دخل رئيس الحكومة عزيز أخنوش، الأربعاء الماضي، إلى قبة البرلمان محاطًا بقادة أحزاب الأغلبية، في مشهد يبدو أنه « مرتب له بعناية »، وتم الترويج والاحتفاء بصورة التماسك الحكومي على نطاق واسع، ووصف البعض المشهد بـ »خفر » قادة الأغلبية لرئيس الحكومة وهو متوجه إلى تحت قبة البرلمان لعرض حصيلة الحكومة (2021-2026).
غير أن ما بدا في الصورة « منجزًا » كبيرًا، تفكك داخل كلمة رئيس الحكومة نفسها، حيث تكشف الأرقام عن سردية مختلفة تماما.

في الشكل، كان قادة التجمع الوطني للأحرار وحزب الاستقلال والأصالة والمعاصرة يحيطون رئيس الحكومة، في تجسيد بصري لوحدة وتماسك الأغلبية الحكومية، لكن في المضمون، بدا أن هذه الوحدة لا تترجم بنفس القدر داخل خطاب الحصيلة، الذي تحول، بالأرقام، إلى مساحة غير متكافئة بين مكونات التحالف الثلاثي.
« اليوم 24 » وضع كلمة رئيس الحكومة في تقديم حصيلة الحكومة على « مشرحة » تحليل البيانات، لتكشف المعطيات التحليلية أن 47% من الزمن المخصص لعرض الحصيلة ذهب لقطاعات يشرف عليها وزراء حزب رئيس الحكومة، أي « التجمع الوطني للأحرار »، وهو رقم يقارب نصف الخطاب، ويمنح الحزب موقع « الفاعل المركزي » داخل الخطاب الحكومي.
في المقابل، حصلت قطاعات يشرف عليها وزراء الأصالة والمعاصرة على 12% من مجموع الحيز الزمني الذي خصصه رئيس الحكومة لعرض الحصيلة أمام البرلمان بغرفتيه، الأربعاء الماضي، بينما تراجعت حصة حزب الاستقلال إلى 4% فقط، وهو رقم يقترب من الهامش أكثر مما يعكس شراكة في تدبير الحصيلة.
تجاهل « الاستقلال«
اللافت للانتباه، من خلال المعطيات التحليلية لكلمة رئيس الحكومة في تقديم الحصيلة الحكومية، « تجاهله » لأغلب القطاعات الوزارية التي يوجد على رأسها وزراء حزب الاستقلال، واكتفى أخنوش بتقديم حصيلة موجزة لقطاعي الماء والصناعة، الأول في 160 كلمة فقط، والثاني في 200 كلمة، وذلك من مجموع كلمات خطاب أخنوش أمام ممثلي الأمة، والذي بلغ 8400 كلمة.
ولم يقدم رئيس الحكومة أي حصيلة تتعلق بقطاع التجهيز الذي يديره الأمين العام لحزب الاستقلال، كما تجاهل أيضًا عرض حصيلة قطاعي التجارة (الوزير رياض مزور)، والتجارة الخارجية (كاتب الدولة عمر احجيرة). ونفس الإقصاء طال قطاعات النقل واللوجيستيك (الوزير عبد الصمد قيوح)، والتضامن والأسرة (نعيمة ابن يحيى)، والإدماج الاجتماعي (كاتب الدولة عبد الجبار الراشدي).
« محتشم » للبام
أما بخصوص القطاعات الحكومية التي يوجد على رأسها وزراء حزب الأصالة والمعاصرة، فقد حضر بعضها في عرض رئيس الحكومة للحصيلة، حتى وإن كان ذلك بشكل « محتشم »، كما هو الشأن بالنسبة للقطاع الحكومي الذي تشرف عليه فاطمة الزهراء المنصوري، المنسقة الوطنية للقيادة الجماعية لـ »البام ».
وعرض أخنوش حصيلة قطاع الإسكان في 50 كلمة فقط، ومنح لقطاع الانتقال الطاقي 80 كلمة، دون تقديم أي حصيلة تتعلق بالتنمية المستدامة (الوزيرة ليلى بنعلي). أما قطاع التعليم العالي (الوزير عز الدين الميداوي) فكان نصيبه من الحصيلة الحكومية 130 كلمة.
ولم يقدم رئيس الحكومة أي حصيلة لقطاع الثقافة (الوزير المهدي بنسعيد)، بينما حضرت حصيلة الشباب في 90 كلمة فقط، كما عرضت حصيلة القطاع الذي يشرف عليه الوزير « البامي » يونس السكوري في 200 كلمة، أغلبها يتعلق بالشغل، وجزء منها خصص للتكوين المهني.
كما عرض رئيس الحكومة حصيلة قطاع العدل (الوزير عبد اللطيف وهبي) في 230 كلمة.
واللافت للانتباه أن قطاع الانتقال الرقمي وإصلاح الإدارة كان الأوفر حظًا من بين القطاعات التي يشرف عليها وزراء « البام »، وقدم رئيس الحكومة حصيلته في 260 كلمة، وهو القطاع الذي توجد على رأسه الوزيرة آمال السغروشني، وهي وزيرة منتدبة لدى رئيس الحكومة.
هيمنة لـ »الأحرار«
بالمقابل، حرص رئيس الحكومة على عرض حصيلة قطاعات وزراء حزب « التجمع الوطني للأحرار »، وكان لهم النصيب الأكبر من الحيز الزمني المخصص لعرض الحصيلة الحكومية، دون أن يغفل أي قطاع من القطاعات التي يوجد على رأسها وزراء أو كتاب دولة من « الأحرار ».
وقدم أخنوش حصيلة الحكومة في الاقتصاد والاستثمار في نحو 990 كلمة، بما يشكل نحو 12% من عرض الحصيلة الحكومية، وخصص للقطاع المالي أيضًا نحو 840 كلمة، ثم 710 كلمات لقطاع الصحة والحماية الاجتماعية، و490 كلمة لقطاع الفلاحة والصيد البحري، ثم 430 كلمة لقطاع التربية الوطنية، ثم 255 كلمة لقطاع السياحة والاقتصاد التضامني والصناعة التقليدية، و230 كلمة لقطاع العلاقات مع البرلمان.
مسار « الثقة »
حزب التجمع الوطني للأحرار كان قد اختار شعار « مسار الثقة » عنوانًا لكتاب أصدره قبل أشهر، ضمن تصور قال إنه يندرج في إطار المساهمة في بناء نموذج تنموي جديد، وهو الشعار نفسه الذي قام الحزب بتوظيفه في الترويج لحملته الانتخابية خلال استحقاقات 2021، بما جعله واحدا من أبرز محددات هويته الخطابية والسياسية.
ولعل اللافت في هذا السياق أن كلمة « مسار »، حضرت 36 مرة في عرض الحصيلة الحكومية يوم الأربعاء الماضي تحت قبة البرلمان، بما يوحي باستمرار حضور المرجعية اللفظية نفسها داخل الخطاب الحكومي.
في المقابل، غابت كلمة « إنصاف » تمامًا عن الخطاب، رغم أنها تشكل شعار حليفه في الأغلبية، حزب الاستقلال، إذ لم ترد ولو مرة واحدة، في مفارقة لغوية وسياسية تطرح أكثر من سؤال حول تمثّل مكونات التحالف داخل خطاب رئيس الحكومة.

من حيث « الشكل«
حرص رئيس الحكومة على تقديم حصيلة الحكومة منذ تنصيبها وفق نسق محدد، وترتيب للقطاعات بشكل جعل القطاع الذي يوجد على رأسه الوزير مصطفى بايتاس هو الأول في ترتيب القطاعات والقضايا التي تناولها أخنوش في عرض الحصيلة.
وبعد مدخل مقتضب قدم فيه رئيس الحكومة سياق عرض الحصيلة الحكومية في 270 كلمة، عرض أخنوش حصيلة قطاع العلاقات مع البرلمان أولًا، لينتقل مباشرة إلى تقديم الشكر للملك وعرض بعض ملامح الرؤية الملكية الاستراتيجية، متحدثًا عما تحقق خلال الـ26 سنة الماضية من تحولات استراتيجية في القضية الوطنية، وخصص لهذا المحور 500 كلمة.
وخصص رئيس الحكومة حيزًا مهمًا للحديث عن ظروف اشتغال الحكومة والتحديات التي واجهتها، وهو المحور الذي جاء مباشرة بعد تقديم الشكر للملك والحديث عن الرؤية الملكية الاستراتيجية، وتحدث أخنوش في 570 كلمة عن الصعوبات التي واجهتها حكومته.
كما حرص على أن يختم عرض الحكومة بالتعبير عن مواقف سياسية تجاه عدد من القضايا، وبعث رسائل إلى مختلف الفرقاء، وذلك في حيز مهم خصصت له 800 كلمة.
قطاعات السيادة
قطاعات السيادة، أو القطاعات التي يوجد على رأسها وزراء « تكنوقراط »، حضر بعضها وغاب البعض الآخر عن عرض الحصيلة الحكومية.
ولم يتحدث أخنوش عن قطاع الأوقاف والشؤون الإسلامية، بينما خصص 540 كلمة للحديث عن الجهوية المتقدمة وبرامج التنمية الترابية التي تشرف عليها وزارة الداخلية.
وفي المحور ما قبل الأخير، تحدث أخنوش عن الإشعاع الدولي للمملكة في 230 كلمة.