أمضى الحجاج يومهم، الثلاثاء، بالصلاة والدعاء عند جبل الرحمة في عرفات قبل أن يغادروا للمبيت في العراء في مزدلفة قرب مكة المكرمة، في ذروة مناسك الحج التي شارك بها أكثر من 1,7 مليون شخص في ظل درجات حرارة مرتفعة قاربت 45 درجة مئوية وتوتر إقليمي.
ومنذ الفجر، صعد آلاف الحجاج بملابس الإحرام البيضاء على الجبل البالغ ارتفاعه 70 مترا قرب مكة المكرمة وجلسوا بين صخوره.
وبقى الحجاج طوال اليوم في الموقع نفسه، يصلون ويبتهلون ويتلون القرآن الكريم ويدعون لأنفسهم وأحبتهم.
وبعد غروب الشمس، توجه الحجاج في حافلات أو سيرا على الأقدام إلى مزدلفة، على بعد 6 كيلومترات وفي منتصف الطريق بين عرفات ومنى، ليجمعوا الجمرات ويناموا في الهواء الطلق، قبل بدء رمي الجمرات، الأربعاء، أول أيام عيد الأضحى.
وأكد الحاج الجزائري محمود زحافي (64 عاما) الذي مشى من عرفة لمزدلفة رفقة أصدقائه « هذا يوم استثنائي ».
وتابع مبتسما « الله اصطفانا بين مئات الملايين من المسلمين لنكون حجاج بيته هذا العام ».
وكان زحافي يسير ممشى مرن مصنوع من الإسفلت المطاطي يخفف الضغط على الأقدام والمفاصل ويقلل درجات الحرارة.
بدوره، قال السعودي ناصر مجرشي (32 عاما) الذي خرج من بيته في مكة ليؤدي المناسك على دراجة كهربائية إنه « شعور لا يوصف. شعور جميل لا يمكن وصفه بالكلمات أبدا ».
وسيبيت الحجاج ليلتهم في العراء، اقتداء بتعليمات النبي محمد، في مزدلفة حيث يجمعون الحصى لرمي الجمرات في منى اعتبارا من صباح الأربعاء.
ونهارا في عرفات، وزع متطوعون عبوات مياه ومظلات وطعاما على عشرات آلاف الحجاج أثناء توجههم إلى جبل عرفات، فيما كانت طائرات مروحية تحلق في الأجواء في إطار خطة تأمين المناسك.
وقال أحمد أبو العز، وهو طبيب بيطري مصري يبلغ 35 عاما لدى توجهه نحو عرفات، « إنه شعور لا يوصف ».
ومع بلوغ الحرارة 44 درجة مئوية في مكة خلال الأيام الماضية، حضت السلطات السعودية الحجاج على شرب كميات كبيرة من المياه وحماية أنفسهم من الشمس خلال المناسك التي تؤدى بمعظمها في الهواء الطلق، وتستمر حتى الجمعة.
وعلى امتداد جبل عرفات، بكى حجاج تأثرا وهم يصلون في أجواء شديدة الحرارة، وقد حملوا مظلات ملونة للوقاية من أشعة الشمس. فيما انتشرت فرق طبية في أرجاء المنطقة الصحراوية المقفرة التي تحيطها الجبال لتقديم المساعدات الطبية للحجاج والكثير منهم من كبار السن.
ودعت وزارة الصحة للبقاء في المخيمات حتى الساعة الرابعة عصرا تجنبا للإصابة بالإجهاد الحراري وضربات الشمس.
وأدى أكثر من 1,7 مليون شخص، من بينهم 1,546 مليون آتوا من 165 دولة، فريضة الحج هذا العام، بحسب السلطات السعودية، رغم أجواء الحرب التي تخيم على الشرق الأوسط.
من مسجد نمرة في صعيد عرفات الذي فاض بآلاف الحجاج، دعا خطيب المسجد المسلمين « للامتناع عن الشعارات السياسية والنداءات الحزبية »، وطالبهم بـ »الالتزام بالضوابط التي وضعتها السلطات ».
ويشكل الحج تحديا لوجستيا كبيرا للمملكة العربية السعودية.
ونقلت أكثر من 33 ألف حافلة الحجاج إلى صعيد عرفات، على ما أفاد المتحدث الرسمي باسم منظومة النقل والخدمات اللوجستية عبدالعزيز العتيبي الإعلام السعودي.
ولوحظ هذا العام قلة الحجاج الذين يفترشون الطرق، ما يدل على نجاح السلطات السعودية بشكل واضح في القضاء على ظاهرة الحجاج غير النظاميين.
ويأتي ذلك بعد عامين من تسبب هذه الظاهرة مع درجات الحرارة المرتفعة التي قاربت 50 درجة مئوية آنذاك، في وفاة 1,300 حاج غالبيتهم العظمى من الحجاج غير النظاميين.
ورغم الحرب، قال مسؤولون سعوديون في نهاية الأسبوع إن عدد الحجاج القادمين من الخارج هذا العام تجاوز عددهم في 2025.
ويشكل الحج ملتقى للمسلمين من مختلف أنحاء العالم. ويرتدي الرجال خلاله إزارا ورداء أبيضين غير مخيطين، في مشهد يرمز إلى تلاشي الفوارق القومية والاجتماعية، فيما ترتدي النساء ملابس فضفاضة تكون غالبا بيضاء، مع كشف الوجه والكفين.
وقال كريم حازم، وهو تونسي يبلغ 40 عاما، « هذا مكان يجمع فيه رب العالمين الأمة، ونتذكر أننا يمكن أن نجتمع شعوبا وقبائل ».