علم “اليوم24” أن عبد اللطيف وهبي وزير العدل، أصدر مذكرة جديدة تهم طريقة استخلاص الرسوم القضائية لفائدة المؤسسات البنكية وشركات التمويل، تعتمد نظاماً للأداء المؤجل بدل الأداء الفوري المعمول به بالنسبة لباقي المتقاضين. المذكرة، التي دخلت حيز التنفيذ في فاتح أبريل 2026، وُجّهت إلى المحاسبين العموميين بالمحاكم، وتدعو إلى اعتماد مسطرة رقمية مبسطة تقوم على تسجيل الرسوم في حساب رقمي وتأجيل أدائها إلى وقت لاحق.
هذا الإجراء، الذي يبدو في ظاهره تقنياً، سرعان ما أثار موجة انتقادات داخل الأوساط القانونية، حيث اعتبر متتبعون أنه يطرح إشكالا حقيقيا على مستوى مبدأ المساواة أمام القضاء، ويعيد طرح سؤال تكافؤ الفرص بين المتقاضين. فبينما يُلزم الأفراد والشركات الأخرى بالأداء الفوري للرسوم تحت طائلة التصريح بعدم قبول دعاواهم، يُمنح الفاعل البنكي امتيازاً إجرائياً يخفف عنه عبء الأداء المسبق، ويمنحه هامشاً زمنياً قد يؤثر على توازن الخصومة القضائية.
ويرى عدد من الممارسين أن هذا التوجه يتعارض مع الإطار القانوني المنظم للمساعدة القضائية، وخاصة مقتضيات ظهير 1963 بشأن المساعدة القضائية، الذي حصر الاستفادة من الأداء المؤجل أو الإعفاء في فئات محددة وفق شروط دقيقة، لا تشمل بطبيعتها مؤسسات مالية ذات ملاءة قوية. كما يثير الإجراء تساؤلات عملية حول كيفية تعامل قضاة الحكم مع ملفات تُودع دون أداء الرسوم، في وقت ينص فيه القانون على التصريح بعدم القبول في حالة الإخلال بهذا الشرط الشكلي.
الجدل لا يقف عند حدود النص، بل يمتد إلى الممارسة اليومية داخل المحاكم، خاصة في القضايا الاستعجالية التي تخضع لإكراهات الزمن وتقتضي أداءً فورياً لضمان البت السريع. فكيف سيتم التوفيق بين طبيعة هذه المساطر وبين نظام الأداء المؤجل؟ وهل سيجد القضاة أنفسهم أمام وضعية غير مسبوقة تضعهم في مواجهة مباشرة مع توجيهات السلطة الحكومية؟
من زاوية أخرى، يطرح الإجراء إشكالية مؤسساتية تتعلق بعلاقة وزارة العدل بوزارة المالية، باعتبار أن المحاسبين العموميين العاملين بكتابات الضبط يخضعون وظيفياً لسلطة هذه الأخيرة. وهو ما يجعل البعض يتساءل عن مدى التنسيق بين القطاعين بخصوص هذا التغيير، وانعكاساته على منظومة تدبير المال العام داخل المحاكم.
وفي خضم هذا النقاش، يذهب رأي داخل الأوساط المهنية إلى أن هذه الخطوة تعكس توجهاً سياسياً وقانونياً يميل إلى تسهيل ولوج المؤسسات البنكية إلى القضاء، في سياق علاقة متوترة للوزارة مع عدد من المهن القانونية الأخرى. غير أن هذا الطرح، رغم تداوله، يظل في حاجة إلى قراءة متأنية تفصل بين الانطباع والتأويل من جهة، وبين المعطيات القانونية الصرفة من جهة أخرى.
يبقى السؤال الجوهري الذي يفرض نفسه اليوم: هل يتعلق الأمر بإجراء تقني لتبسيط المساطر وتحديث الإدارة القضائية، أم بامتياز إجرائي قد يمس بجوهر العدالة القائمة على المساواة بين الخصوم؟
الإجابة، كما يرى مهنيون، لن تحسمها المذكرات، بل الممارسة القضائية وتفاعل القضاة مع هذا المستجد، في ظل نصوص قانونية لا تزال تؤطر الأداء الفوري كشرط أساسي لقبول الدعوى.