لم يكن اجتماع 15 مارس 2020 وحده هو الذي دمّر العلاقة بين خوان كارلوس الأول وفيليبي السادس. بل إنه، بالأحرى، كشف عن صدعٍ كان يتسع منذ سنوات داخل العائلة الملكية. فالإقصاء العلني للملك الفخري، وسحب مخصصاته المالية، وتخلّي الابن الموثق عن إرث أبيه، لم تكن سوى الفصل الأخير من قطيعةٍ كانت تتشكل منذ زمن طويل، غذّتها فضائح الأب، وضرورات الابن السياسية، ودينامية عائلية أخذت فيها العاطفة تتراجع لصالح استراتيجية البقاء المؤسسي.
وأكثر ما يلفت في رواية خوان كارلوس الأول أنه، لكي يفسر هذا الانهيار، يحتاج دائماً إلى البحث عن مسؤولين خارجيين. فمن جهة، هناك الحكومة، التي يتهمها باستغلال الوضع للنيل من الملكية. ومن جهة أخرى، هناك ليتيثيا، التي تتحول في هذا السرد إلى الخصم العائلي المناسب. يكتب الملك الفخري بمرارة أن دخول ليتيثيا إلى الأسرة «لم يساعد على تماسك» العلاقات العائلية. وهي واحدة من أكثر العبارات المباشرة في مذكراته. ووفقاً لروايته، حاول أن يقترب منها، وقال لها إن باب مكتبه مفتوح لها دائماً، وإن بإمكانها أن تأتي متى شاءت. لكنه يصرّ على أنها لم تفعل.
وقد تبدو هذه الملاحظة بريئة، لكنها تنطوي على حكم واضح: ليتيثيا، في هذا السرد، امرأة باردة، بعيدة، لا تميل إلى الاندماج في العائلة البوربونية القديمة. غير أن هذا التفسير يغفل الأهم. فليتيثيا لم تبتعد عن حميها من فراغ، ولا بدافع التعالي الشخصي، ولا بسبب عدم انسجام في الطباع. لقد فعلت ذلك في سياق كان فيه خوان كارلوس الأول يحمل، منذ سنوات، سمعة رجل ذي حياة خاصة مضطربة، وعلاقات عاطفية علنية، وإهانات متكررة للملكة صوفيا، ثم لاحقاً شبهات مالية ثقيلة. ومن هذا المنظور، لم يكن الحفاظ على المسافة مع الملك الفخري نزوة شخصية، بل شكلاً من أشكال الحماية. بل ويمكن اعتباره أيضاً تعبيراً عن ذكاء سياسي.
لكن خوان كارلوس يرفض أن يرى الأمور بهذه الطريقة. ويفضل أن يلمّح إلى أن ليتيثيا كانت تُبعد فيليبي تدريجياً عن محيطه القديم: عن أصدقاء الطفولة، وعن والديه، وحتى عن شقيقاته. والفكرة هنا واضحة: الابن، بحسب هذه الرواية، وقع أسير حياته الزوجية الجديدة، وابتعد بصورة مصطنعة عن دائرته الأصلية. غير أن هذا التفسير يتجنب السؤال المزعج: ماذا لو أن هذا الابتعاد لم تكن ليتيثيا سببه الحقيقي، بل كان سلوك الأب نفسه؟ وماذا لو أن فيليبي بدأ يبتعد لأن صورة خوان كارلوس كانت تتحول، شيئاً فشيئاً، إلى عبء سامّ على المؤسسة وعلى عائلته الخاصة أيضاً؟
ويصبح الألم أكثر وضوحاً حين يتحدث خوان كارلوس الأول عن حفيدتيه ليونور وصوفيا. فهو يعترف بأنه لم يتمكن قط من الخروج وحده معهما في مدريد، وأن الملكة صوفيا لم تستطع أن تستقبلهما بمفردها في بالما، كما كانت تفعل مع بقية الأحفاد. والصورة التي يرسمها هنا مؤلمة ببساطتها: الملكان الفخريان يعيشان في الثارثويلا نفسها، على بعد لا يتجاوز مئة متر تقريباً من إقامة فيليبي وليتيثيا، ومع ذلك فإن العلاقة مع الطفلتين محدودة جداً، مضبوطة بدقة، وشبه منعدمة من حيث الحميمية العائلية.
في هذا التذمر شيء من الحزن الصادق. فخوان كارلوس يصف رغبة زوجته في أن تنقل إلى حفيدتيها شجرة العائلة، وتاريخ الأسرة، وقيمها، وبعض النصائح التي يمكن أن تقدمها ملكة سابقة إلى ملكة مقبلة. لكن الرواية، مرة أخرى، تبقى ناقصة لأنها لا تطرح السؤال الحاسم: لماذا اتخذ فيليبي وليتيثيا هذا القرار؟ والإجابة، على قسوتها، واضحة. فقد كانا لا يريدان أن تكبر وريثة العرش وشقيقتها تحت التأثير اليومي لجد ارتبطت صورته العامة بالفساد، والمنفى في أبوظبي، والحسابات الغامضة، والعلاقات الخاصة التي أحرجت المؤسسة سنوات طويلة. لقد أرادا حمايتهما من ذلك التلوث الأخلاقي والسياسي.
وهذه النقطة أساسية. لأن الشرخ العائلي هنا ليس مجرد مأساة خاصة، بل الامتداد الحميمي لعملية دفاع عن التاج. فقد أدرك فيليبي السادس وليتيثيا أن الطريقة الوحيدة لضمان مستقبل أكثر نظافة ــ ولو نسبياً ــ لليونور، هي فصلها، قدر المستطاع، عن الإرث السامّ للملك الفخري. وهكذا تتحول العائلة المكسورة إلى مجاز للملكية نفسها: لكي تبقى المؤسسة حيّة، لا بد من بتر جزء من ماضيها.
وتظهر حدة هذا الشرخ بوضوح خاص في رواية أول عودة لخوان كارلوس الأول إلى إسبانيا في مايو 2022، بعد نحو عامين من مغادرته إلى أبوظبي. فقد عاد للمشاركة في سباقات سانخينخو البحرية، إحدى هواياته الكبرى. وكانت الدار الملكية قد خططت في البداية لالتقاط صورة لمّ شمل عائلي، في محاولة لإظهار شيء من الطبيعية. غير أن وصوله بطائرة خاصة، والتغطية الإعلامية الواسعة التي رافقت ظهوره، غيّرا الأجواء بالكامل. أُلغي التقاط الصورة. وضاعت فرصة تقديم مشهد مصالحة أمام الرأي العام بسبب الخشية من أن تنقلب صورة القرب من الملك الفخري على فيليبي نفسه.
يروي خوان كارلوس أنه وصل إلى الثارثويلا «وقلبه منقبض». وكان موظفو القصر ينتظرونه، لكنهم ــ بحسب روايته ــ لم يُسمح لهم بالبقاء لتحيته، وأُعيدوا إلى أعمالهم. وبالنسبة إليه، بدا ذلك إذلالاً محسوباً. وبعد ذلك جرى حديث مغلق بينه وبين ابنه. لامه فيليبي على الاستعراض الإعلامي، وعلى الطائرة الخاصة، وعلى الأثر السياسي لعودته. ثم جاءه بالضربة النهائية: أبلغه بأن الحكومة لا تريد له أن يعود في يونيو لحضور بطولة العالم للشراع في سانخينخو. فسأله خوان كارلوس: «وأنت، ما رأيك؟». فأجابه فيليبي: «أرى الشيء نفسه».
لعل هذه من أقسى المشاهد في النص كله. لأنها اللحظة التي يكتشف فيها خوان كارلوس أن الابتعاد لم يعد مجرد تنازل تكتيكي فرضته الظروف، بل أصبح قناعة راسخة لدى ابنه. لم يعد الأمر مجرد استجابة لضغط حكومي أو تدبيراً للحظة إعلامية سيئة. لقد استبطن فيليبي أن عودة والده إلى الحياة العامة الإسبانية تتناقض مع مشروع إعادة البناء المؤسسي الذي كان قد شرع فيه.
ويعيش الملك الفخري ذلك بوصفه خسارة عاطفية لا تعوّض. ويتساءل أين ذهبت رقة ذلك الابن اللطيف البشوش القديم، وأين تبخرت شفقته. ويلقي باللوم على ثقل التاج، وعلى ضغوط المنصب، وعلى صعوبات الوضع السياسي في البلاد. لكنه يتجنب السؤال الأكثر وضوحاً: أليس هو، تحديداً، من أجبر فيليبي على أن يصبح على هذا القدر من الصلابة؟ فليس ثمة شيء يفتك بالعلاقة بين الأب والابن أكثر من وضع الثاني أمام خيار مستحيل: إما الولاء العائلي، وإما بقاء المؤسسة التي يمثلها.
وهنا يكمن السؤال الأكبر: هل كان فيليبي السادس قاسياً، أم أنه فعل ببساطة الشيء الوحيد الذي كان يمكنه فعله؟ يريد خوان كارلوس من القارئ أن يرى فيه ابناً جاحداً، خاضعاً للمستشارين، وللحكومة، ولزوجته، ولمناخ سياسي معادٍ. لكن الواقع يبدو، في آن واحد، أشد قسوة وأبسط تفسيراً. ففي مارس 2020، وبعد أن أصبحت فضائح الملك الفخري المالية علنية، وكانت التحقيقات جارية، والضغط السياسي والإعلامي يخنق التاج، لم يكن لدى فيليبي هامش حقيقي. كان عليه أن يبتعد عن والده علناً، أو يخاطر بأن يُسحب معه إلى القاع.
وقد اختار المؤسسة، ومن الصعب جداً القول إنه أخطأ. فعندما أُغلقت التحقيقات لاحقاً، لا بسبب البراءة بل بسبب التقادم والحصانة، كانت الملكية قد اتخذت مسافة واضحة. وكان فيليبي قد شيّد جداراً عازلاً كافياً لكي لا تلتهم فضائح الأب حكم الابن أيضاً. وتلك كانت، في الجوهر، نقطة بقائها.
ولهذا تعمل القطيعة بينهما بوصفها مجازاً مثالياً لأزمة الملكية الإسبانية. فعلى مدى عقود، حمت المؤسسة خوان كارلوس الأول. صمتت وسائل الإعلام، وأدار القضاة رؤوسهم إلى الجانب الآخر، وفضّلت الأحزاب السياسية ألا تمسّ صورة ملك الانتقال الديمقراطي. لكن حين بدأ البناء كله يتشقق، لم يعد ممكناً الاستمرار في حماية الرجل من دون التضحية بالمؤسسة بأكملها. وقد فهم فيليبي السادس أنه مضطر إلى الاختيار بينهما. فاختار التاج.
ويعيش خوان كارلوس هذا الخيار بوصفه خيانة شخصية. يشعر بأنه جُرّد من الأهلية، وأُقصي، وطُرد من التاريخ الذي ساهم هو نفسه في صنعه. وما لا يفهمه ــ أو لا يريد أن يفهمه ــ هو أن سلوكه هو بالذات الذي أجبر ابنه على القيام بهذه العملية الجراحية. فاجتماع 15 مارس 2020 لم يكسر العائلة الملكية، بل فقط أضفى الصفة الرسمية على شرخ كان يتكون منذ عقود. شرخ بين طريقتين في فهم الملكية: طريقة الأب، الذي عاشها مراراً بوصفها امتيازاً شخصياً؛ وطريقة الابن، الذي حاول أن يعيد بناءها بوصفها مسؤولية مؤسساتية لها حدود.
وفي هذا الشرخ، اختار فيليبي المستقبل. وقد لا يغفر له والده ذلك أبداً. لكن إذا كُتب للملكية الإسبانية أن تصمد، فسيكون ذلك بالضبط لأن الابن تجرأ، في اللحظة الحاسمة، على أن ينبذ الأب.