نتوجه إليكم بمناسبة الاستحقاقات الانتخابية المقرر إجراؤها في 23 شتنبر 2026، للتأكيد على أن إصلاح منظومة التربية والتكوين في بلادنا لم يعد اختيارا سياسيا ثانويا، بل أصبح قضية وطنية وأولوية ملحة لا تقبل التأجيل.
شهد المغرب سنة 2024 تراجعا خطيرا في مؤشرات جودة التعليم، إذ تراجع ربع قرن إلى الوراء في مجال التحصيل الدراسي للتلامذة المغاربة في العلوم في المرحلة الإعدادية. كما أن نسبة المتعلمين الذين يتحكمون في الحد الأدنى للكفايات انخفضت إلى 18 في المائة فقط بعدما كانت تقارب الخمسين في المائة سنة 2019.
إن الانعكاسات الوخيمة لهذه الأزمة تمتد إلى التعليم العالي أيضا، حيث جاءت جامعاتنا في مراتب متأخرة في التصنيفات الدولية، وإذا استثنينا جامعة محمد السادس المتعددة التقنيات التي تبلي بلاء حسنا بفضل الإمكانات الهائلة التي ترصد لها، فإن باقي الجامعات جاءت في المراتب ما بعد الألف. وفي تقرير للبنك الدولي، تبين أن سنوات التمدرس المتوقعة المعدلة بمقدار الجودة بالنسبة للتلميذ المغربي تبلغ حوالي ست سنوات ونصف بدل العشر سنوات ونصف المعلن عنها رسميا، مما يعني أن شهادة الإعدادي عندنا تساوي بمعيار جودة التعليم أقل من الشهادة الابتدائية.
انطلاقا من هذه المعطيات، واستنادا إلى مرجعيات وطنية ودولية، نوجه إلى الأحزاب السياسية المغربية هذا النداء، راجيا أن يجد صدى في بلورة برامجكم الانتخابية وبرامج الحكومة المقبلة.
أولا: إصلاح التعليم مشروع استراتيجي يتطلب رؤية شاملة ونسقية
إن إصلاح المنظومة التربوية هو مشروع استراتيجي يجب التفكير فيه وتنفيذه على المدى الطويل ضمن رؤية مستقبلية نسقية وشاملة تقطع مع أي منطق تجزيئي. لذلك فإن غياب رؤية شاملة ونسقية هو الذي أدى إلى خطأ استراتيجي في خارطة الطريق 2022-2026، فالرهان الأكبر اليوم يجب أن يكون على الرؤية الاستراتيجية 2030 والقانون الإطار 51.17 الذي يشكل ترجمتها القانونية.
لقد حان الوقت أن تتحول السياسات التعليمية من سياسة تنشد تحقيق الأهداف الكمية وتحطيم الأرقام القياسية دون اكتراث بالقيمة الحقيقية لما يتم إنجازه، إلى سياسة تعليمية غايتها تحقيق جودة التعلمات وتطوير مستوياتها سنة عن سنة، ولو كان الثمن هو تراجع منحنى الأرقام والإحصاءات في مرحلة معينة من مراحل الإصلادح.
ثانيا: محاور الإصلاح الأساسية
1. إعادة الاعتبار لجودة التعلمات
تؤكد كل التقارير الوطنية والدولية أن أكثر من ثلثي التلاميذ المغاربة لا يتحكمون في الكفايات الدنيا المفروض أن يتمكن منها كل المتعلمين والمتعلمات. لذلك فإن جودة التعلم يجب أن تكون الأولوية المطلقة لأي إصلاح، لكن ينبغي التحذير من الرهان على التصورات المختزلة أو المشاريع المؤقتة التي تعطي انطباعا بالنجاح بينما تغفل العمق الهيكلي للإصلاح.
2. تكوين الأطر التربوية وتأهيل المدرسين
إن إصلاح التعليم في المغرب لن يكتمل دون إعادة الاعتبار لمهنة التدريس، وهنا لا بد من التأكيد على ضرورة وضع نظام أساسي منصف لجميع المدرسين بما في ذلك المشتغلين بالتعليم الأولي، وتوفير تكوين أساس ومستمر عالي الجودة يواكب التطورات البيداغوجية والعلمية. لأن تحقيق المغرب لجودة عالية في تكوين العنصر البشري سينعكس إيجابا على جودة التدريس والتعلمات داخل الفصول الدراسية على المديين المتوسط والبعيد.
3. تحقيق الإنصاف وتكافؤ الفرص
تشير معطيات متعددة إلى تفاقم الهدر المدرسي في صفوف تلاميذ العالم القروي والفئات الهشة، بسبب ضعف البنية التحتية وقلة الموارد وتراكم التعثرات الدراسية. لذلك ندعو إلى ضرورة توفير فرص متكافئة للجميع، عبر تحسين ظروف التمدرس في المناطق النائية وتوسيع برامج الدعم الاجتماعي وتقوية جودة التعليم في جميع الأسلاك بما في ذلك التعليم الأولي.
4. معالجة إشكالية اللغات في التعليم
ينبغي التأكيد بأن التناوب اللغوي بالشكل الذي تبنته الحكومة قد كرس هيمنة اللغة الفرنسية في المنظومة التعليمية، وبأن السياسات اللغوية الحالية لم تنجح في تحقيق التوازن المطلوب بين اللغات الوطنية واللغات الأجنبية. الأمر الذي يستوجب وضع استراتيجية لغوية واضحة تخدم أهداف الجودة وتواكب متطلبات النهضة الوطنية التنموية الشاملة، استئناسا بالتجارب الدولية الرائدة التي تؤكد على أن التدريس باللغات الوطنية عامل أساسي من عوامل تقدم المنظومات التربوية.
5. تحديث المناهج والتقويم التربوي
لقد انتبهت الرؤية الاستراتيجية إلى عامل حاسم في النهضة التربوية حينما أسندت عملية بناء المنهاج الدراسي وتطويره إلى لجنة وطنية مستقلة لم تقم لحد الآن بأدوارها للأسف. لذلك ندعو إلى ضرورة تحرير المناهج من التراكمات غير المجدية، والعمل على تصميم مناهج تركز على الكفايات الأساسية وتراعي الفروق الفردية بين المتعلمين. كما نسجل أن نسب النجاح المرتفعة في الامتحانات الإشهادية أصبحت تعكس معدلات خيالية لا تتطابق مع المستوى الحقيقي للتلاميذ، مما يستدعي إصلاحا جذريا لسياسات التقويم التربوي.
ثالثا: تحذير من الإصلاحات التجميلية والمشاريع العاجلة
بما أن البرنامج الحكومي الحالي ركز بشكل كبير على مشروع « مدارس الريادة »، فإنه من واجبكم أن تقوموا بقراءة موضوعية ونقدية لهذا المشروع، تجنباً للانزلاق في أوهام إصلاحية قد تؤدي إلى تعميق الأزمة بدلاً من حلها. لا يخفى عليكم أن مشروع « مدارس الريادة » يعاني من عدة آفات منهجية تجعله غير قادر على أن يكون نموذجاً للإصلاح الشامل، بل قد يكون عائقاً أمامه، وذلك للأسباب التالية:
· التركيز على النماذج الناجحة في بيئة محمية: لقد ركزت الحكومة جميع جهودها على عدد محدود من المؤسسات لتوفير كل شروط النجاح الضرورية لها من تأطير مكثف وتكوين خاص وموارد إضافية وانتقاء للتلاميذ والأساتذة، مما يجعل تعميم هذه التجربة على باقي المؤسسات، التي تعاني من الاكتظاظ وضعف الموارد والبنية التحتية، أمراً محفوفاً بالمخاطر وغير واقعي.
· الرهان على أهداف دنيا: إن ما ترتكز عليه مدارس الريادة لا يعدو أن يكون من الأهداف الدنيا التي ينبغي أن تحققها أية مدرسة عادية إذا قام الجميع بالمهام المطلوبة منه. أي أن المشروع يكتفي بتحقيق الحد الأدنى من الكفايات الأساسية، في الوقت الذي تحتاج فيه المدرسة المغربية إلى طموح أكبر لمواكبة التطورات العالمية وتحقيق النهضة التربوية التي بشر بها النموذج التنموي الجديد للمملكة.
· الإصلاح التجميلي بدل الإصلاح الهيكلي: إن الرهان على مشاريع مثل مدارس الريادة يعطي انطباعاً زائفاً بالنجاح ويصرف النظر عن الحاجة إلى إصلاح هيكلي وجذري للمنظومة برمتها. فبدلاً من معالجة الاختلالات العميقة مثل رداءة التكوين الأساسي للمدرسين، وضعف الحكامة، تقدم هذه المشاريع حلولاً جزئية وتجميلية لا تمس جوهر المشكلة.
· تكريس للا مساواة: بدلاً من تقليص الفجوة بين المدارس، تعمل مدارس الريادة على إنتاج فئة من التلاميذ والمدارس تحظى بامتيازات لا تتوفر لغالبيتهم العظمى، مما يكرس مزيداً من اللامساواة ويتنافى مع مبدأ تكافؤ الفرص الذي يدعو إليه الدستور.
من هذا المنطلق، ندعو الأحزاب السياسية إلى عدم الانخداع بظواهر النجاح المحدودة وإلى تبني برنامج انتخابي يركز على إصلاح المدرسة العمومية بأكملها بدلاً من تلميع نماذج معزولة. المطلوب هو سياسة عمومية طموحة تعمل على تحقيق حد أدنى من الجودة في المدرسة العادية، مع فسح مجال التطور لمستوى أفضل لجميع المؤسسات. وهذا يعني أن الإصلاح الحقيقي يتجاوز التجارب النموذجية المحدودة إلى إعادة هيكلة شاملة للمنظومة التربوية بأكملها.
رابعا: معايير الجودة وهَيئة وطنية مستقلة لتقييم المنظومة: خطوة نحو الشفافية والمحاسبة
إن غياب معايير دقيقة للجودة ومؤسسة وطنية مستقلة للتقييم هو أحد الأسباب الجذرية لفشل الإصلاحات التعليمية المتعاقبة. فالمنظومة التربوية اليوم تُقيّم نفسها بنفسها، وتُصدر أرقاماً خيالية لنسب النجاح لا تعكس واقع التعلّمات، مما يجعل أي قرار إصلاحي مبنيّاً على معطيات هشّة ومضلّلة. لذلك، ندعو الأحزاب السياسية إلى التضمين الواضح في برامجها الانتخابية للالتزامات التالية:
· وضع معايير وطنية دقيقة للجودة: لا يمكن الحديث عن جودة التعليم دون تحديد دقيق ومتفق عليه وطنياً لكيفية قياسها. يجب أن تتجاوز هذه المعايير مجرد نسب النجاح في الامتحانات، لتشمل مكاسب التعلّم الحقيقية، ومستوى الكفايات الأساسية، ومناخ المؤسسة، وكفاءة الأطر التربوية، ورضى الأسر والمجتمع.
· إنشاء هَيئة وطنية مستقلة للتقييم: تكون بمثابة هيئة عليا للجودة تخرج التقييم من قبضة الوزارة الوصية، وتسنده إلى هيئة دستورية أو قانونية مستقلة محايدة. تتمتع هذه الهيئة بالاستقلال المالي والإداري، وتتولى عدة مهام من بينها: تقييم دوري وشامل لجودة التعليم في جميع المؤسسات، وإصدار تقارير وطنية وجهوية ومحلية علنية وشفافة عن أداء المنظومة، وتقديم توصيات ملزمة للسلطات العمومية، والمساهمة في وضع معايير الاعتماد للمؤسسات والتكوينات والأطر.
بفضل هذه الهيئة، يمكن للمواطن والمجتمع المدني أن يُقيّم أداء الحكومات بناءً على مؤشرات جودة حقيقية وليس على الوعود أو الإنجازات الكمّية. وهذا ما من شأنه أن يُحدث نقلة نوعية في علاقة السياسة بالتربية، ويجعل من الجودة قضية انتخابية بامتياز.
خامسا: من المركزية المفرطة إلى اللامركزية التدريجية في ظل الجهوية المتقدمة تجسيدا لمبدأ القرب
ما من شك في أن سر نجاح الأنظمة التربوية المتقدمة يكمن في قدرتها على توزيع الصلاحيات والموارد قرب المواطن والمؤسسة، بعيداً عن المركزية البيروقراطية التي تعيق أي مبادرة وتقتل الإبداع. في المقابل، تعاني مؤسساتنا التربوية من شلل القرار بسبب التمركز المفرط، حيث ينتظر مدير المدرسة أو رئيس الجامعة أو مدير الأكاديمية أوامر من الرباط لحل مشكلة بسيطة. لذلك، وانسجاماً مع روح الجهوية المتقدمة التي كرسها دستور 2011، ندعو إلى التزام سياسي حازم بمسار تصاعدي وتدريجي نحو اللامركزية، يكون جوهره:
· إشراك الجماعات الترابية: تخصيص جزء من الميزانيات الترابية للاستثمار التربوي (بناء وصيانة المؤسسات، التجهيزات، الدعم المدرسي، الأنشطة الموازية). كما يمكن للجماعات أن تتدخل في تحديد أولويات التكوين المهني بما يتلاءم مع خصوصياتها الاقتصادية والاجتماعية، وفق عقود شراكة مع الأكاديميات.
· الانتقال إلى اللامركزية داخل المؤسسات التعليمية: تفعيل مبدأ « مشروع المؤسسة » كآلية مركزية لاتخاذ القرار على الصعيد المحلي. يجب أن يصبح مدير المؤسسة، بعد تخويله الصلاحيات المالية والإدارية الحقيقية، ومجلس المؤسسة الذي يضم ممثلي الأساتذة والتلاميذ والأسر والمجتمع المدني، هم من يضعون البرنامج السنوي للمؤسسة، ويدبرون ميزانيتها، ويقترحون أنشطتها التربوية، ويتتبعون نتائجها، في إطار احترام المرجعيات الوطنية.
· التكوين الترابي للأطر والمنتخبين: أي انتقال ناجح نحو اللامركزية يستلزم تكويناً قوياً للمديرين ورؤساء المؤسسات والمنتخبين في مجالات التدبير الترابي، القيادة التربوية، وقانون الصفقات، حتى يتحملوا المسؤوليات الجديدة بكفاءة وشفافية.
خاتمة
إن مستقبل المغرب الاقتصادي والاجتماعي رهين بقدرته على بناء مدرسة عمومية ذات جودة عالية، تؤهل الأجيال الصاعدة للانخراط في التنمية والمنافسة في محيط إقليمي ودولي يتطور بسرعة قياسية. إن وضع قطاع التعليم اليوم كارثي لا يحتمل، ولن يكون هناك أي عذر للأحزاب السياسية التي تتغافل عن إدراج هذا الملف الحيوي في صلب برامجها الانتخابية.
إن إصلاح التعليم ليس مشروعا انتخابيا يمكن حسمه في ولاية حكومية واحدة؛ بل هو مشروع استراتيجي طويل الأمد يمتد لسنوات وعقود. لذلك، يجب أن تتجاوز البرامج الانتخابية منطق الربح السياسي الآني وتشتت التصورات الإصلاحية إلى ترسيخ رؤية الدولة المتفق عليها وطنيا من خلال القانون الإطار 51.17 لأنه السبيل الوحيد لضمان استمرارية الإصلاح بغض النظر عن التعديلات الحكومية المتعاقبة.
نأمل أن تجعلوا من التعليم أولوية قصوى في برامجكم الانتخابية استعدادا لاستحقاقات 23 شتنبر 2026، وأن تجدوا في هذا النداء ما يساعدكم في بلورة هذا البرنامج، خدمة لمستقبل أبنائنا وبناتنا ورفعة لوطننا المغرب.