كشفت المدعية العامة السابقة للمحكمة الجنائية الدولية، فاتو بنسودة، المتزوجة من رجل أعمال مغربي عن تعرضها لسلسلة من الضغوط والتهديدات المرتبطة بالتحقيقات التي كانت تباشرها المحكمة بشأن جرائم حرب في الأراضي الفلسطينية، متهمة رئيس جهاز الموساد الإسرائيلي السابق، يوسي كوهين، بمحاولة التأثير على عملها ودفعها إلى وقف مسار التحقيق.
وجاءت تصريحات بنسودة في مقابلة حديثة مع قناة الجزيرة، أعادت إلى الواجهة الجدل حول الضغوط السياسية والأمنية التي تعرض لها مسؤولو المحكمة الجنائية الدولية خلال السنوات الماضية، خاصة في الملفات المرتبطة بإسرائيل وفلسطين. وأكدت المدعية العامة السابقة أن كوهين التقاها أكثر من مرة، من بينها لقاءات في ميونيخ ونيويورك، وطلب منها بشكل مباشر التخلي عن التحقيقات المتعلقة بفلسطين، معتبرة أن ذلك شكل تدخلاً غير مقبول في استقلالية عمل المحكمة.
وأوضحت بنسودة أن الضغوط لم تقتصر على الاتصالات المباشرة، بل امتدت إلى ما وصفته بمحاولات ترهيب غير مباشرة استهدفت أفراداً من عائلتها، مشيرة إلى أن زوجها تعرض للمراقبة وأن معلومات شخصية جرى جمعها عنه في إطار ما اعتبرته محاولة للتأثير على قراراتها المهنية. وأضافت أنها أبلغت السلطات الهولندية بما تعرضت له، لكنها لم تتلق، بحسب روايتها، الحماية الكافية لمواجهة تلك التهديدات.
وتتقاطع هذه التصريحات مع تحقيقات إعلامية سابقة كانت قد كشفت عن حملة سرية نُسبت إلى إسرائيل واستهدفت المحكمة الجنائية الدولية ومسؤوليها. وكانت صحيفة The Guardian قد نشرت تحقيقاً تحدث عن تورط يوسي كوهين في اتصالات وضغوط متكررة ضد بنسودا بين عامي 2017 و2021، في محاولة لمنع فتح تحقيق رسمي بشأن الانتهاكات المرتكبة في الأراضي الفلسطينية. كما أشار التحقيق إلى عمليات مراقبة وجمع معلومات عن مسؤولي المحكمة في إطار ما وصف بأنه حملة ترهيب وضغط ممنهجة.
وتأتي هذه المعطيات في سياق تصاعد التوتر بين المحكمة الجنائية الدولية وعدد من القوى الدولية. فقد كانت إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب قد فرضت سنة 2020 عقوبات على بنسودة ومسؤولين آخرين بالمحكمة بسبب التحقيقات المتعلقة بأفغانستان وفلسطين، قبل أن يتم رفعها لاحقاً خلال إدارة جو بايدن. غير أن العقوبات عادت إلى الواجهة بعد عودة ترامب إلى البيت الأبيض، حيث استهدفت إجراءات أمريكية جديدة مسؤولين وقضاة بالمحكمة على خلفية ملاحقات تتعلق بالحرب في غزة.
وفي تصريحات أخرى حديثة، انتقدت بنسودة بشدة العقوبات المفروضة على أعضاء المحكمة الجنائية الدولية، معتبرة أنها تمثل محاولة لإخضاع القضاء الدولي للضغوط السياسية. وحذرت من أن استمرار هذه الممارسات قد يهدد مستقبل المحكمة وقدرتها على استقطاب القضاة والمدعين العامين والخبراء القانونيين، إذا أصبح العمل داخلها مرتبطاً بمخاطر مالية وشخصية متزايدة.
وتُعد فاتو بنسودة من أبرز الوجوه القضائية الدولية خلال العقدين الأخيرين، إذ تولت منصب المدعية العامة للمحكمة الجنائية الدولية بين سنتي 2012 و2021، وقادت خلال تلك الفترة عدداً من الملفات الحساسة المتعلقة بجرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية في مناطق مختلفة من العالم، قبل أن تتولى لاحقاً مهام دبلوماسية بصفتها الممثلة السامية لغامبيا لدى المملكة المتحدة.