أحمد عبادي: الذكاء الاصطناعي يعيد طرح سؤال التدين في العصر الرقمي- فيديو

13/03/2026 - 15:30
أحمد عبادي: الذكاء الاصطناعي يعيد طرح سؤال التدين في العصر الرقمي- فيديو

نظم منتدى كفاءات إقليم تاونات، مساء أمس الخميس، لقاءً فكرياً مع أحمد عبادي، الأمين العام للرابطة المحمدية للعلماء، خُصص لمناقشة موضوع “التدين في الزمن الرقمي… الفرص والتحديات”، وذلك بحضور عدد من المهتمين بالشأن الفكري والديني.

وفي مداخلته، توقف عبادي عند التحولات العميقة التي أحدثها الذكاء الاصطناعي في طريقة إنتاج المعرفة وتداولها، محذراً من أن العصر الرقمي جعل من الصعب التمييز بين الحقيقة والزيف، خاصة مع انتشار تقنيات التزييف العميق (Deepfakes) التي باتت قادرة على صناعة صور وأصوات ومقاطع فيديو يصعب التحقق من صحتها.

وأوضح أن الذكاء الاصطناعي التوليدي أصبح يطرح أسئلة جديدة حول طبيعة المعرفة وحدودها، مشيراً إلى أنه حين يُطلب من هذه الأنظمة “أن تجيب عن أي سؤال”، فإنها تقدم أجوبة دقيقة للغاية، تصل أحياناً إلى مستويات عالية من الخصوصية. واستحضر في هذا السياق تجربة شخصية، حين طلب من أحد أنظمة الذكاء الاصطناعي تحليل خصائصه النفسية، فقدم إجابات وصفها بأنها دقيقة إلى حد جعله غير مرتاح لأن يعرفها حتى أقرب الناس إليه.

وأضاف أن التقنيات الرقمية الحديثة قادرة اليوم على تحليل الإنسان عبر المعطيات البيومترية مثل نبضات القلب والبصمات الرقمية، ما يسمح باستنتاج جوانب من شخصيته وميوله النفسية، وهو ما يفتح نقاشاً عميقاً حول مستقبل الإنسان في ظل هيمنة البيانات والخوارزميات.

وتوقف عبادي عند فرضية أوسع تتعلق بمستقبل التفكير الإنساني، معتبراً أنه إذا تمكن الذكاء الاصطناعي من ضبط النصوص والكلمات بدقة متناهية، بما في ذلك النصوص الدينية، فإن السؤال المطروح هو: هل ستبقى الآلة مجرد أداة، أم يمكن أن تؤثر مستقبلاً في التفكير واتخاذ القرار؟ مؤكداً أن هذا النقاش لم يعد مجرد خيال علمي.

وفي هذا السياق استحضر أطروحات المؤرخ والمفكر يوفال نوح هراري الذي يرى أن الذكاء الاصطناعي قد يبدو أشبه بـ“كائن فضائي معرفي”، لأنه قادر على كشف الكثير من خصائص الإنسان وفهمها بطرق غير مسبوقة.
كما اعتبر الأمين العام للرابطة المحمدية للعلماء أن التدين القائم فقط على حفظ النصوص قد يفقد جزءاً من أهميته في عصر تستطيع فيه الآلات استحضار النصوص بدقة وسرعة، مؤكداً أن القيمة الحقيقية تكمن في الفهم العميق للنصوص وفي القدرة على تنزيلها في الواقع.

ولإبراز هذه الفكرة، استحضر واقعة من التراث الإسلامي حين قيل للإمام البخاري إن أحدهم يحفظ كتاب مصنف عبد الرزاق، فأجاب بأن ذلك يعني أنه مجرد “نسخة أخرى من الكتاب”، في إشارة إلى أن الحفظ وحده لا يكفي، وأن جوهر العلم يكمن في الفهم والاستيعاب.

وشدد عبادي على أن التحدي الحقيقي في العصر الرقمي يتمثل في التدين العملي الذي يركز على القيم والسلوك والاختيارات الرشيدة في الحياة، وليس فقط على استظهار النصوص. وأضاف أن الإنسان يظل مطالباً بتعلم كيفية التعامل مع القلق والخوف واتخاذ القرار في مواجهة قضايا كبرى مثل الزمن والموت والمعنى، وهي مجالات لا يمكن للبرامج التقنية أن تحل محل الإنسان فيها.

وأكد عبادي أن القرآن الكريم لا يقتصر على تقديم النصوص، بل يضع آيات وعلامات ترشد الإنسان إلى كيفية العيش برشد في الحياة. فالتحدي الحقيقي، بحسب تعبيره، ليس فقط معرفة النصوص، بل القدرة على الاهتداء بها في التعامل مع قضايا الوجود الكبرى مثل الموت والوقت والفكر والجانب الوجداني وكيفية اتخاذ القرار في الحياة.

وأوضح أن هذه الهداية القرآنية تساعد الإنسان أيضاً على التعامل مع الخوف والقلق، وتعلم الحلم وحسن الاختيار، وهي مهارات إنسانية عميقة لا يمكن لأي برنامج أو خوارزمية أن تعلمها بشكل كامل.

وأكد العبادي على أن المستقبل قد يشهد ما يشبه “منازلة معرفية” مع الذكاء الاصطناعي، غير أن التحدي الحقيقي يكمن في قدرة الإنسان على توجيه هذه التكنولوجيا لخدمة القيم الإنسانية وإعطاء العالم وجهة أخلاقية أكثر رشداً.

شارك المقال