية على البيئة العربية الإسلامية، فيسقطون ـ بوعيٍ أو بدونه ـ في الرؤية التي من المفترض أنهم يواجهونها ويرفضونها. فكثير من المفكرين والدعاة المحسوبين على التيار الإسلامي يرون أن الحرية أصلٌ أصيل في الفكر والممارسة الاجتماعية الإسلامية. وعندما تسألهم عن مفهوم الحرية يُحيلونك إلى معناها الغربي: أي التحرّر من القيود الاجتماعية التي تعيق حركة الإنسان. وهوم بذلك يتناسون أن الدلالات اللغوية لكُلٍّ من « الحُرِّ » le libre، والحرية la liberté تمنح للفرد سلطة كسر قيود الواقع والعودة به إلى الأبعاد الفلسفية للفرد الذي لا يريد أن يضاهيه في تشكّله شيءٌ آخر. على اعتبار أن هذا الكيان المسمى بالفرد l’individu هو كيانٌ يجب أن يبقى متفرّدا عن كل ما عداه، لأنه هو المالك لذاته ولا يحق لأي كان أن يتدخل في اختياراته المتعلقة بما يملكه من عقل وجسد..
أمّا «الحرّ» في النسق العربي الإسلامي فهو مختلفٌ تمامًا عن معناه الغربي، لأن الحرّ في الدلالة العربية هو ضدّ الزيف والتزوير؛ فنقول: عسل حرّ وزيت حرّ أي لم يختلط به شيءٌ آخر. وهو المعنى الذي انتقل إلى الاصطلاح ليعني ما حافظ على نقائه وصفائه، أي ما وافق الفطرة ولم يُغيّر شيئا في أصول الدين.
لهذا فكلما ابتعد المسلم عن أوامر دينه أحسّ أنه يفقد حريته رويدًا رويدًا، ولهذا يستعمل الأصوليون والفقهاء مفهوم الحرمة بدل الحرية، لأن الحرمة يصوغها الدين، والحرية قد يصوغها الهوى، والفرق بين المفهومين واضحٌ وجلي.
غير أن ما يهم في هذه الحادثة، التي تبدو في ظاهرها فضيحة أخلاقية، هو ما تخفيه من أزمة قيمية عميقة داخل المنظومة الفكرية الغربية، وما تكشفه من تآكل في المنظومة السياسية التي جعلت من الديمقراطية مفهوماً محورياً لتجميع الإرادات الفردية في إرادة عامة، تتجسد في الدولة ومؤسساتها، في إطار ما يُعرف بـ سلطان الإرادة.
إن الديمقراطية الغربية تقوم على وفق ثلاثية: العقلانية، والحرية، والمصلحة العامة؛ حيث تُصاغ المصلحة العامة حصراً بناءً على عقلانية الأفراد وحرياتهم في الفعل أو الامتناع عنه وفق حقوقهم المستمدة من الطبيعة، دون الحاجة إلى أي مصادر خارج سلطان العقل البشري وسلطان الطبيعة البشرية، سواء أكانت هذه المصادر ديناً، أم تقاليدَ تواتر الناس على استحسانها، أم قيماً أخلاقيةً أجمع البشر، عبر الأزمنة والأمكنة، على الإعلاء من شأنها.
وبكل تأكيد، فإن هذه الديمقراطية ليست سوى ثمرة طبيعية للتفاعل بين هذه المكونات الثلاثة، لتفرز تجسيداً مؤسساتيا للمصلحة العامة، تقوده نخب لا قداسة حياتية لها، سواء تعلق الأمر بحياتها الجنسية، أو بحياتها الاستعلائية التي تشرعن استعباد شعوب ونهب ثروات أخرى. أو بعملية الاختيار برمتها التي تسمح، في المنظومة الديمقراطية، بوصول أي كان إلى زمام القيادة والسلطة..
لكن، وبعيداً عن البعد الأخلاقي لهذه الحادثة، فإن السؤال الذي يفرض نفسه بإلحاح، ويجب أن يتبادر إلى الذهن هو: لماذا تم تسريب هذه الصور والرسائل في هذا التوقيت بالذات؟
أعتقد أن المستهدف هنا ليس قادة الدول الغربية، فشعوبهم قد اعتادت على مثل هذه الفضائح وهي معتادة على محاكمات رؤسائها ومسؤوليها بمثل هذه التهم، وإن كانت هذه المرة أكثر إيلاماً للضمير العالمي، ولخطاب الحداثة وحقوق الإنسان، الذي طالما جعل من حماية الأطفال والنساء جوهرَ مرافعاته الأخلاقية.
بل إن المقصود، في تقديري، هو دول عربية أبدت مقاومة للمشروع الجديد الذي يبشر به ترامب وحلفاؤه في المنطقة، وبدأت تحركاتها الأخيرة تثير قلق أطراف عديدة، ترى فيها إمكانية لتحفيز مواجهة وحدوية تجابه مشاريع التقسيم ومشاريع خلق فوضى في المنطقة عبر إثارة النعرات الطائفية والعرقية ضدا على وحدة شعوب المنطقة..
شريط الأخبار
سناء مرحاتي، نبيلة معن ودنيا بطمة يحيين التراث الغيواني بمشاركة أزيد من 50 عازفًا
كلية علوم التربية تحتفي بالإبداع الطلابي وتؤكد أهمية الفن في التكوين الجامعي
« كان » الفتيان: المنتخب المغربي يخوض حصته التدريبية ما قبل الأخيرة تأهبا لمواجهة الكاميرون
برامج الترفيه تكتسح نسب المشاهدة… و »لالة العروسة » في المقدمة
يوسف كسو يطلق جديده الغنائي « هذا زمان عجب »
عملية أمنية بتزنيت تفشل تهريب طنين من « الحشيش »
وفاة الصحفي في القناة الأولى شهاب زريوح
فركوس يعود إلى القاعات السينمائية بفيلم “الخطّابة” تكريماً لفضيلة بنموسى
مراد أسمر يطرح جديده الغنائي « راجع لي تاني » بروح شعبية عصرية
نقابة العدول التابعة لحزب الاستقلال تُنوه بالمعارضة جراء إحالتها مشروع قانون المهنة على القضاء الدستوري
فضائح إبستين: من مفهوم العلمانية الشاملة إلى ما وراء هذه التسريبات؟؟
02/02/2026 - 16:55